كهذا ينظرون إلينا....هكذا يريدوننا

تابعنا على:   00:48 2014-04-30

فادي الحسيني

عقب الثورة الفرنسية، ومع نهايات القرن السادس عشر، كتب بطريرك اليونان جريجوريوس رسالة سرية الى قيصر روسيا، كان مفادها ان انهاء الدولة العثمانية عسكريا، يعد امرا مستحيلا، مقترحا في ذات الوقت العمل على انهائها من الداخل. اقترح جريجوريوس عدة خطوات تضمن العمل على شقيّن متوازيين: ثقافي واقتصادي، فدعى لتشجيع دخول العادات والافكار الغربية، المستوحاة من الثورة الفرنسية، كالمساواة والحرية وغيرها، حيث اعتبرها اساسية من اجل كسر روح الانضباط والانتماء والولاء لسلطان المسلمين. اما اقتصاديا، فاقترح جريجوريوس تقديم القروض والمنح للامبراطورية العثمانية، حتى ان كان ذلك سيعطيهم قوة واستقرارا شكليا قصير الاجل، الا ان الهدف من هذا هو تحطيم الارادة والتحدي لدى الامبراطورية العثمانية، وجعلها في تبعية اقتصادية يصعب الخروج منها.

تعتبر هذه الرسالة مرجعا مهما، ليس فقط عند البحث في اسباب وعوامل سقوط الدولة العثمانية، وانما في تفسير السياسات الاستعمارية والامبريالية حيال المنطقة العربية حتى يومنا هذا يبدو ان صانع القرار الغربي ذا العقلية الاستعمارية ما زال ينظر في هذه الرسالة كدليل ناجح للتعامل مع العرب. وكيف لا، فلم يعد يجمع باقي الدول الاسلامية سوى رباط الدين، بعد ان زرع الغرب روح القومية لدى جميع هذه الدول بالتوازي مع صعود الانظمة الحديثة والدساتير، فتقطعت بها السبل وتفرقت بينها الطرق، واصبحت كيانات منفصلة لا يجمعها سوى منظمة المؤتمر الاسلامي. ولان العالم العربي يجمعه اكثر من رابط (رباط الدين والعرق والتاريخ والجغرافيا والتجربة وغيرها)، وجب التعامل مع هذه المنطقة من منظور مغاير، يضمن فرقتها وتبعيتها في آن واحد.

ولن نعود كثيرا الى الوراء، فمنذ انهيار الدولة العثمانية، تعامل المستعمر مع هذه المنطقة وقسمها وفقا لمخططاته، بعد ان غدر بالشريف حسين، فحين كان يتفاوض مع مكماهون لتأمين استقلال العرب عن الامبراطورية العثمانية المتهاوية، كانت المملكة المتحدة وفرنسا تتفاوضان لتقسيم المنطقة بينهما، من خلال اتفاق سايكس بيكو. لم يتوقف الامر عند تقسيم بلاد العرب الى اقطار مقطعة الاوصال، وزرع روح القومية القُطرية لتسمو فوق اي انتماء اخر قد يجمعها كالاسلام او العروبة، بل كرست حُكاما ورؤساء، قامت هي باختيارهم.

لم تكن هذه النظرة غائبة عن الغرب نفسه، فوصف الكاتب ريموند هينبوش الدول العربية الناشئة بعد سايكس بيكو بالمصطنعة، وفي صراع دائم على حدود مختلقة، اما توبي دودج فوصف حكومات هذه الدول وما تلاها من انظمة بالحكومات الضعيفة والمفروضة من الخارج، بينما رأى بيرناند لويس انها حكومات قام البريطانيون والفرنسيون بزرعها وتثبيتها في هذه المنطقة.

بعيدا عن اي سرد تاريخي يعج بالكثير من البراهين على الدور السري حينا، والفاضح احيانا، والتدخل الاجنبي في شؤون بلاد العرب، الذي تراوح بين الوجود الفعلي الاجنبي ‘العسكري’ على الاراضي العربية، الى التحكم في مفاصل الحكم واقتصادياته وموراده ومقدراته وغيرها، ابتدعت العقلية الاستعمارية سبلا جديدة للتعامل مع الواقع الجديد في المنطقة التي شهدت بدء مرحلة التحرر وحصول العديد من الدول العربية على استقلالها وانهاء الاستعمار الاجنبي بشكله المباشر. وبالانسجام مع المبادئ التي ذكرها بطريرك اليونان جريجوريوس في رسالته، بدأت عملية اخضاع هذه المنطقة لتبعية طويلة الامد، من خلال شقين: اقتصادي وثقافي.

