والله.. النظافة من الإيمان

تابعنا على:   16:32 2014-04-12

نيروز قرموط

عندما تهرع نحو الموت وتطوق إليه ، مع أنك تعلم أن للحياة أسرارا تحتاج بحثك عنها ، وتدرك أن من الجبن وانعدام الايمان أن تقتل روحك التي يحاسبك الرب على قتلها لكنك مع كل ذلك تفكر بالموت والاسراع إليه ، وهل من أحبة حولنا عندما نموت أم تسرع إلى قدرك قبل أن تفقد أحبتك على الأرض ، أومازال شيء جميل من الحياة يستحق أن تتلهف إليه كما هي لهفة الطفل عندما يدرك أن له قدمين يستطيع الركض عليهما إلى أبعد نقطة تستطيع أن تراها عينيه.

تهرب من حياة لا تشبه أوهامك ولا حتى أوجاعك ، ولا واقعك الذي تبحث عنه ، تشعر أنك ما عدت قادرا على البحث من جديد عن إطارا فريدا للحياة تمتلك أنت فتحته نحو المجهول واللامجهول ، تحِّنُ إلى صعوبة الحال وتستغرق في تعريف آلام الآخرين ولما يتألمون وكيف نتخلص جميعا من هذا الألم ، ولكنك تتألم في النهاية أكثر مما يتألم الآخرين ويسير الوضع على صعوبته وتنحني للتأقلم مع الصعوبات والظروف والأحوال والاغلاق ، إن كان هذا جزء مما تشعر به وتحاول نسيان أجزاء من هذا الشعور الذي تحاول الهرب منه ، فأعلم أنك مازلت في مكانك الذي لا يتزحزح عنك ولا أنت تتزحزح منه .. أنت وبكل تأكيد كما في أي منطقة تدعي الحياة و لكنها لا تعرفها ..ابتسم أنت في غزة..

لا تعجبك أفكار من يحيطك، ولكنك دون أي مقدمات تذكرها لنفسك ،تنغمس في تلافيف هذه الافكار حتى وإن رفضتها، نعم هو هكذا الشباب الرافض في غزة.

يرفض ولا يستطيع أن يرفع صوته بالرفض لأنه مرفوض ،وحتى وإن لم يرفض، فإليك مرة أخرى الشباب الرافض في غزة.

تعبت من سماع نفس الثرثرات والنمنمات والالتحاق بنفس الدوائر من الأفراد الذين لا يتطورون بُعد إنش عن آخر أصبع من أقدامهم .. أهلا وسهلا بك أنت في غزة.

تشعر بثقل يحمل جسدك الذي فقد خفّته في الحركة، فقد تعوّد الجلوس لفترات طويلة ، تفرط من الحديث لمجرد الحديث ، تفقد فجأة كل الرغبة بالحديث حتى أنك قد تتلعثم بأقرب الكلمات إلى لسانك ، هكذا هو الحال حيث لا نملك جلسات صحيحة ولا صحية للحديث والمشاورة، فقد افتقدنا الأطر الاجتماعية السليمة للتعريف بهوياتنا التي تفقد معلوماتها على مدار السنين شيئا فشيئا.

لا تستطيع الحديث بصراحة ، خوفا من كلماتك التي قد تترجم إلى غير سياقها في مجتمع اعتاد التلصص على نفسه في مراقبة كلماته وهمساته وكأنه أعاد احتلال ذاته بعد أن غادر الاحتلال أراضيه منسحبا إلى السياج المحيط به.

تحب الناس في بلدك ولكنك لا تريد رؤيتهم ، لانك مللت تكرار اللحظة ذاتها بكل تفاصيلها في رؤية ذات الشخص بذات المكان بذات الجو بذات الشكوى من تردي الظروف وضياع الاحلام ، آخ وبكل ما للكلمة من معنى انت فعلا في غزة..

يحتقن بلعومك وتجف بشرتك من دخان الاراكيل ودخان السجائر الرديء ذو السعر المنخفض الملائم لظروف الفقر المتفشي من حولك، السعال يعلو والضحك الهستيري يكبر في القهاوي الممتلئة بشبابها العاطل عن العمل ، ناهيك عن اكتشاف الابداعات الدفينة في الموسيقى والكتابة والرسم ، نعم أعلم ومن رمال التعذيب ... أنت على شاطئ غزة ، وإياك الاعتراض على الشاطئ الجميل و روائح العوادم الجميلة التي تعطره ، و قاذورات العادات السيئة التي نتبعها في القاء نفايتانا في كل مكان تطأه أقدامنا..

