نهاية حقبة "كمب ديفيد" العربية

09:56 2013-10-22

جهاد الزين

ماذا عن الحاجز النفسي الذي اخترقه صانع القرار الأميركي في العلاقة مع مصر للمرة الأولى منذ عام 1978؟ وكيف ينبئ ببداية نهاية حقبة "كمب ديفيد" في النظرة الأميركية إلى مصر؟

نجحت الدولة "العميقة" المصرية بدعم من أكثرية شعبية كبيرة من ضمنها معظم النخبة الليبرالية العلمانية - بمواجهة أقلية "إخوانية" كبيرة - في منع الحرب الأهلية في مصر ولكنّها في الوقت نفسه لم تستطع، إلى الآن، وقف الحرب على مصر.

لم يكن بإمكاننا نحن المراقبين في الخارج ولاسيما في "الخارج الداخلي" الذي هو العالم العربي أن ندرك الفارق بين حربين: الحرب الأهلية والحرب على مصر بعد "الربيع العربي" لولا التجربة المصرية في السنوات الثلاث الأخيرة ولاسيما الأشهر الأخيرة. في سوريا اختلطت الحربان بل اختلطت "الحروب الثلاث" إذا انطلقنا في الترتيب من اندلاع الثورة على السلطة تليها الحرب الأهلية فالحرب على البلد المعني.

مصر أطلقت ثورتَها بشكلٍ سلمي في 25 يناير 2011 ولكنها كادت تصل في ظل الحكم "الإخواني" إلى حرب أهلية منعها عاملان رئيسيّان: أكثرية شعبية ونخبوية ذات ثقافة سلميّة راسخة والدولة بقيادة المؤسّسة العسكرية.

الهول الذي يتضح الآن هو الحرب على مصر عبر التفجيرات والمواجهات المسلّحة شبه اليومية في سيناء والمدن القريبة منها. هذه حرب الذين يخوضونها لديهم "غرفة عمليات" في الخارج. فالهجمات على مراكز الجيش والقوى الأمنية متواصلة ومؤذية. صحيح أن مسرح العمليات هو سيناء مع بعض الامتدادات ولكن وحسب العديد من تقارير مراكز أبحاث غربية متخصّصة هناك شبه إجماع أن الوضع الليبي الفالت بكل ما تعنيه الكلمة هو مصدر تسرّب خطير للسلاح إلى مصر وبكمّيات نوعية كبيرة. كما علينا أن نضيف إمكاناتِ لا الحركات المتطرّفة فقط بل أيضا نفوذَ "الإخوان المسلمين" في ليبيا وبالتالي ما يستطيعه "التنظيم الدولي" لـ"الإخوان" الواقع تحت السيطرة التقليدية لـ"الإخوان" المصريّين من ضغط عبرها على الدولة المصرية.

إمكانات التكهّن مفتوحة حول من يقف ويستفيد من هذه الحرب على مصر وجيشها القوي.

لكن الموقف المصري ازداد تعقيداً على المستوى السياسي بعد دخول عنصر يحمل، وقد يحمل أكثر لاحقاً، معنىً استراتيجياَ. إنّه القرار الأميركي بحجب أقسام من المساعدات التي تتلقّاها مصر من ضمن المنحة التي أقرّتها لها وتدفعها واشنطن منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل.

يثير هذا القرار الأميركي عدداً من الأسئلة الجوهرية التي تتخطّى حجمه العمليَّ الراهن:

في السابق عدة مرات طلعت أصواتٌ نافذة في الكونغرس الأميركي - وفي المجتمع السياسي الأميركي - مطالبةً بإلغاء المعونات الأميركية لمصر والتي تُعتَبر الثانية بعد المعونة لإسرائيل على جدول المساعدات الخارجية الأميركية. لكن لم يحصل مرة واحدة طيلة عهد الرئيس حسني مبارك الطويل أن جرى اتخاذ أي قرار ولو جزئي ومحدود كما حصل مؤخّراً.

اليوم حصل ذلك. وبهذا المعنى اخترق صانعُ القرار الأميركي الحاجز النفسي لهذه العلاقة الاستراتيجية التي نتجت عن توقيع مصر لأول معاهدة سلام مع إسرائيل وغيّرت بذلك التوازن الاستراتيجي في هذا الصراع مقابل استعادة مصر لصحراء سيناء كاملةً ووعدٍ بِـ"حكم ذاتي" للفلسطينيّين. كان قطع المساعدات أو جزءٍ منها "تابو" في مراكز القرار الأميركية. فهل صدوره اليوم هو الشكل المخفّف الذي ستبدأ فيه إعادة تقييم هذه العلاقة الأميركية مع مصر؟ وبالتالي هل هذه هي مرحلة جديدة نحن في أوّل تباشيرها؟

السؤال الأكثر جوهريّة هو التالي:

هل وصلت مراكز صناعة القرار في واشنطن إلى قناعةٍ أن حصيلة الأوضاع العربية التي نتجت عن "الربيع العربي" وفتحت المنطقة على موجة ديموقراطيّة غير مسبوقة منذ العام 1948... هي أن الأخطار الاستراتيجية على أمن إسرائيل قد تضاءلت إن لم يكن قد زالت من ناحية المحيط العربي وبالتالي فإن معاملة مصر المعاملة الخاصة لم تعد حاجة جوهرية؟

بهذا المعنى هل يشي قرار حجب بعض المساعدات عن وجهة جديدة ستتطوّر لاحقا؟

نهاية أو بداية نهاية "كمب ديفيد" لا تعني أن معاهدة السلام مع مصر مهدّدة أو أنها ستسقط من الجهة المصرية أو يمكن إسقاطها بسبب حجم الانشغال المصري الطويل الأمد بالأوضاع المصرية الداخلية المتفاقمة والتي ليس صعباَ التكهّن بأنها "يجب" - من الزاوية الإسرائيلية - أن تبقى متفاقمة.

نهاية "كمب ديفيد" تعني أن الحاجة الإسرائيليّة لسلام عربي اسرائيلي أي مع العالم العربي قد انتفت بالمعنى القديم في وقت يتحقّق هذا السلام بصيغٍ واقعيّة جديدة: دول مفتّتة في محيطها في العراق ولبنان واليمن... وخصوصاً سوريا التي أرغمتها الحرب الأهلية على تسليم سلاحها الاستراتيجي الكيماوي فخرجت إسرائيل المستفيدة الوحيدة من الاتفاق الأميركي الروسي. ودول أخرى خائفة ومنهَكة لا أولوية للصراع العربي الإسرائيلي على أجنداتها الفعليّة. وحتى الحالة الخاصة المتعلّقة بجيش "حزب الله" في لبنان فهي ترتبط بالحسابات مع إيران الداخلة في وضع نوعي جديد تماما عبر الصراع على سوريا واضطرارها (أي إيران) إلى اتخاذ قرار التغيير العميق النتائج لوظيفة "حزب الله" الجديدة تماماً في سوريا.

نحن على ضوء هذه الصورة العربية أمام المعادلة الجديدة التالية: نهاية "كمب ديفيد" وبقاء معاهدة الصلح المصرية الاسرائيلية.