القدس مفتاح السلام للعالم والقدس مفتاح الحرب للعالم

تابعنا على:   14:19 2014-04-21

الدكتور/ جمال أبو نحل

إستغل الصهاينة مؤخرًا ما يسمى بالربيع العربي والترهل في العالم العربي والإسلامي والانقسام الفلسطيني وكذلك المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الأخيرة؛ و بدأت تزيد وثيرة تقسيم القدس مكانيًا وزمانيًا وتهويدها

 وحفر مزيدًا من الأنفاق تحتها واقتحامها بصورة مستمرة، والناظر والباحث في تاريخ فلسطين والقدس عبر التاريخ يرى أن مدينة القدس يرجع تاريخها إلى أكثر من خمسة آلاف سنة ، وهي بذلك تعد واحدة من أقدم مدن العالم ، وتدل الأسماء الكثيرة التي أطلقت عليها على عمق التاريخ .وقد أطلقت الشعوب والأمم التي سكنتها أسماء مختلفة ، فالكنعانيون الذين هاجروا إليها في الألف الثالثة قبل الميلاد أسموها \\\" أورساليم \\\" وتعني مدينة السلام أو مدينة الإله ساليم ، ثم عرفت في العصر اليوناني باسم ايلياء ومعناه بيت الله .ومن أهم الأعمال التي قام بها الكنعانيون في القدس شق نفق لتأمين وصول المياه إلى داخل المدينة من نبع جيحون الذي يقع في وادي قدرون والذي يعرف اليوم بعين سلوان .سكان القدس الأصليون؛ وقد سُكنت قبيلة اليبوسيين ـ أحد البطون الكنعانية العربية ـ المدينة حوالي عام 2500 ق . م فأطلقوا عليها اسم يبوس .ثم جاء العصر الفرعوني 16 - 14 ق.م وقد خضعت مدينة القدس للنفوذ المصري الفرعوني بدءاً من القرن 16 قبل الميلاد ، وفي عهد الملك اخناتون تعرضت لغزو \\\" الخابيرو \\\" وهم قبائل من البدو ، ولم يستطع الحاكم المصري عبدي خيبا أن ينتصر عليهم ، فظلت المدينة بأيديهم إلى أن عادت مرة أخرى للنفوذ المصري في عهد الملك سيتي الأول 1317 - 1301 ق . م ثم جاء اليهود واحتلوا القدس ودام حكم اليهود للقدس 73 عاماً طوال تاريخها الذي امتد لأكثر من خمسة آلاف سنة فقد استطاع داود السيطرة على المدينة في عام 977 أو 1000 قبل الميلاد وسماها مدينة داود وشيد بها قصراً وعدة حصون ودام حكمه 40 عاماً ، ثم خلفه من بعده ولده سليمان الذي حكمها 33 عاماً .وبعد وفاة سليمان انقسمت الدولة في عهد ابنه رحبعام وأصبحت المدينة تسمى \\\" أورشليم \\\" وهو اسم مشتق من الاسم العربي الكنعاني ساليم الذي أشارت التوراة إلى أنه حاكم عربي يبوسي كان صديقاً لسيدنا إبراهيم عليه السلام لعصر البابلي 586 - 537 قبل الميلاد، ثم احتل الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني مدينة القدس بعد أن هزم آخر ملوك اليهود صدقيا بن يوشيا عام 586 قبل الميلاد ، ونقل من بقي فيها من اليهود أسرى إلى بابل بمن فيهم الملك إلي أن جاء العصر الفارسي 537 - 333 قبل الميلاد ثم سمح الملك الفارسي قورش عام 538 قبل الميلاد لمن أراد من أسرى اليهود في بابل بالعودة إلى القدس واستمرت القدس بلد الحرب والسلام إلى أن جاء العصر اليوناني 333 - 63 قبل الميلاد؛ حيث استولى الإسكندر الأكبر على فلسطين بما فيها القدس عام 333 قبل الميلاد ، وبعد وفاته استمر خلفاؤه المقدونيون والبطالمة في حماية المدينة ، واستولى عليها في العام نفسه بطليموس وضمها مع فلسطين إلى مملكته في مصر عام 323 قبل الميلاد ، ثم في عام 198 قبل الميلاد أصبحت تابعة للسلوقيين في سوريا بعد أن ضمها سيلوكس نيكاتور ، وتأثر السكان في تلك الفترة بالحضارة الإغريقية .