تحقيق بريطانيا في نشاط الإخوان سلاح ذو حدين

تابعنا على:   12:00 2014-04-12

عادل درويش

حالة من اليوفوريا (سيكولوجيا الاغتباط العلني للجموع) عمت الأوساط المصرية والعربية، صحافيا، والنشطاء السياسيين، بخطوة حكومة الائتلاف البريطانية بزعامة ديفيد كاميرون فتح تحقيق استكشافي في نشاط وآيديولوجية وأهداف جماعة الإخوان المسلمين، خاصة التنظيم الدولي، وتأثيرها على المصالح والأمن البريطانيين، لكن وجب التحذير بأن هذا التحقيق هو سلاح ذو حدين.. ماذا لو أدى التحقيق الاستكشافي إلى ما تؤدي إليه معظم التحقيقات القضائية والبرلمانية بغرض تجنيب الحكومة اتخاذ إجراء فعّال، أي حل وسط؟ فماذا لو انتهى التحقيق إلى نتيجة معلقة؟

مثلا يجد أن آيديولوجية الإخوان المسلمين شريرة وزرعت الفكر الجهادي في أدمغة الشباب كدافع للالتحاق بمنظمات متطرفة.

إدانة لفكر الإخوان لا تكفي لاتخاذ إجراءات قانونية تجاه أفراد من التنظيم الدولي ولهم وجود كثيف في بريطانيا لاتخاذها قاعدة للتحرك.

ومن المحتمل أن يستخلص التقرير شيئا مثل «رغم أن فكر الإخوان وإرشادات سيد قطب كانا وراء تبرير الإرهاب وإفساد أدمغة الشباب ودفعهم لارتكاب أعمال عنف، فإنه صعب العثور على أدلة تربط جماعة الإخوان مباشرة بجرائم معينة وأعمال إرهاب، أدلة يمكنها إقناع قضاة ومحلفين في محكمة إنجليزية». رسميا تصبح آيديولوجية الإخوان شريرة ولا توجد أدلة لاتخاذ إجراءات ضد أعضائها. هل لدى مصر، وحلفائها، خطة للتعامل مع هذا الاحتمال؟

هذا الاحتمال سيقوي محورا مناهضا لإرادة أغلبية المصريين. محور وزارة الخارجية البريطانية، ومكتب البارونة آشتون في بروكسل، وتيار السفيرة السابقة آن باترسون في الخارجية الأميركية، والدكتور البرادعي وتياره. ويكفي أن آشتون في زيارتها للقاهرة يوم الخميس أصرت على لقاء أنصار محمد مرسي (المعروفين بتحالف الدفاع عن الشرعية) من دون غيرهم من القوى والأحزاب السياسية. هذا المحور سيعود إلى موضوع «المصالحة» ودعوة الإخوان للمشاركة في حكومة تحالف وطني أو خوض انتخابات برلمانية.

الإخوان لا يتوقعون هذا الاحتمال فحسب، بل يعملون على انتهاء التحقيق إلى الخلاصة أعلاه. ويصعدون أعمال الإرهاب في مصر لدفع رأي عام «تعب ومل» من العنف، ليرضى بحل وسط، وخاصة أن المصري بطبعه متسامح ومتساهل (كلمة «معلهش» تسمعها في الشارع المصري يوميا عشرات المرات ونادرا ما تسمع عبارة «أنت ستحاسب على هذا الإهمال»)، وبالتالي تكون أداة ضغط أخرى من المواطنين لعودة الاستقرار بأي ثمن.

وقد بدأت حملة قوية، ليست فقط من الإخوان (ملايين دفعها الكيان الخليجي الصغير لهذا الغرض) بل الصحافة اليسارية خاصة الـ«بي بي سي» و«الغارديان»، لتبرئة ساحة الإخوان وإقناع الرأي العام البريطاني أن كاميرون تعرض لضغوط مصر وأصدقائها العرب، وليس من وكالات الأمن البريطانية (المستشار السياسي للحكومة أكد أن تقارير الأمن البريطاني بعد استجواب المقاتلين العائدين من سوريا كان وراء القرار وليس السياسة الخارجية).

أحد زعماء الإخوان في لندن قال لصحيفة «التايمز» السبت الماضي إن قرار بريطانيا سيؤدي إلى تفجر أعمال عنف ضد مصالحها. بدلا من استجوابه عن دوافعه ووصوله لهذه النتيجة وإدانته، فإن الـ«بي بي سي» في تعاملها مع القصة عادت إلى حربي العراق وأفغانستان كالأسباب الرئيسية للإرهاب (لم تكن هناك قضايا كالعراق أو أفغانستان، ولم تكن إسرائيل وجدت كدولة عندما فجر الإخوان في إرهابهم القنابل في المسارح ودور السينما واغتالوا القضاة والوزراء في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي).

