بدون مؤاخذة- ابن سلمان والتّاريخ

تابعنا على:   17:07 2018-01-16

جميل السلحوت

واضح أنّ وليّ العهد السّعودي محمد بن سلمان قد ضمن انتقال الملكية من جيل أبناء الملك عبد العزيز المؤسس الأوّل إلى جيل الأحفاد من خلاله.
وقد مهّد لذلك بإصلاحات داخليّة في حياة والده الملك سلمان بن عبد العزيز، ستنقل المملكة إلى دولة تتماشى وحياة التّمدّن الحديثة، مثل السّماح للنّساء بقيادة السّيّارات، والسّماح بفتح دور للسّينما، ومع أنّ هذين الأمرين من بدهيات الحياة عند الشّعوب الأخرى إلا أنّها تعطي مؤشّرا واضحا على سياسة التّغيير التي ستتبعها اصلاحات أخرى سيفرضها الواقع المعاش، وتمثّل ذلك بقرارات منها الاصلاح الضّريبي، ووضع مخططات لمشاريع استثماريّة، ومنها بناء مدن سياحيّة، ستشكّل رافدا للدّخل القومي يضاف إلى مداخيل البترول، وكذلك رفع شعار مكافحة الفساد، واعتقال عدد من الأمراء ومن رجال الأعمال الذين أثروا ثراء فاحشا غير مبرّر في أصوله.
وواضح أنّ وليّ العهد يتمتع بعقلية متفتحة، ويحيط به مستشارون ذوو خبرة عالية في مجالات مختلفة على الصّعيدين الدّاخليّ والخارجيّ. وما قام ويقوم به الأمير هو بمثابة تمهيد الطّريق لانتقال الحكم إلى الجيل الثّالث من أبناء العائلة المالكة، التي يزيد عدد الذّكور فيها على السّتّة آلاف شخص.
وقد استطاع بن سلمان أن يعيد المملكة السّعوديّة إلى صدارة العالمين العربيّ والاسلاميّ، وأن يمهّد لها الطّريق لتكون قوّة اقليميّة يشار إليها بالبنان، خصوصا بعد سحب البساط من دور مصر الدّولة العربيّة الكبرى بوفاة رئيسها جمال عبد النّاصر عام 1970، وباحتلال العراق وتدميره وهدم دولته في العام 2003، واستنزاف سوريا وتدميرها من خلال اشعال نار فتنة داخلية شارك فيها مرتزقة من أكثر من 90 دولة، شارك فيها عرب وعجم خدمة للمشروع الأمريكيّ "الشّرق الأوسط الجديد" الذي يرمي إلى إعادة تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفيّة متناحرة، وتصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصهيونيّ التّوسعيّ. 
لهذا استغل ابن سلمان زيارة الرّئيس الأمريكيّ ترامب للسّعوديّة في أيّار-مايو-2017 فحشد قادة 56 دولة عربيّة واسلاميّة لاستقبال ترامب والتّصفيق له، وعقد صفقات معه ضخّت للخزينة الأمريكيّة تريليونات الدّولارات. وبذلك استطاع بن سلمان أن يثبت للكاوبوي الأمريكي أنّ السّعوديّة هي العنوان الرّئيسيّ للعالمين العربي والاسلاميّ، وأنّه يمكن لأمريكا أن تعتمد على النّظام السّعوديّ في حماية مصالحها وتنفيذ سياساتها في المنطقة. 
لكنّ أمريكا لم تكتف بذلك، ومن هنا جاء قرار ترامب في 6 ديسمبر 2017 بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، وبنقل السّفارة الأمريكيّة من تل أبيب إلى القدس، ولم يأت هذا القرار في غفلة من دول عربيّة ذات نفوذ في المنطقة، بل جرى التّنسيق معها قبل اعلان ذلك، بل جرى ما هو أبعد من ذلك من خلال اشتراك دول عربيّة ومنها" السعودية، مصر والإمارات العربيّة"، في التّنسيق الأمني مع اسرائيل، والعمل على تطبيع العلاقات معها، وخلق "عدوّ"جديد يتمثّل في إيران، وتغذية الطّائفيّة بين "الشّيعة والسّنّة" من أجل جرّ الرّعاع إلى حروب طائفيّة لن يستفيد منها إلا الأعداء. 
ومع المعرفة التّامّة للقادة العرب، بأنّ أمريكا حليف استراتيجيّ لاسرائيل على مختلف الأصعدة، وهي المسؤول الأوّل عن استمرار احتلال اسرائيل للأراضي العربيّة المحتلة، ورفض حلّ الدّولتين، إلا أنّ البعض منهم يرون أنّ استمرارهم في الحكم مرهون بتنفيذ السّياسة الأمريكيّة الاسرائيليّة على حساب شعوبهم وأوطانهم، وكأنّ التّاريخ يعيد نفسه. فما نشرته وثائق "ويكيليكس" الأمريكيّة المهرّبة ومنه وثيقة الملك عبد العزيز آل سعود المكتوبة عام 1915 بخط يده والتي جاء فيها"
"أنا السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل السعود أقر واعترف ألف مرة، للسيد برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى، لا مانع عندي أن أعطي فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم وكما تراه بريطانيا التي لا أخرج عن رأيها، حتى تصيح الساعة". ويبدو أنّ هذه الوثيقة كانت سببا في دعم بريطانيا لتنصيب عبد العزيز آل سعود ملكا على الحجاز ونجد، بدلا من الشّريف الحسين بن عليّ.
فهل أعطى ابن سلمان وبموافقة مصر والامارات وغيرهما وثيقة مشابهة لترامب تتضمّن الاعتراف "بالقدس عاصمة لاسرائيل"؛ ليضمن انتقال الحكم إليه بعد والده؟ آمل وأصلي لله أن أكون مخطئا، فالقدس شقيقة مكة والمدينة المنوّرة، تماما مثلما هو المسجد الأقصى شقيق للكعبة وللمسجد النّبويّ، والتّاريخ لن يرحم أحدا.
61-1-2018

اخر الأخبار