العراق : وقفة مع الحقيقة _ 5 ..!؟

تابعنا على:   19:49 2014-04-14

باقر الفضلي

"الديمقراطية الفضفاضة والطريق الى الإنتخابات"

 الديمقراطية كما نفهمها نحن العراقيون، قد تختلف في أبعادها ومكوناتها وآفاقها كثيراً عن غيرها في أماكن أخرى، وليس مهماً أن تكون تلك الأماكن دولاً أو أحزاباً أو تجمعات بشرية متحضرة أو بدائية، فهذا لا يغير من حقيقة ديمقراطيتنا في شكلها ومضمونها الشيء الكثير..!!

فما لا نحسد عليه حقا، هي تلك المرونة العالية والتي لا تحدها حدود، في أن نكيف الأشياء وفقاً لحاجاتنا الماسة عند اللزوم، وهذا لا يستدعي منا الكثير من الإجراءات سواء على صعيد المتطلبات التي تفرضها الأنظمة والقوانين، أم على صعيد ما أعتاد عليه الناس من اعراف وتقاليد؛ وربما يكون في ذلك بعض من مبالغة، ولكن هكذا يبدو الحال..!

ولا غرابة فيما أقول، فإننا ولعهد قريب، لا يبتعد في مداه عن عشر سنوات لا غير، إستنبطنا شكلاً جديداً من الديمقراطية، فريداً في نوعه، متيناً في صلابته، شفافاً في رؤاه، واسعاً في مداه، مرناً في معطاه ومتلقاه..!

وهكذا أثبت دستورنا بإنه أكثر رحابة من "ديمقراطيتنا" الفضفاضة، وأكثر مرونة وليونة في التفسير والتأويل حسب الطلب، وعند الملمات، ويمتلك من الفضفضة مالا يمتلكه الدستور البريطاني أو شرائع حمورابي...!!؟

 أسوق كل هذا وأنا في الطريق للحديث عما يسمى بحكومة " الأغلبية السياسية "، وهو طرح جديد بدأ يتمسك به البعض من الكتل السياسية منذ اليوم وحتى قبل الدخول في معترك الإنتخابات الفعلي في الثلاثين من نيسان الحالي/2014 ، ويبدو وكأنه البديل المناسب لمقولة " الكتلة الأكبر"" والأكثر شاعرية من حيث ما يوحي اليه من شعبية سياسية، تبدو أكثر قبولاً لدى المواطن، ولا يحتاج منظريها الى الجهد في ولوج طريق المحاكم..!؟

 ف"الأغلبية السياسية" وكما تعارفت عليها الدول الأكثر عراقة وممارسة في مجال الديمقراطية السياسية؛ لا تعني مجرد ما تحصده من عدد السكان من لون محدد، بقدر ما تعنيه: الأغلبية في النهج السياسي المتفق عليه إجتماعياً، وبالتالي فيمكن أن تكون تلك الأغلبية، مؤلفة من ناخبين متعددي الأجناس والأطياف والأديان؛ ولا أظن أن هذا سيكون ميسراً بتلك السهولة التي يتصورها البعض من السياسيين أو من الكتل السياسية التي يتصدر بعضها دست الحكم، إذا ما علمنا بأن أغلبية الأحزاب السياسية العراقية والتي تكونت بعد العام /2003، قد تشكلت وفقاً لإنتماءاتها الدينية واصولها المذهبية، أو طبقاً لإنحدارها الإثني، خاصة وإن عقداً من تجربة العراق في "الديمقراطية"، ومع كل هذه الضبابية التي تلبدت بها الأجواء السياسية العراقية، لم يك كافياً على بناء وترسيخ نظام إنتخابي، شبيه بالنظم الديمقراطية السياسية التي تجاوزتنا فيه أقطار الغرب وأمريكا قرون من السنين أو قريباً منها، ومسنودة بقاعدة إقتصادية _ إجتماعية متينة؛ أما تلك الأحزاب التي تشكلت طبقاً لمبدأ المواطنة، وهي على عدد الأصابع وفي مجملها أحزاب ذات طابع علماني، سيكون حضها أو نصيبها ضئيل في إحتساب نتائج العملية الإنتخابية، أمام هذا الكم من الأحزاب والكتل السياسية التي بنت هياكلها السياسية على أساس إما ديني _ مذهبي، أو إثني، أو إعتمدت القبيلة والعشيرة كإسناد وداعم في الترويج لحملاتها الإنتخابية، في ظل غياب قانون واضح المعالم للأحزاب..!؟