ثم خضعت القدس تحت الحكم الروماني 63 قبل الميلاد - 636 م واستولى قائد الجيش الروماني بومبي على القدس عام 63 قبل الميلاد ، وضمها إلى الإمبراطورية الرومانية ، وشهد الحكم الروماني للقدس والذي استمر حتى عام 636 م حوادث كثيرة ، ففي الفترة من 66 إلى 70 م قام اليهود في القدس بأعمال شغب وعصيان مدني قمعها الحاكم الروماني تيطس بالقوة فأحرق المدينة وأسر كثيراً من اليهود ، وعادت الأمور إلى طبيعتها في ظل الاحتلال الروماني للمدينة المقدسة ، ثم عاود اليهود التمرد وإعلان العصيان مرتين في عامي 115 و 132 م وتمكنوا بالفعل من السيطرة على المدينة ، إلا أن الإمبراطور الروماني هدريان تعامل معهما بعنف وأسفر ذلك عن تدمير القدس للمرة الثانية ، وأخرج اليهود المقيمين فيها ولم يبق إلا المسيحيين ثم أمر بتغيير اسم المدينة إلى ايلياء واشترط ألا يسكنها يهودي .ثم جاء الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول ونقل عاصمة الإمبراطورية الرومانية من روما إلى بيزنطة ، وأعلن المسيحية ديانة رسمية للدولة فكانت نقطة تحول بالنسبة للمسيحيين في القدس حيث بنيت كنيسة القيامة عام 326 م إلى أن عاد الفرس للقدس وانقسمت الإمبراطورية الرومانية عام 395 إلى قسمين متناحرين مما شجع الفرس على الإغارة على القدس ونجحوا في احتلالها في الفترة من 614 إلى 628م ثم استعادها الرومان مرة أخرى وظلت بأيديهم حتى الفتح الإسلامي عام 636 م . إلى أن جاءت واقعة الإسراء والمعراج 621م / 10 هـ في عام 621 تقريبا شهدت القدس النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقد أسري به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم صعد إلى السماوات العلى .وبدأ العصر الإسلامي الأول 636 إلى 1072م حيث دخل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدينة القدس سنة 636 / 15هـ ( أو 638م ) على اختلاف في المصادر بعد أن انتصر الجيش الإسلامي بقيادة أبي عبيده عامر بن الجراح ، واشترط البطريرك صفرونيوس أن يتسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه المدينة بنفسه فكتب معهم \\\" العهدة العمرية \\\" وهي وثيقة منحتهم الحرية الدينية مقابل الجزية ، وغير اسم المدينة من ايلياء إلى القدس ، ونصت الوثيقة ألا يساكنهم أحد من يهود .واتخذت المدينة منذ ذلك الحين طابعها الإسلامي واهتم بها الأمويون ( 661 - 450 ) م والعباسيون ( 750 - 878 ) م وشهدت نهضة علمية في مختلف الميادين ، ومن أهم الآثار الإسلامية في تلك الفترة مسجد قبة الصخرة الذي بناه عبد الملك بن مروان في الفترة من 682 - 691م ، وأعيد بناء المسجد الأقصى عام 709م ، وشهدت المدينة بعد ذلك عدم استقرار بسبب الصراعات العسكرية التي نشبت بين العباسيين والفاطميين والقرامطة ، وخضعت القدس لحكم السلاجقة عام 1071م .ثم جاء ت الحملات الصليبية على القدس و سقطت القدس في أيدي الصليبيين عام 1099م بعد خمسة قرون من الحكم الإسلامي نتيجة صراعات على السلطة بين السلاجقة والفاطميين وبين السلاجقة أنفسهم ، وقتل الصليبيون فور دخلوهم القدس قرابة 70 ألفا من المسلمين وانتهكوا المقدسات الإسلامية ، وقامت في القدس منذ ذلك التاريخ مملكة لاتينية تحكم من قبل ملك كاثوليكي فرض الشعائر الكاثوليكية على المسيحيين الأرثوذكس مما أثار غضبهم .ثم جاء العصر الإسلامي الثاني حيث استطاع صلاح الدين الأيوبي استرداد القدس من الصليبيين عام 1187م بعد معركة حطين ، وعامل أهلها معاملة طيبه ، وأزال الصليب عن قبة الصخرة ، واهتم بعمارة المدينة وتحصينها .