الغنوشي 'يستجير' بقائد السبسي لمنع النهضة من التآكل

20:40 2013-10-23

 أمد/ تونس :  يراقب السياسيون التونسيون بتوجس الجهود المضنية التي يقودها رئيس حركة النهضة الإسلامية الحاكمة راشد الغنوشي لاستمالة زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي الذي يحظى بشعبية كبيرة ومصداقية سياسية باتت تهدد حركة النهضة التي تزايد تجاهها غضب التونسيين بسبب فشل حكومتها في إدارة شؤون البلاد.

وعلى الرغم من التكتم الشديد الذي يتسلح به الغنوشي في لقاءاته القليلة بقيادات المعارضة التي يمقتها، أكدت مصادر سياسية أنه أبدى خلال الأشهر الأخيرة "استعدادا ومرونة" لنسج "علاقات تعاون" مع قائد السبسي من أجل إنقاذ حركة النهضة بعد أن ضاق عليها الخناق في وقت قويت فيه شوكة المعارضة العلمانية التي تطالب برحيل حكومة علي العريض.

ويبدو أن الغنوشي الذي يقسم التونسيين إلى إسلاميين وعلمانيين "اقتنع" بأن رحيل الحكومة قدرا لا مفر منه لذلك هرول عشية بدء الحوار الوطني إلى إجراء لقاء مع قائد السبسي أكد خلاله أن "أقرب أحزاب المعارضة للنهضة هي حركة نداء تونس" في إشارة على ما يبدو إلى أن الحركة الحاكمة "تستجدي" تحالفا إستراتيجيا مع نداء تونس من أجل قطع الطريق أمام المعارضة اليسارية الراديكالية.

وليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها الغنوشي استمالة السياسي المخضرم قائد السبسي إذ سبق وان "طار" في 15 آب/أغسطس الماضي إلى باريس للقاء زعيم حركة نداء تونس الذي كان في زيارة خاصة إلى العاصمة الفرنسية.

ولئن تكتم الرجلان عن المسائل التي ناقشاها في لقاء باريس، فإن القيادات السياسية التونسية اعتبرت ذلك اللقاء نقطة تحول في علاقة حركة النهضة التي تشعر بالتآكل والهزال وبحركة نداء تونس التي يفتخر نشطاؤها بأنها أصبحت قوة سياسية قادرة على إعادة ترتيب أوراق المشهد السياسي.

فقد تلقى الغنوشي "صفعة" من حركة نداء تونس في 13 آب/أغسطس الماضي حين حشدت مع اليساريين مظاهرة شارك فيها عشرات الآلاف أمام المجلس التأسيسي مطالبين برحيل الحكومة.

وترى النهضة أن أخطر ما يهدد وجودها السياسي هو تحالف أحزاب الوسط وفي مقدمتها نداء تونس مع الأحزاب اليسارية العلمانية التي تعمل تحت راية "الجبهة الشعبية" وتسعى إلى "كنس" الحركة الحاكمة ولا تتردد في المطالبة بمحاكمة قياداتها بخصوص تفشي ظاهرة الإرهاب وملفات فساد إضافة إلى اغتيال المناضلين العلمانيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

ويجد راشد الغنوشي في "اعتدال" مواقف نداء تونس تجاه النهضة ما يشجعه على "تغيير مواقفه السابقة والرافضة لأية علاقة" باتجاه "الاستمالة" وربما "عقد تحالفات استراتيجية" تبدو شبه مستحيلة.

فقد أكد الباجي قائد السبسي في أكثر من مناسبة على أن حركة النهضة "تمثل جزء من المشهد السياسي" وأن مستقبل العملية السياسية ومسار الانتقال الديمقراطي يتم بمشاركة الحركة الحاكمة.

وبخلاف الأحزاب اليسارية الراديكالية التي تطالب بـ"اجتثاث النهضة واستئصالها" وتصفها بـ"الورم الخبيث" تنتهج حركة نداء تونس "خطابا معتدلا" تجاه الحركة الحاكمة دون أن تتردد في توجيه انتقادات لاذعة لها.