 فالدعوة الى "الأغلبية السياسية" المبنية على فرضية الكثرة العددية بأطيافها المختلفة، والمستندة في جوهرها على الكثرة السكانية في المذهب أو الطائفة الدينية أو الإثنية، لا تمت من الناحية الديمقراطية بأي صلة الى نظام الأغلبية السياسية الديمقراطية على الصعيد البرلماني، وهي والأغلبية العشائرية والقبلية صنوان لا يفترقان، وأي تحشيد للصناديق الإنتخابية وفقاً لهذا الأساس، لا يخرج عن كونه تحشيد لأغلبية طائفية من لون واحد على حساب الأقليات الطائفية أو المذهبية الأخرى، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالأغلبية الأثنية مقارنة بالأقليات القومية الأخرى ..!!؟

 فبلدان مثل العراق، حيث يشكل فيها النسيج الإجتماعي اليوم، لوحة فسيفسائية متعددة الألوان من الأطياف الإثنية والطوائف الدينية، والفرق والملل والنحل المذهبية، ناهيك عن التفرعات القبلية والعشائرية، سيكون من العسير عليها، التوصل الى تلك الأغلبية السياسية المفترضة، من خلال إعتماد أي من تلك المكونات المختلفة كأساس لتحقيق الإغلبية السياسية، خاصة إذا ما أخذ المرء بعين الإعتبار، التدهور الإقتصادي المريع الذي عم العراق في بنائه الصناعي والزراعي بعد الإحتلال، وما إستتبع ذلك من إرتفاع معدلات البطالة، ناهيك عن تفاقم الفائض السكاني في الزراعة، الذي القى بثقله ولا يزال، على الوجود السكاني للمدن، الذي هو الآخر يعاني من أزمات البطالة والأمية، وبشكل خاص على صعيد قطاع النساء، وعلى الواقع الإقتصادي المتدهور ..!

 فكيف والحال سيتمكن حزب مبني وفقاً لتلك الأسس المذكورة، وعلى صعيد البرلمان على سبيل المثال، من إستقطاب نواب من طوائف وأطياف ومذاهب أخرى، إن لم يكن هناك، من وجود عامل مشترك، يوحد تلك الإتجاهات المختلفة في مشترك واحد، وتحت مشروع برنامج سياسي يجمع المصالح المشتركة للجميع؛ هذا في وقت نرى فيه، أن لكل مكون من هذه المكونات، له أهدافه وبرنامجه الخاص، حيث سيكون أي تهميش له، بمثابة القشة التي ستقسم ظهر البعير..!!؟

 وسيكون مجرد التلويح بما يسمى بحكومة " الإغلبية السياسية " مجرد خرافة سياسية، إن لم يكن عبارة عن "بدعة" سياسية إنتخابية، لا تمتلك ما يمت بصلة الى الديمقراطية السياسية، أونظام الأغلبية السياسية البرلمانية، عندما يكون ذلك النظام أصلا، فاقد لأرضيته الإجتماعية السياسية، التي يفترض أن يوحدها برنامج سياسي _ إقتصادي مشترك، مدعوماً من قبل جماهير الناخبين، ومن مختلف الأطياف والطوائف ومن الطبقات والمراتب الإجتماعية المختلفة، في وقت لا زال فيه نظام المشاركة، له الدور الحاسم، في تشكيل النظام السياسي العراقي البرلماني الحالي، والذي من أركانه الأساسية، نظام "المحاصصة" في هذا التشكيل، وجذوره تمتد في أرضية الدستور نفسه...!!؟