ثم عاد الصليبيون مرة أخرى؛ ولكنهم نجحوا في السيطرة على المدينة بعد وفاة صلاح الدين في عهد الملك فريدريك ملك صقلية ، وظلت بأيدي الصليبيين 11 عاماً إلى أن استردها نهائيا الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 1244م . ثم جاء المماليك وتعرضت المدينة للغزو المغولي عام 1244 / 1243 م ، لكن المماليك هزموهم بقيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس في معركة عين جالوت عام 1259م ، وضمت فلسطين بما فيها القدس إلى المماليك الذي حكموا مصر والشام بعد الدولة الأيوبية حتى عام 1517 ومن ثم جاء العثمانيون ودخلت جيوش العثمانيين فلسطين بقيادة السلطان سليم الأول بعد معركة مرج دابق ( 1615 - 1616 ) م وأصبحت القدس مدينة تابعة للإمبراطورية العثمانية ، وقد أعاد السلطان سليمان القانوني بناء أسوار المدينة وقبة الصخرة ، وفي الفترة من عام 1831 - 1840م أصبحت فلسطين جزءاً من الدولة المصرية التي أقامها محمد علي ثم عادت إلى الحكم العثماني مرة أخرى ، وأنشأت الدولة العثمانية عام 1880 متصرفية القدس ، وأزيل الحائط القديم للمدينة عام 1898 لتسهيل دخول القيصر الألماني وليام الثاني وحاشيته أثناء زيارته للقدس ، وظلت المدينة تحت الحكم العثماني حتى الحرب العالمية الأولى التي هزم فيها الأتراك العثمانيون وأخرجوا من فلسطين ؛ إلى أن جاء الاحتلال البريطاني 1917 - 1948 م وسقطت القدس بيد الجيش البريطاني في 9/12/1917 م بعد البيان الذي أذاعه الجنرال البريطاني اللنبي ، ونحت عصبة الأمم بريطانيا حق الانتداب على فلسطين ، وأصبحت القدس عاصمة فلسطين تحت الانتداب البريطاني ( 1920 - 1948 ) . ومنذ ذلك الحين دخلت المدينة في عهد جديد كان من أبرز سماته زيادة أعداد المهاجرين اليهود إليها خاصة بعد وعد بلفور عام 1917 . وبدأت الخيانة البريطانية بمشروع تدويل القدس بحيث أحيلت قضية القدس إلى الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ، فأصدرت الهيئة الدولية قرارها في 29 نوفمبر / تشرين لاثاني 1947 بتدويل القدس وبعد تمكين اليهود من قبل الانتداب البريطاني كانت الفجيعة والنكبة في العام 1948 أعلنت بريطانيا إنهاء الانتداب في فلسطين وسحب قواتها ، فاستغلت العصابات الصهيونية حالة الفراغ السياسي والعسكري وأعلنت قيام الدولة الإسرائيلية ، وفي 3 ديسمبر / كانون الأول 1948 أعلن ديفيد بن غوريون رئيس وزراء الصهاينة أن القدس الغربية عاصمة للدولة الإسرائيلية الوليدة ، في حين خضعت القدس الشرقية للسيادة الأردنية حتى هزيمة يونيو / حزيران 1967 التي أسفرت عن ضم القدس بأكملها لسلطة الاحتلال الصهيوني، وهكذا ضاعت القدس إلى يومنا هذا، لكن الصهاينة لم يكتفوا بذلك ويحاولون اليوم هدم المسجد الأقصى المبارك وبناء هيكلهم المزعوم مستغلين الانشغال للعالم العربي بهمومهم الداخلية وبالربيع الدموي والفوضى الخلاقة التي صنعتها أمريكا والصهيونية في منطقة الشرق الأوسط وانقسام الصف الفلسطيني والمفاوضات العبثية، وتغول المستوطنين وتخاذل الزعماء العرب ضنًا من الصهاينة أن الأمة الإسلامية قد نامت؛ لكنهم نسوا أو تناسوا أن القدس مفتاح الحرب ومفتاح السلام والقدس الشريف هي الشرارة التي منها تشتعل النيران ويزداد لهيبها إن مُست بأي سوء وستجد الأمة الإسلامية والعربية وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني البطل يرسل دمائهم سراجًا ليضيء المسجد الأقصى، وخاصة مع تعثر المفاوضات وقرب اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ووصول وفد المصالحة الفلسطينية من رام الله لغزة يوم غد الثلاثاء؛ واتخاد الرئيس أبو مازن خطوات مصيرية ومنها التلويح بحل السلطة الفلسطينية وهذا سيجعل الأرض تلتهب نارًا فوق رؤوس الصهاينة، وليعلم هذا العدو أن القدس هي أرواحنا وهي أنّفسُنا وفيها أنُفُسنا ومنها مفتاح السلام والأمن للعالم ومن القدس الشريف تندلع نيران الحرب التي سيطال لهيبها العالم كله فهي منا ونحن منها وهي جزء أصيل من عقيدتنا وشريعتنا وسيعلم هذا العدو وقطعان المستوطنين الصهاينة قداسة القدس للعرب والمسلمين قريبًا وليس بعيدًا. وإننا لمنتصرون.

اخر الأخبار