في ما يتعلق بالشق الاقتصادي، مع بدء حصول بلاد العرب على استقلالها من الاستعمار الغربي، بــدأت حقبة جديدة من التسلط الاجنبي على مقـــــدرات هذه الامة.

فابُتدع الفكر الرأسمالي (المبني على فكرة نظام بريتنيز وودز) بريادة الولايات المتحدة الامريكية، حيث كان الصراع على مختلف الصعد وشتى الجبهات مع الفكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي السابق. وكرست الولايات المتحدة جهودا جبّارة لتضع هذه الدول الجديدة في اطار الرأسمالية، ودفعت الى تأسيس البنك الدولي عام 1944 ولحقه تأسيس صندوق النقد الدولي عام 1945 كادوات لارساء دعائم هذه الخطة، فتبقى الدول العربية داخل كهف رسمت حدوده بايديها

ومن ثم بدأت مسميات جديدة كالشمال والجنوب، والدول المتقدمة والدول النامية، والعالم الاول والثالث، ودعت هذه المؤسسات دول العالم الثالث للاقتداء بالدول المتقدمة من خلال التنمية والتجارة، فما كان لمشاريع التنمية الا ان تكون مشاريع ضخمة تحمل اعباء مالية كبيرة، واستهلاكا سريعا للاموال المقترضة، تتم في اغلب الاحيان بتخطيط وتنفيذ شركات اجنبية تكون لها حصة الاسد، اما في التجارة فكانت تصب في المحصلة النهائية في اغلب الاحيان لمصلحة الدول المتقدمة.

اذا، خلق الغرب نظاما ماليا جديدا، قام بالترويج له تارة وبفرضه تارات، فارتبطت الدول به، واصبح طوقا يحيط برقابهم لاجل بعيد. وبدأت الديون في التراكم مع عروض غربية لقروض ميسرة (على سبيل المثال، في الفترة بين 1957- 1974، اقرض البنك الدولي ايران الشاه 1.2 مليار دولار)، واصبحت منذ ذلك الحين تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مقياسا ومؤشرا يلهث وراءه الخبراء، لانه يعكس مدى قدرة هذه البلاد على اللحاق بركب التقدم – وفقا للمفهوم الامريكي.

اكتشاف النفط في البلاد العربية أدى لتغير في الحسابات، كما اعتبرت ازمة البترول خلال سبعينيات القرن الماضي طفرة غير مسبوقة في التاريخ الحديث من حيث سرعة انتقال الثروة من شمال الكرة الارضية الى جنوبها، وقدرت الاحصاءات ان ما يقارب 400 مليار دولار انتقلت لخزائن الدول النفطية خلال الفترة 1973- 1982 فقط، حيث حصلت المملكة العربية السعودية على ما يقارب نصف هذا المبلغ، فيما حصلت دولتا الكويت والامارات العربية المتحدة على ربع هذا المبلغ.

هذا التطور دفع الدول النامية الى التفكير بتبني سياسات اقتصادية مستقلة، انعكست في محاولات التفاوض من اجل اتفاقيات واوضاع اقتصادية افضل، وهو الامر الذي جوبه برفض غربي شديد، حيث كانت ردة فعل ادارة الرئيس الامريكي السابق رونالد ريغان القول ‘ان ما يسمى بالعالم الثالث لن يقوم بتحديد الاجندة الاقتصادية العالمية’، اما وزير الخارجية انذاك اليكساندرهيغ فوصف هذه المطالبات ‘بغير الواقعية’ وقال عن هذه المفاوضات انها ‘حوار عقيم.’

وعند الحديث عن الشق الثقافي، فكما كان للثورة الفرنسية وتصدير مبادئها دور رئيسي في اضعاف الدولة العثمانية من الداخل، بدأت العولمة تشق طريقها الى كافة ارجاء الارض- بما فيها العالم العربي، مستغلة قيما ومبادئ سامية تسهل سبل اختراق الحدود والمجتمعات، فأعلت من مفهوم حقوق الانسان والديمقراطية والمساواة وحقوق المرأة وحقوق الاقليات وغيرها. ومن اجل تطبيق فاعل لهذه السياسة الجديدة، لزم استحداث ادوات، فظهر دور المنظمات غير الحكومية، ببياناتها وتصريحاتها وتقاريرها التي طالما ارّقت مضاجع ديكتاتوريات العرب.