الـ«بي بي سي» في تقرير مراسلها للشؤون الأمنية (يتحدث العربية وعمل في الخليج ويعتبر أقلهم انحيازا للإخوان) الأربعاء 9 أبريل (نيسان) دفعت أيضا بهذه المغالطة في أذهان المستمعين والمشاهدين، بأنه ضغوط من البلدان العربية وليس إرهاب الإخوان أنفسهم وراء قرار الحكومة بإجراء تحقيق في نشاط الإخوان.

بدأ تقرير الـ«بي بي سي» بمغالطة أن الإمارات تضغط على كاميرون، وأضاف مراسل «بي بي سي» أنه سأل ممثلي الإخوان في لندن إذا كانت الجماعة تدعم الإرهاب أو متورطة في أعمال عنف فأكدوا له أنهم ملتزمون بالعمل السياسي ولا علاقة لهم بالإرهاب!

ولا يوجد في تاريخ الصحافة كلها سابقة واحدة لممثل سياسي لجماعة إرهابية لم ينفِ للصحافة أي علاقة لجماعته بالإرهاب، ثم يلعب دور الضحية أمام الصحافة ويتهم الدولة باضطهادهم.

وفي حديث قبل أشهر بيني وبين صحافي الـ«بي بي سي» نفسه، ذكرت أن الإخوان لم يصدر عنهم قط بيان رسمي من مكتب الإرشاد، بيان واضح لا التباس فيه يرفض الإرهاب والعنف ويدينه، وإعلان قصير بمراجعة شاملة لاستراتيجيتهم في أربعينات القرن الماضي وعدم العودة إليها. إعلان يشبه تصريح منظمة الجيش الجمهوري الآيرلندي عقب اتفاق «الجمعة العظيمة».

وأذكر مداعبتي للصحافي نفسه بالقول «جنيه من الـ(بي بي سي) مقابل خمسمائة جنيه مني لو وجدتم هذا التصريح الرسمي من جماعة الإخوان»، وأجاب الصحافي ضاحكا: «أنت طبعا تكسب لأنه لا يوجد مثل هذا التصريح».

تقرير زميلنا في الـ«بي بي سي» تضمن لقاء مع السفير المصري في لندن. لا شك أن السفير أدلى للـ«بي بي سي» بكثير من المعلومات المفيدة، لكن مقص المونتير اكتفى من كلام السفير بجملة واحدة عن علاقة مصر الطويلة مع بريطانيا وصداقة الشعبين والمصالح المتبادلة. تقرير الـ«بي بي سي» يقصد إيصال رسالة للرأي العام أن ضغوطا خارجية من مصر وحلفائها كانت وراء قرار الحكومة البريطانية بالتحقيق في خطط الإخوان ونياتهم وليس إرهاب الجماعة واستراتيجية التنظيم الدولي الممنهجة على المدى الطويل بالسيطرة الإقليمية بشتى الوسائل، والإرهاب تكتيك أساسي في هذا العمل من دراسات وخطط سيد قطب نفسه. والحقائق الأخيرة لا تذكرها الـ«بي بي سي» أبدا.

نصيحتنا للدبلوماسيين المصريين الحذر من منح الـ«بي بي سي» وصحافة اليسار فرص اقتباس جمل خارج السياق كالاكتفاء مثلا بالقول إن «هذه قضية أمنية داخلية بين الحكومة البريطانية وبين ناشطين سياسيين على أرضها، ونحن على استعداد للتعاون مع السلطات البريطانية في حالة انتهاك أي مواطن مصري للقانون أو تورطه في عمل إرهابي».

أسوق هذا المثال لأنبه لوجود تيار قوي يؤثر على الرأي العام لإقناعه أن الإخوان ليسوا بجماعة إرهابية، وأن هناك ضغوطا خارجية من العرب ويجب مواجهة هذه الضغوط.

إلى جانب الإمكانات المادية الهائلة للتنظيم الدولي للإخوان، وضعف الدبلوماسية المصرية، وشبه انعدام قدرة الدبلوماسيين المصريين على التعامل مع الصحافة وانتقاء الكلمات بعناية، فإن قوة تأثير الـ«بي بي سي» واليسار على الرأي العام قد تؤدي إلى احتمال نجاح خطط الإخوان وحلفائهم في السيناريو أعلاه. فهل هناك خطة لدى القاهرة وحلفائها الإقليميين للتعامل مع المتغيرات المحتملة؟

عن الشرق الاوسط السعودية

اخر الأخبار