مصر: أسرار تحول الجيزة إلى منبع لتصدير الإرهاب..

تابعنا على:   15:04 2014-04-26

أمد/ القاهرة : يعرف العالم محافظة الجيزة جيدًا، ولا أبالغ إذا قلت إن تلك المحافظة تعد الأهم فى العالم، باحتوائها على أهرامات الجيزة التى تعد من أشهر المعالم الأثرية وأقدمها، لكن الوضع تغير الآن كثيرًا، فقد تصدرت أخبار هذه المحافظة عناوين أهم الجرائد العالمية، كما صارت منبعًا للأخبار العاجلة التى تظهر فى شريط الأخبار الخاص بالمحطات الفضائية العالمية، فقد طغى اسم أحد مراكزها على ما عاداه فى أثناء فض اعتصام جماعة الإخوان المسلمين بمنطقة رابعة العدوية بمدينة نصر، وظهر الرئيس الأمريكى باراك أوباما فى مؤتمر صحفى عاجل وهو يتلفظ باسم «كرداسة» التى صارت مرادفًا عند الكثيرين لمعانى الوحشية والبربرية، بعد أن تم التمثيل بجثث ضباط قسم شرطتها، وقتلهم جميعًا فى مشهد سيخلد فى أذهان العالم لفترة طويلة.

 

الكثير من الشبهات، العديد من علامات الاستفهام، عشرات الأسئلة الحائرة، لماذا تفوز تلك المحافظة بالمركز الأول فى عمليات الاستهداف الإرهابى المتعددة، برغم أنها تضم فى جنباتها أعظم آثار العالم، فى دهشور وسقارة والأهرامات، كما تضم معالم سياحية متفردة، مثل المتحف الزراعى، وحديقة الحيوان، وحديقة الأورمان؟، لكن للأسف ما من يوم يمر إلا ويرى أبناء هذه المحافظة دماء على الأسفلت، أو فى السيارات، ففى كل يوم يصحو أبناء هذه المحافظة على صوت الانفجارات، ووقع القنابل أو دوى طلقات الرصاص، ما يؤكد أن هذه المحافظة المنكوبة أصبحت لغزًا كبيرًا أمام الجهات الأمنية، كما أنها أصبحت جنة للإرهابيين الذين يقتلون ويفجرون ويدمرون بحرية تامة.

 

نظرة واحدة على خريطة التفجيرات الإرهابية تكفى لتعرف أن هذه المحافظة أصبحت «موبوءة» بالإرهاب، مسكونة بالرعب، مرصعة بالدماء، محاصرة بالخوف، مخنوقة بإجراءات أمنية تعسفية لم تمنع وقوع البلاء، ولم تسهم فى تخفيف أضراره، منذ فض اعتصام الإخوان برابعة العدوية فى 14 أغسطس الماضى أغلقت وزارة الداخلية الشوارع المؤدية إلى مديرية الأمن، ومن حين لآخر يتم إغلاق ميدان النهضة، وشارع النهضة المؤدى إلى شارع مراد وكوبرى الجامعة، لكن لم يمنع الحذر من وقوع القدر، وعلى ما يبدو فقد أصبح الإرهاب من «قدر» تلك المحافظة.

 

المحافظة الوحيدة التى استطاع الإخوان أن يشعلوا النار فيها، فيأتوا على ما فيها كانت محافظة الجيزة، فقد استطاعت جحافل الجماعة الإرهابية الوصول إليها بيسر، ودمرت وأحرقت وأتلفت، ولم يتم القبض على أحد المجرمين، واضطرت المحافظة إلى تجديد مبناها بأكثر من 50 مليون جنيه، كما أن المحكمة الوحيدة التى انفجرت فيها القنابل كانت محكمة شمال الجيزة بإمبابة، التابعة لمحافظة الجيزة، فى واقعة كادت أن تعكر صفو يوم الاستفتاء على الدستور الجديد، كما ألقت بظلالها على توافد الناخبين على صناديق الاقتراع، ولا يغيب عن خاطرنا هنا أن الجماعة وحلفاءها كانوا قد اختاروها منذ زمن بعيد لإقامة تظاهراتهم التى ادعوا أن عدد من شارك فيها وصل إلى 15 مليونًا فى مساحة لا تستوعب أكثر من 40 ألفًا.