صحيح ان الغرب، وبشكل خاص الولايات المتحدة الامريكية تعاون، بل دعم هذه الديكتاتوريات، الا ان ابقاء سيف مسلط من الداخل يعتبر امرا لا مفر منه في هذه السياسة. فكثرت التقارير التي تتحدث عن الحقوق السياسية والعرقية، وتعالت الاصوات الغربية المنادية بحقوق الاقليات في البلاد العربية، وكان اخرها تصريح الرئيس الامريكي اوباما حيال مصر قبل ايام حيث قال: ‘ملتزمون بحماية المسيحيين فى مصر!’

ولعل التقرير العربي السنوي الاول للتنمية البشرية الذي تمت صياغته بايدٍ عربية وناقشه الكونغرس الامريكي قبيل احتلال العراق، يعتبر ابرز مثال على هذه السياسة، فاستغل صانع القرار الامريكي ممارسات النظام العراقي السابق حيال الاقليات والمعارضة السياسية لتمرير اسباب احتلال العراق (خلافا لبدعة السلاح النووي)، فظهرت الحكومة الامريكية امام شعبها وشعوب الغرب كالحامي لحمى حقوق الشعب العراقي واقلياته، وكأنه ينشد حياة افضل للشعب العراقي، حتى ان كلفهم ذلك خسائر بشرية وعسكرية ومالية.

ولقد كشفت حرب العراق للمتابع كيف ينظر الكثير من صناع القرار والكتاب الغربيين للعرب وللمنطقة بأسرها، فقال الكاتب توماس بارنيت: ‘ان السياسة الامريكية حيال المنطقة العربية يجب ان تكون خليطا بين الاستخدام الصريح للقوة وتعزيز العولمة’، معتبرا ان احتلال العراق الخطوة الاولى نحو عولمة حقيقية. اما الكاتب الامريكي المؤثر في صنع القرار توماس فريدمان فوصف احتلال العراق وكأنه غزوة لا بد منها لوضع المنطقة العربية في حظيرة العولمة، بعد ان اقرّ هو وغيره بان المنطقة العربية تظهر مقاومة للعولمة، وان المعركة الاخيرة لاعلان قوى العولمة النصر التام هي معركة المنطقة العربية. وارجع اولئك الكتاب السبب وراء هذه المقاومة الى العادات والتقاليد والدين ووجود النفط عند العرب.

وبعد فشل المشروع الامريكي في عولمة العراق بالطريقة التي يرتأونها، ذهب كتّابهم بعيدا في تطرفهم، فقالوا عن العنصر العربي، وبشكل صريح، انه ‘لا يصلح’ للتطور والتقدم، ولن يستطيع اللحاق بركب التقدم والحداثة- متمثلة بالعولمة. وتناوب الكثير من الكتاب الغربيين في اعتبار العنصر العربي استثناء يبعد عن التطور والتقدم، نذكر منهم بيرناند لويس، فؤاد العجمي وديفيد بروكس.

في الختام، يمكن القول ان اسهل الطرق لاختراق الحصون المنيعة يأتي من داخلها، وأيسر السبل لانهاك الامم يكمن بتفكيك وحدة ابنائها، اما التعصب والنعرات العرقية والدينية والقومية فلا تعدو اكثر من وقود وحطب نار قد تحرق ما تبقى من معالم الامة. المثير هنا هو ان فكر العولمة وتخطي الحدود التقليدية كان موجودا عند العرب والمسلمين منذ قديم الازل، فلم يكن للحدود اي وجود، ولم يكن لعرق الانسان ان يكون سببا يحول بينه وبين اي موقع في الدولة، الى ان ابتدع الفكر القومي، الذي بدأ يفرق بين عرق واخر، ومن ثم رُسمت الحدود واخُتلقت الجنسيات، فبدأ التعصب للاقطار بمفهومها الضيق يحل محل الانتماء وحب الامة بمفهومها الاوسع، ثم غرست العصبيات العرقية والقبلية والدينية والفكرية، فتشرذمت الامة اكثر واكثر، وتبدل مجدها الغابر نكبة بعد انتكاسة.

ومع هذا وذاك، ومع التطور في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، وفرت بعض جوانب العولمة للعرب سبل الخلاص واسباب النجاة، فلم تعد خبايا المؤامرات سرا، ولم تبق نوايا الاخرين امرا خفيا، بل اصبحت تقال جهرا، واضحت جميعها دروسا تعلمناها دهرا بعد دهر، فيكون الوقوع بها من جديد امرا ممنوعا، محذورا، خاصة بعد ما علمنا كيف ينظرون الينا، وكيف يريدوننا.

اخر الأخبار