إن كان لديك شوارع رئيسية في بلدك ، وأحببت أن تسير في مراكز هذه الطرقات ترويحا عن النفس ، لا تعتقد أن حذاءك سيبقى جديد ، فالنظافة تغيب عن طرقاتنا ، وأبخرة الموتورات يفوح عبيرها في ملابسك على طول الطريق، أما العادة الأسوأ لا تعلم لماذا الكل ينظر إلى الكل ، أي وافد جديد إلى غزة يعتقد أن خطأ ما في لباسه أو مشيته أو مظهره و يسألك لماذا ينظر الناس إليك بهذا الاستغراب .. ستجيب بكل تأكيد لا تستعجب ، فهكذا هي العادة في غزة ، لا يمل ولا يكل أحدا في النظر إلى الآخر إن كان رجلا أو إمرأة ، ربما هو ضيق المساحات وقلة المرافق العامة وغريزة الفضول ما يبعث على ذلك.. رغم الحرام والحديث عن الحرام ليلا نهارا ..

جديدا خفّت حالة المشيخة التي انتشرت في الاعوام الاخيرة في غزة ، فمن كان من أبناء ونساء المساجد كان يفصّل لك السليم من السلوك والعادات ما يحلو له مهما كان مقدار علمه وقراءته الضئيلة ، وتضطر السماع له فهم يحملون في أفكارهم سوطا موجعا وهو سطوة المسجد ، خفّت هذه الحالة بعد تجربة على الاقل 9 أعوام أزداد خلالها الطين بلة في البلد ، فأصبح من المستساغ الحديث عن الترمال وتعاطي المخدرات واغتصاب الاطفال والخيانات الزوجية ، وتعدد الزوجات ، وارتداء الفيزون، والاكثار من الطبخ لمن يهوى الطبخ مع انتشار برامج الطبخ المتنوعة وشراء الوجبات السريعة ودلع الأطفال الزائد مع طول ساعات الدوام في مؤسسات الانجؤوز ، والبحث عن نوادي رياضة وعمليات تخسيس للوزن يتبعها عمليات تجميل للترهلات الجسمية والجلدية والفكرية ،إضافة إلى ضعف جودة الاستشارات الطبية.

وأصبحن النساء يتحدثن أكثر عن الجماليات ومناطقهن الجسدية الحساسة ومفاتنهن وكيف لهن أن يبدون أصغر سنا وأكثر إثارة للرجل كما هي الفنانة فلانة وفلانة، وحديث الشعوذة والسحر والجن والحسد، بعد أن تعلمت من الدين ما تعلمت وحفظت من القرآن ما حفظت ، ومن الجامعة ما جعلها تحصل على شهادة امتياز في تخصصها ، و من التدريبات والتعليم المستمر ما يصلح لملئ ملفات من السيرة الذاتية ، وتزوجت ، وأنجبت ، وإن سألت إحدى هؤلاء المتعلمات والمثقفات إحدى أبسط بديهيات الاسئلة التي تقيس الوعي المجتمعي لصدمت بهذا الوعي الخلاق المفرغ من كل شيء .. فأعلم أنك في غزة..

فنادق على طول الشاطئ ، وكافيتريات ومقاهي، وكلها ولأكبر الأسف تفتقر للنظافة، فنادرا ما يعجبك لمعان الماء في الكأس مع أشعة الشمس الساطعة والكاشفة لكل أنوع البقع والأوساخ ، ولا مراحيض صالحة للاستعمال الآدمي و الخطأ هو سلوك المواطن ولا ينفي ذلك ضعف المتابعة من أصحاب الفنادق والمقاهي ، إضافة إلى الاطعمة المثلجة ومع كل ذلك الاسعار هي مرتفعة كما هو ارتفاع الضريبة ،قضاء الحاجة على جدران الطريق ، روث الدواب وقشورالبذرعلى طول الشارع ، إضافة إلى المناديل الورقية الملقاة على الأرض ، وبنكهة فنية مرتبكة نشخبط ونلخبط حوائط المباني والمنشآت الرسمية وغير الرسمية ، فأين هو المشهد الحضاري ، هو في غياهب بعيدة اذا انت وبلا أدنى شك في منطقة سياحية تسمى شواطئ غزة.

أما المنازل ومهما كانت نسبة عمل المرأة ضئيلة في سوق العمل ، ومع ارتفاع نسبة ربات البيوت ، إلا أن منازلنا في غزة تعاني من قلة النظافة في مطابخها ومراحيضها ونوافذها وسجادها، هذا إذا ما تحدثنا عن الجماد أما الاطفال ومن خلال الروضات والحضانات فما أكثر انتشار القمل والسئبان والفطريات وديدان الامعاء، وإن تحدثت إلى الكوافير النسائي لصدمتك بانتشار ذات القمل برؤوس الامهات رغم اهتمامهن الخارجي بمظهرهن وأفأفتهن الزائدة بطعمة وبلا طعمة!!!!