 

وكان طبيعيًا أن تختارها الجماعة أيضًا لتكون مقرًا لذلك الاعتصام الإرهابى المسمى باعتصام النهضة، وليس خافيًا على أحد أن هذا الاعتصام كان من أشرس اعتصامات الإخوان وأعنفها، ومنه كانت تنطلق المسيرات الإرهابية للهجوم على معتصمى التحرير، ومحاولة اقتحام ماسبيرو، وهما الواقعتان اللتان شهدتا وجود القيادى الإخوانى باسم عودة على رأس المسيرات، وكما أكد وزير الداخلية محمد إبراهيم فإن هذا الاعتصام كان مجزرة مستترة، وفيه كان يتم تعذيب المواطنين على أيدى أبناء الجماعة، كما وجد بجواره ما يقرب من ثمانى جثث ظهرت عليها آثار التعذيب، كما اختطف إرهابيو هذا الاعتصام زميلة صحفية، ولم يفرجوا عنها إلا بعد انتشار الخبر فى وسائل الإعلام، ولا يجب هنا أن ننسى أن هذا الاعتصام كان يعد محطة إمداد وتموين للإرهاب المنطلق فى الأحياء المجاورة، وهو ما أدى إلى وقوع ما يقرب من 20 شهيدًا من أهالى المنيل وبين السرايات، والذين استحلت الجماعة أموالهم وسرقت محالهم وقتلت أبناءهم.

 

يجب هنا ألا ننسى أيضًا أن تلك المحافظة تشهد وفود المظاهرات المؤيدة لفكر الجماعة الدموى، وأنها تشهد كل أسبوع مظاهرة تجوب أحياءها، وتصطدم مع سكانها، لذلك كثيرًا ما نسمع عن وقوع اشتباكات بين أهالى المحافظة والإخوان فى شارعى فيصل والهرم ومنطقة الطالبية، كما لا يجب أيضًا أن ننسى أنها كانت المعسكر الدائم لتلك الحركة الإرهابية المسماة بـ«حازمون»، وفيها يقع مسجد أسد بن الفرات الذى كان مقرًا رسميًا للإرهابى حازم صلاح أبوإسماعيل، وفيها حاصر أنصار أبوإسماعيل مبنى محكمة مجلس الدولة وقت نظر قضية جنسية والدته، كما حاولوا اقتحام قسم شرطة الدقى مرارًا، وفيها أيضًا الكثير من مساجد السلفية المتشددة المدعومة بشيوخ التطرف، أمثال محمد حسين يعقوب، وفيها أيضًا دارت اشتباكات مصطفى محمود التى شهدت انتشار الأسلحة النارية الآلية بين أيدى متظاهرى الجماعة الإرهابية، ومنها أطلق الشيخ محمد حسان صيحته الشهيرة «لا تفريط بعد اليوم»، مطالبًا جميع «الإسلاميين» بالمرابطة فى الميادين خلال فض اعتصام رابعة، وذلك قبل أن يقول لأصحابه إنه أصيب بوعكة صحية أجبرته على مغادرة مسرح العمليات فى ميدان مصطفى محمود.

 

للجيزة إذن تاريخ حافل مع التطرف وشيوخه وعملياته، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد شهدت هذه المحافظة العديد من العمليات الإرهابية، منها انفجار قنبلة فى الدقى قبل أيام، ومنها انفجار قنبلة عند كوبرى الجيزة، ومنها انفجار فى محكمة إمبابة، ومنها الحادثة الإرهابية التى وقعت أمام كنيسة مدينة 6 أكتوبر، ومنها تفجيرات أكتوبر التى راح ضحيتها العميد أحمد زكى، ومنها بالطبع وقائع التطرف المتعددة فى كرداسة وناهيا، ومنها عملية كنيسة الوراق الإرهابية، ومنها تفجيرات الجامعة التى راح ضحيتها الشهيد طارق المرجاوى، ومنها انفجار الطالبية، ومنها انطلق أتباع حازم صلاح أبواسماعيل «حازمون» لحرق حزب الوفد قبل 30 يونيو، بالإضافة إلى العشرات من المسيرات التخريبية والعمليات الإرهابية التى جعلت من المحافظة كأنها أرض الأحلام للتنظيمات الإرهابية.

