اليسار الفلسطينيي... الحل الديمقراطي... والضرورة الحاسمة

تابعنا على:   18:07 2017-12-31

مراد حرفوش

مع مطلع التسعينات من القرن الفائت انهار الاتحاد السوفيتي، وتفككت المنظومة الاشتراكية وانحصر تمدد اليسار العالمي ومنه اليسار الفلسطيني كاحدى المكونات الرئيسية للنظام السياسي الفلسطيني، والقاعدة الاجتماعية القوية للمجتمع الفلسطيني في الداخل والخارج الذي كان يمثل القوى الثانية في التركيبة السياسة والاجتماعية والثقافية الفلسطينية على امتداد تواجده وحضوره في الفعاليات والأنشطة الوطنية والمنابر الثقافية التي تعبر عن رؤية سياسة للصراع مع المحتل الاسرائيلي، وإيديولوجية ثورية مبنية على مهام مترابطة مابين النضال التحرري الوطني والنضال الاجتماعي الديمقراطي التي تجاوب عن العديد من الاسئلة العميقة في كيفية الحل وطبيعة الدولة الفلسطينية المنشودة وبرنامجها الاجتماعية والاقتصادي الذي يسعى الى تمثيل الغالبية الساحقة من الطبقات الاجتماعية الفقيرة، والقطاعات المجتمعية المتنوعة والمختلقة كالشباب والمرأة والعمال والمزارعين والطبقة الوسطى وإتباع المنهج الجدلي الدليكتيكي في المعرفة والسلوك المجتمعي التقدمي المبني على اسس علمية ومعرفية ومادية بعيدا عن الارتجالية والغيبة والغوغائية والفتاوى الضيقة للإسلام السياسي والتي جاءت استجابة لحالة الفراغ الفكري والمعرفي ومتلازمة مع التدين الشعبي الذي ساد مجتمعنا نتيجة للتراجع الايديولوجي والفكري والثقافي للقوى اليسارية والعلمانية الفلسطينية .

يشهد الواقع الفلسطيني ازمة مستعصية نتيجة مالت اليه الامور ، فالواقع السياسي بحالة تأزم لم يسبق له مثيل وخاصة بعد اعلان رئيس الولايات المتحدة بنقل السفارة الامريكية الى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمة دولة اسرائيل ، كجهة رعاية للعملية التسوية والانحياز السافر لصالح دولة الاحتلال الاسرائيل الذي لا يقبل التأويل، وعليه بات المشروع السياسي لحركة فتح في طريق مسدود ومغلق بعد ماتبنت مسار المفاوضات لانهاء الاحتلال، وثمة اعتمدت السلطة الفلسطينية ومؤسساتها على الدعم الخارجي، والتمويل من الصندوق والبنك الدوليين، وانتهجت سياسة الانفتاح الرأسمالي وتسهيل المعاملات المصرفية والقروض للمواطنين ، كما ارتبطت بنهجها الاقتصادي على الاقتصاد الاسرائيلي مما عمق سياسة التبعية والارتباط بالتمويل الخارجي ، وهشاشه الخطط التنموية التي تتبعها الحكومات الفلسطينية نتيجة عدم السيطرة على الموارد الطبيعية، والتي ادت الى توسع حالة التناقضات الطبقية، وكذلك عدم القدرة على تخفيف الفوارق الطبقية الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني.

 وفي ذات السياق لم تستطع حركة فتح الفصل مابين مؤسسات الحركة، ومابين السلطة ومؤسساتها وهذا التزاوج ادى اهمال كبير في العمل التنظيمي والنقابي وتراجع شعبيتها ودورها الجماهيري كحركة تعتبر نفسها ام الجماهير على حساب الانتماء والولاء للسلطة. اما حركة حماس فتمر بأزمة سياسية نتيجة ارتباطها بحركة الاخوان المسلمين وخاصة بعد الربيع العربي والتنقلات على احبال المحاور، والاصطفات الإقليمية، وتقديم الولاء الى الدين والإخوان بدلا من الوطنية والقومية، وتوظيف مصلحة الوطني الى الحركة والاخوان وهذا كان جلينا بشكل واضح في التصريحات والملسكيات والمواقف الخفيه والعلنية لقادة حركة حماس ، كما شهدت الساحة الفلسطينية حالة استقطاب حاد بين الحركتين الكبيرتين، والصراع على السلطة بينهما ( فتح، وحماس)، فالانقسام الفلسطيني انعكس بظلاله على الاوضاع السياسية والاقتصادية والنفسية على المواطن الفلسطيني وسادت حالة اللامبالاة واليأس والإحباط في امكانية تجاوز الحركة الوطنية الفلسطينية معضلتها وأزمتها لهذه اللحظة من كتابة المقال التي لم  تستعيد الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني حقوقه بالحرية والاستقلال واقامة دولته، ولم تنهي الانقسام الاسود في تاريخه. 