ويقول سياسيون إن "سياسة العصا والجزرة" التي يمارسها بدهاء قائد السبسي تجاه الغنوشي قادت هذا الأخير إلى الاقتناع بأن النهضة ستخرج "خاسرة" من الحوار الوطني إن لم تضمن "الحد الأدنى من التوافقات مع نداء تونس" تنأى بها عن مطالبة اليساريين بـ"محاسبتها" سياسيا وقضائيا.

ولا يخفي السياسيون "توجسهم" من إمكانية "صفقة" بين النهضة ونداء تونس تقضي بأن يتولى قائد السبسي رئاسة الجمهورية خلال الفترة المتبقية من المرحلة الانتقالية مقابل دعم مواقفها وتخفيف الضغط عليها خلال جلسات الحوار الوطني حول خارطة الطريق التي تفضي بنودها إلى إنهاء حكم الإسلاميين.

وتقول قيادات النهضة إنها مستعدة لـ"عقد تحالفات إستراتيجية" خلال الفترة القادمة من أجل "تطوير أداء الحركة" لكن الواقع يشير إلى أن هكذا تحالفات إنما تهدف إلى إنقاذها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في وقت "تدحرجت" فيه شعبيتها إلى الحضيض فيما تحظى حركة نداء تونس بدعم قوي من طرف الرأي العام التونسي.

فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "زغبي" لخدمات البحوث في الولايات المتحدة أن 72 بالمائة من التونسيين لا يؤيدون حزب النهضة فيما تقوقع عدد المتعاطفين معها عند نسبة 28 بالمائة فقط.

وبالمقابل أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "سيغما" التونسية للبحوث والدراسات أن زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي يتصدر قائمة السياسيين الذين يحظون بثقة التونسيين بنسبة 52 بالمائة فيما لا يحظى راشد الغنوشي سوى بنسبة 17 بالمائة.

وبعيدا عن نتائج استطلاعات الرأي التي تبقى نسبية فإن حركة النهضة التي وقعت على خارطة الطريق "على مضض" تعلم أن تنفيذ بنود الخارطة "سيحفر قبرها" لذلك تسعى إلى تحويل وجهة الحوار الوطني أو على الأقل "تخفيف نتائجه الكارثية" من خلال كسب دعم أحزاب الوسط وعلى رأسها حركة نداء تونس.

وبرأي المراقبين فإن الحركة الحاكمة تعيش خلال هذه الفترة "على قلق" خوفا من أن يقود خروجها من الحكم إلى محاكمات على طريقة السيناريو المصري لذلك فإنها تبحث عن ضمانات حتى أنها طلبتها صراحة من راعي الحوار الإتحاد العام التونسي للشغل، وهي الآن بصدد "تأمين" الضمانات من خلال استمالة نداء تونس باعتباره القوة السياسية الأولى في البلاد.

غير أن السياسيين يشددون على أنه ليس بإمكان أي جهة، سواء اتحاد الشغل أو نداء تونس، توفير ضمانات للنهضة لتأمين خروج آمن لها من الحكم باعتبار أن القانون فوق الجميع لذلك لا يستبعدون تعرض عدد من قيادات الحركة لمحاكمات.

وبقطع النظر عن خلفيات "هرولة" الغنوشي نحو قائد السبسي إن كانت من أجل "تخفيف الضغط" على النهضة خلال جلسات الحوار الوطني أو من أجل "تحالفات إستراتيجية" فإن الأكيد هو أن رئيس الحركة الإسلامية الحاكمة يحاول عبثا "إنقاذ ما أمكن إنقاذه" لأن ما يفرق نداء تونس أهم مما يجمعها بحركة عقائدية قادت البلاد إلى أخطر أزمة منذ الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي عام 2011.

اخر الأخبار