 

علامات الاستفهام تتكاثر، فما الذى يجعل تلك المحافظة مرتعًا للإرهاب بهذا الشكل؟ وما الذى يكبل أيدى الأجهزة الأمنية عن الوقوف فى وجه هذا الإرهاب وتجفيف منابعه؟ وكيف تستسلم الجهات الأمنية إلى قدر الإصابة بضربات الإرهاب المتتالية التى تحصد أرواح ضباط الشرطة وجنودها؟ هل بين الإرهاب وهذه المحافظة ثأر قديم، ولهذا يكثرون من عملياتهم المخربة فى نطاقها؟ هل هناك بالفعل جواسيس تسربوا داخل الأجهزة الأمنية وأصبحوا ينقلون المعلومات، ويفشون الأسرار لتسهيل العمليات الإرهابية؟ هل تحتاج مديرية أمن الجيزة إلى تطهير حقيقى من بقايا النظام الإخوانى؟ هل زيادة معدلات الفقر تسببت فى تجنيد بعض أبناء المحافظة كإرهابيين؟ وهل لزيادة معدلات الجهل نصيب أيضًا؟ وماذا فعلت الحكومة للقضاء على الإرهاب فى الجيزة ومحاربته فى ضواحيها؟

 

 قبل أن نبحث فى هذه الأسئلة المتكاثرة، لابد لنا من أن نذكر أن تلك المحافظة كانت من المحافظات المؤيدة للإخوان بشكل كبير، وظهر هذا فى تأييدها للإخوانى السجين محمد مرسى فى انتخابات الرئاسة، وهى المحافظة الوحيدة من بين المحافظات الكبرى الأربعة «القاهرة والإسكندرية والجيزة والقليوبية» التى تفوق فيها مرسى على خصومه فى جولتى الانتخابات، فقد تفوق حمدين صباحى فى الجولة الأولى فى الانتخابات فى القاهرة والإسكندرية، وتفوق أحمد شفيق فى القليوبية، واكتسح مرسى منافسيه فى الجيزة فى الجولتين، فحصل مرسى فى الجولة الأولى على ما يقرب من 600 ألف صوت، يليه حمدين 470 ألف صوت، ثم أحمد شفيق 370 ألفًا، أما فى الجولة الثانية ففاز مرسى بفارق ضخم عن شفيق، حيث حصل على 1.351.846 صوتًا، فيما حصل الفريق أحمد شفيق على 911.884 صوتًا، بفارق 439.962 لصالح مرسى.

 

نعرف جميعًا أن الأرقام لا تكذب، ولقد أثبتت الأرقام أن تلك المحافظة «إخوانية الهوى»، وأنها كانت داعمًا كبيرًا للإخوان فى الوصول إلى الحكم، لكن من المستحيل بالطبع أن تظل المحافظة على حالها بعد حكم الإخوان الذى أسقط شعبيتهم سقوطًا تاريخيًا مشهودًا، لكن هذا أيضًا لا يمنع من أن يجعلها مستحوذة على مسبة كبيرة من مناصرى مرسى ومؤيديه، وهو ما مهد الطريق لإحداث اختراق إخوانى كبير لمديرية الأمن وأجهزة المحافظة، ولعلك تذكر أن أول قرارات اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية، بعد 30 يونيو كان الإطاحة باللواء عبدالموجود لطفى، مدير أمن الجيزة الأسبق، وتعيين اللواء حسين القاضى بدلًا منه، وسرعان ما أطاح الوزير بالقاضى أيضًا، وتعيين كمال الدالى مديرًا للأمن فى تلك المحافظة المنكوبة بعد أسابيع قليلة من تولية القاضى.

 

هنا لابد لنا من وقفة أمام ما حدث فى المديرية فى أثناء حكم الإخوان وبعده، فقد كانت مديرية أمن الجيزة هدفًا معلنًا لاختراق الإخوان، ولا نبالغ إذا قلنا إنهم استطاعوا اختراقها بالفعل، والبداية كانت بعد محاولة جماعة «حازمون» إحراق حزب الوفد، وهو الأمر الذى عجّل بالمواجهة الشرسة بين ضباط المديرية من جهة، وجماعة الإخوان وحلفائها من جهة أخرى، غير أن الجماعة استطاعت أن تكسر شوكة المديرية فى هذه الواقعة، وبحسب تقرير نشرته صحيفة «روز اليوسف» بعد إبعاد عبدالموجود لطفى من مديرية الأمن، فإن الجماعة قامت بـ«مذبحة» للضباط المناوئين لها فى المديرية، وكان على رأسهم اللواء كمال الدالى، رئيس مباحث المديرية وقتها، كما تمت الإطاحة باللواء طارق الجزار، نائب مدير المباحث، ونقله، وتم تعيين اللواء محمد الشرقاوى مديرًا للمباحث، مجاملة لباكينام الشرقاوى، مساعدة رئيس الجمهورية المعزول للشؤون السياسية، حيث أكدت «روز اليوسف» أن الشرقاوى يرتبط بها بصلة قرابة، كما قيل وقتها إن تعيين اللواء عبدالموجود لطفى مديرًا لأمن الجيزة كان مجاملة لحسن البرنس، القيادى الاخوانى، نائب محافظ الإسكندرية السابق، والسبب هو الصفقة التى تمت بين البرنس ولطفى لسحل متظاهرين الإسكندرية عندما كان يتولى عبدالموجود مدير أمنها، فتمت مكافأته بمنصب مدير أمن الجيزة، وقيل أيضًا إن عبدالموجود لطفى كان على علاقة وثيقة بأعضاء مكتب الإرشاد، وإنه كان يقابلهم فى عمارة بالدقى.