أما عن ظاهرة إلقاء كيس القمامة من نافذة البيت من أعلى العمارات ، ككرة الطائرة ، و عادة البصق والتنخع على الارض أثناء المشي مهما اختلفت أعمار المواطنين ، رائحة الأقدام عندما يخلع أحدهم حذاءه سواء بالعمل او المسجد أو حتى في زيارة عائلية ،رائحة الفم ،حتى التعرق وعدم الاكتراث للرائحة ونظافة العينين و بشرة الوجه سواء عند الرجال او النساء ، عدم الاهتمام بغسل اليدين بعد الأكل أو أي نشاط ما ،نوادي الرياضة وانتشار الفطريات والامراض لقلة الاستحمام ما قبل وبعد ممارسة التمارين الرياضية مما نشر بخاخ اللاميزيل في كل بيت لمحاربة انتقال عدوى التينيا وغيرها، عادة تطويل الأظافر عند الرجال والنساء ، تطويل الذقن بشكل غير مرتب وعدم حلاقة الرأس لدى العاملين في أماكن رسمية تتطلب الشكل النظيف الذي يبعث ويجدد النشاط لدى الموظفين والمراجعين بذات الوقت، ورائحة مناديل الرأس عند النساء رغم رائحة البارفانات الطاغية، أما المساجد وروائح السجاد العفنة والمراحيض النتنة مع علمنا جميعا أنها بيوت الله وعنوان الطهارة للانسان، حتى المستشفيات والمدارس لم تعفى من انتقاد المواطنين لعدم جودة خدماتها فيما يتعلق بالنظافة والتعقيم ، والصيف قادم وغدا المسابح ملاذ للأمراض الجلدية والنزلات المعوية نظرا لتلوث المياه ونقص الوعي لدى المواطنين في كيفية الحفاظ على نظافة المياه سواء أكان بالاستحمام المسبق أو بعدم التبول داخل بركة المياه أو اتباع محاذير عدم السباحة لمن هن في فترة الإحاضة من النساء.. هذا ورغم التأنيف الظاهر على كل شيء لكنه بالحقيقة طافح من قذارة كل شيء.

تدني الحالة المعيشية وقلة الوعي الصحي والمجتمعي أدى إلى انتشار كثير من السلوكيات الخاطئة وغير المرغوبة مجتمعيا ، ارتفاع معدلات الفقر ، انخفاض أجور العاملين وسوء المعاملة الانسانية بما فيهم عاملين النظافة أدى إلى عدم انتماء العاملين لأعمالهم و انخفاض جودة الخدمات المقدمة..

أين الاحزاب ، أين مؤسسات المجتمع المدني ، أين الوزارات ، أين الكفاءات ، أين هو نشر التوعية حول الصحة النفسية والانجابية والنظافة الجسدية، هل نركز ونظهر فقط النخب الضيقة ، ونتجاهل مجتمع بأكمله بحاجة إلى توعية وتطوير وبناء ، من أدق تفاصيله التي تتعلق بالنظافة والنظام ، إلى العلم و التنوير ، أين هي الاحزاب التقدمية الحضارية ، وأين هي الاحزاب الدينية ، أليست النظافة من الايمان ، وأين هو الايمان ، أين هو الجمال ، والله جميل يحب الجمال.

الفقر لم ولن يكون سببا مباشرا لانعدام النظافة ، فكم من فقير أطهر وأنظف ممن يمتلكون كل وسائل الراحة والترفيه ،ضعف البلديات هو إحدى الأسباب المباشرة لقلة النظافة المجتمعية ، فمثلا التأكد من انتشار حاويات القمامة في كل الطرقات مسؤولية البلديات و تتطلب متابعة ومراقبة مستمرة وقس على ذلك كثير من المهام و الخدمات المرتبطة بعمل هذه البلديات فيما يتعلق بالكهرباء والمياه ،و خليها عالله يا مواطن..

لفتة جميلة في خانيونس من مبادرات شبابية عملت على تنظيف شوارع المدينة الفترة الماضية علّ هذا العمل يأخذ صفة الديمومة التي تبتعد عن الموسمية ، ويكون عنوان مشروع استراتيجية وطنية عليا ترسم خطط وبرامج مبدأها توعية المواطن مجتمعيا والنهوض به بمشاركة الكل الوطني الفلسطيني .

هذه الأرض مباركة كما يقول الجميع، هل ننتظر بركتها إلى ما شاء الله حتى ينتهي الاحتلال من بناء كامل خططه وطرقه الاستيطانية والاقتصادية النظيفة والحضارية ، و الله أعلم بعد عقد من الزمان ، إلى أين سيصل بنا الحديث.. لكن أكيد مو لبعد المريخ لتحت الأرض بشوي ، هاي اذا همنا شو في تحت الأرض..

وسامحونا إذا سلّطنا مجهرنا على دقائق الامور ،ولكنها بنظر الكثيرين أهم من أكبرالعناوين السياسية الكاذبة ، لأن هذه الدقائق وبكل بساطة إحدى أهم مكونات شخصنا الفلسطيني الكريم..

اخر الأخبار