امام قتامه المشهد، وضراروة الظروف الراهنة والعصيبة اما حان لليسار الفلسطيني النهوض من حالة الكسل والتكدس ومربع الانتظار والرقي بما قدمه من تضحيات وبطولات على الصعيد الوطني والاممي الذي لا يمكن لحد انكارها او تجاوز دوره في اثراء الفكر العلمي والإنساني  بقيم الحرية  والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين وإعطاء العقل العنان لكي يبدع ويبتكر في ظل الافكار الغيبة والهامشية والشعوذة الدينية والاجتماعية السائدة وتوافقها مع الافكار الرجعية للاسلام السياسي، والقوى الاستعمارية التي افرغت المواطن من مضمونة المعرفي والثقافي. 

فقوى اليسار الفلسطيني لديها القدرة والارادة باستعادة دورها الحيوي والنهضوي اذا اعادة بناء ذاتها كقوى تمتلك استراتيجية وبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية وفلسفية وثقافية وتعبر عن الفئات والطبقات الكبيرة المهمشة والمحرومة من خلال التعبير الحقيقي والتمثيل الطبيعي لها من خلال تموضعه بين اوساط هذه الطبقات والخروج بخطاب واقعي وملموس بعيد عن الخطابات المغوجيه الفارغة والشعارات الكبيرة والرنانه التي لا تلبي طموح الشباب والمرأة والعمال والمثقفين والفنانين والمزارعين وصغار الكسبة. 

نهاية القول استطيع ان اقول بان اليسار الفلسطيني لديه الفرصة المواتية والضرورة الوطنية ليشكل البديل الثوري بتقديمه المشروع السياسي والثقافي والاجتماعي والطبقي من خلال ما يحمله ادوات وإمكانية شاملة وقوانين جدليه لقراءات الواقع الاجتماعي والمعرفة بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والطبقية للمجتمع وبمقدوره الاستجابة عن متطلبات المجتمع الفلسطيني والنهوض بالواقع المزير الذي يشوبه حالة الاستلاب والاغتراب والغيبيات .

  وباستطاعته اعادة صياغة استراتيجيته ومشروعه التحريري التقدمي كضرورة وطنية حاسمه وملحه من خلال الاستثمار بقواه وكادراته المتمرسه وتجربتهم وعملهم الوطني الميداني والدور النقابي بين اوساط الجماهير وان يكسر حالة الاستقطاب الثنائية، ويشكل حالة توازن في المجتمع الفلسطيني، ويساعد على التنوع والتعددية السياسية والفكرية، وكذلك فيها من الايجابيات الى حركة فتح وحماس بمراجعة برامجها وخيارتها السياسية والاجتماعية، وايضا التغلب على الكثير من المعضلات منها انهاء حالة الانقسام من خلال ممارسة الضغط الشعبي والجماهيري والإعلامي ، وذلك اذا قدر على استرجاع مكانته الطبيعية بين فئات الشعب ، وتنفيذ مشروعه الاجتماعي والفلسفي، والبرامج  بأدوات واليات تقدمية وحديثة لجذب الشباب العازف عن الانتماء للقوى والاحزاب بعد حالة البطالة الواسعة المنتشرة، وغياب بيئة حاضنة لهم تعبر من وعيهم وقدراتهم وذلك خلال القيام بدوره السياسي والاقتصادي والثقافي المرتبط بالواقع الاجتماعي.

اخر الأخبار