 

الكثير من الشكوك حامت حول لطفى، مدير أمن الجيزة الأسبق، حتى أن عبدالرحيم على، رئيس قسم النشر بالمركز العربى للبحوث والدراسات الاستراتيجية، اتهم لطفى بالاشتراك مع مصطفى مرسى، نائب سابق بمجلس الشعب والمنتمى للإخوان، وجمال الجارحى، صاحب شركة حديد، بالتحريض على اقتحام المركز لقيام عبد الرحيم على بكشف ما دار من لقاءات بينهم لإجهاض ثورة 30 يونيو، وإذا سلمنا بالفعل بأن مديرية أمن الجيزة قد «تأخونت» حقًا وأن لطفى أقصى مناوئى الإخوان، وقرب مناصريهم، فهذا يعنى أنه لا يكفى أن نقطع الرأس ليبقى باقى الجسد على حاله، ويؤكد أيضًا أنه من المؤكد أن الذى استطاع أن يخترق الرأس من المحتم أن يكون قد اخترق الجسد، وهذا ما يؤكده أمين الشرطة المتهم بقتل مواطن فى قسم إمبابة، حيث قال إنهم حاولوا القبض على القتيل أكثر من مرة، لكن هناك «جواسيس» فى المديرية كانوا يبلغونه بميعاد مأمورية تنفيذ أمر الضبط.

 

مما سبق نتأكد أن مديرية أمن الجيزة مخترقة بشكل كبير من جانب جماعة الإخوان الإرهابية، وأنه لا يكفى أن نأتى باللواء كمال الدالى، مدير الأمن، على ما عرف عنه من معارضة للإخوان على رأس المديرية لتتطهر المديرية من جواسيس الإرهاب، فقد انتشر السم فى الجسم،وأصبح فى حاجة ملحة إلى تطهير واسع وشامل، وإلا فإن النتيجة ستكون مضاعفة عمليات الإرهاب فى تلك المحافظة المنكوبة.

 

إنه من المؤلم أن تعرف أن تلك المحافظة الشهيرة على أهميتها تحتل المرتبة الثانية بعد أسيوط فى قائمة المحافظات التى تضم القرى أو الأحياء الأكثر فقرًا، فقد أظهرت إحصائية الصندوق الاجتماعى للتنمية التابع لمجلس الوزراء أن 23 منطقة فى الجيزة تصل فيها نسبة الفقر لأكثر من %75، بينما جاءت أسيوط فى المرتبة الأولى بـ50 منطقة، وبذلك تكون محافظتا الجيزة وأسيوط تستحوذان على ما يقرب من ثلاثة أرباع القرى الأكثر فقرًا، والتى يبغ عددها 108 قرى، يصل فيها الفقر إلى نسبة %75 من أعداد السكان، كما أن الجيزة تفوقت على كل من القاهرة والإسكندرية والقليوبية فى قائمة المحافظات الأكثر احتياجًا للمدارس، حيث رصد تقرير حكومى صادر عن وزارة التربية والتعليم، ومنشور فى صحيفة الأهرام 15 مارس الماضى عن عدد المناطق المحرومة من المدارس، أن الجيزة تأتى فى مركز متقدم فى التقرير بعد سوهاج والمنيا والبحيرة وأسيوط وكفر الشيخ والشرقية والفيوم.

 

هنا لابد لنا من الاعتراف بالأزمة، ولابد من وجود خطة عاجلة للوقوف فى وجه الإرهاب فى هذه المحافظة، ومطلوب أيضًا أن تسارع الحكومة بتحديث بنيتها الثقافية لتقهر الإرهاب الذى لا يتوغل إلا بعد توغل الفقر والمرض والجهل، ومطلوب أيضًا أن نتعامل وفق معطيات الأزمة.

 

اليوم السابع

اخر الأخبار