 فهل يا ترى سيكون نظام "الأغلبية السياسية"، الذي لم تكتمل ظروف وأسباب إعتماده بعد، كبديل مناسب لنظام المحاصصة الحالي، بكل سلبياته وتداعياته غير المحمودة..؟! أم هل ستدرك الكتل السياسية، على مختلف مشاربها، أن محور نظام [الأغلبية السياسية] المركزي، هو ( المواطنه )، لا بمجرد التسمية اللفظية حسب؛ بل بقدر ما يعنيه مصطلح [المواطن] المقصود؛ من التخلي عن كل ما يشده الى تبعيته الطائفية لدين أو مذهب أو عرق أوجنس، والمتمسك بعراقيته كهوية وطنية، بقدر ما يشده البرنامج السياسي الذي يحقق له وجوده السياسي والإجتماعي في الوطن، كمواطن يتمتع بكامل حقوقه السياسية والإقتصادية والإجتماعية؛ إذ بعكسه، كيف يمكن الأمر، إذا ما علمنا بأن هيكل الدولة الحالي، قد بني بعد الإحتلال، على أساس من المكونات الطائفية _ الإثنية، على سبيل المثال..!؟

 إن مارثون الإنتخابات يزخر بألآلاف من المرشحين، وبالمئات من القوائم الإنتخابية، والجميع يصدح بأنه الأمل المنتظر، بمن فيهم من شارك لدورتين في الإنتخابات، وكانت النتيجة أن خرج ناخبوه "بخفي حنين"؛ فما أثبتته التجربة العملية، أن عدداً غير قليل من المرشحين، لم يكن يهمهم غير مصالحهم وإرضاء رأس القائمة، وليكن بعد ذلك الطوفان، ف "الكعكة" قد إقتسمها المشاركون في تسيير دفة البلاد، ورائحة الفساد باتت تزكم الأنوف، وفضائحها أصبحت سمة العقد الأول من عمر العراق بعد الإحتلال، أو " التحرير" على حد ما يراه البعض..!!؟؟

 المهم في الأمر، فإنه الى جانب قوائم الإئتلافات المتعددة، والمشاركة في مارثون الإنتخاب، نجد إئتلاف [التحالف المدني الديمقراطي] ، هو الآخر من طرح برنامجه الإنتخابي، في ظل هذا المعترك الإنتخابي، وربما هو الوحيد، وعلى عكس الكتل السياسية الأخرى، من إعتمد في بناء هيكليته الإنتخابية، مبدأ المواطنة، معتمداً في دعايته الإنتخابية جمهور الناخبين من شتى الطبقات والمراتب والشخصيات الإجتماعية ومن مختلف المكونات الوطنية العراقية، دون التقيد بلون لجنس أو طائفة أو مذهب أو عرق، وذلك بهدف "إقامة الدولة المدنية ونبذ المحاصصة الطائفية وتعزيز الحريات وحل الميليشيات"..!(1)

أما التغيير المنشود؛ كشعار إنتخابي، أو كوجود فعلي، فلا يمكن أن يجد النور بتلك البساطة، إذا ما كانت المشاركة في الإنتخابات، مجرد عملية ميكانيكية شكلية، تكرر نفسها ضمن نفس الأطر وتحت نفس الأسس والمباديء السابقة؛ ولعل ما يشهده المرء من طبيعة ما تقدمه بعض الكتل والاحزاب السياسية في مهرجاناتها ودعاياتها الإنتخابية اليومية، ما يشي بأنها لا تمتلك غير ما إعتادت على تقديمه من دعاية إنتخابية في الدورات السابقة، سواء من حيث الشكل أو من حيث الجوهر، وضمن نفس الأطر الدينية، أو الإثنية، التي ستضفي قدسيتها ومهابتها على الوعود المعسولة أمام الناخبين..!!؟

 فهل يا ترى سترينا صناديق الإنتخابات ما يُسر النفس وما يملأ العين من تغيير قد يخرج العراق من دوامة الأزمات، ويمهد الى بناء دولة المواطنة، الدولة المدنية الديمقراطية، أم أن شعار حكومة "الإغلبية السياسية" المطروح كطريق جديد للتخلص من أزمات المحاصصة وويلات حكومة الشراكة، سيرقى بالعراق الى إنتاج " دكتاتورية " من نوع جديد، في ظل ظروف عراق اليوم الراهن، وفي ظل هيكلية الدولة الجديدة..!!؟

اخر الأخبار