مصر .. المؤجلة مصرياً

تابعنا على:   11:43 2014-04-03

جميل مطر

يومان في بيروت قضيتهما في صحبة عشرات من رجال ونساء، شيوخ وشباب، يحتفلون بالعيد الأربعين لصحيفة "السفير"، الصحيفة التي أثمرت بانحيازاتها وموضوعيتها صحفيات وصحفيين ارتفعوا إلى مستوى عال من المهنية واحتل بعضهم مكانة القدوة لبنانياً وإقليمياً، وأعطت بتماسكها في مواجهة أصعب الظروف والتحديات الدرس بعد الدرس لصحف عربية أخرى لتتعلم كيف تتصرف في الأزمات والمحن تصرف العائلة الواحدة.

قضيتهما أيضاً متنقلاً بين مقاهي المدينة . أقابل المعارف والأصدقاء، وبعضهم من واقع التجارب اللبنانية المتنوعة خبراء في الشؤون الدولية والإقليمية، ولكل منهم موقف عنيد من حاكم عربي بعينه وقضية عربية مأزومة . المثير، ولعله الفريد أيضاً في العلاقة التي تربطني بعدد كبير منهم، هو هذا الحساب العسير الذي أتعرض له عند كل زيارة أقوم بها إلى لبنان . عاتبون على حكم المحكمة المصرية القاضي بإعدام أكثر من خمسمئة مواطن دفعة واحدة، وبالتالي أنا مسؤول . معجبون بالإبداع المتجدد الذي يمارسه المصريون العاديون في مواجهة أفكار التطرف الديني وحجج أنظمة القمع، وأنا مسؤول ومطلوب مني أن أبرر أو أعترض . قابلت شخصية لها وزنها الثقافي والسياسي، عاتبني كمصري على تدهور حالة دولة العراق وانفراط السودان وحروب اليمن وتدهور قطاع غزة والإرهاب المتبادل في سوريا وانهيار نظام توازن القوى الخليجي وصعود تركيا الإسلامية وانحدارها في أقل من عقد واحد والفوضى الضاربة في ليبيا، توقف فجأة قبل أن يطالبني بتحليل مسؤولية مصر عن انبعاث ما يشبه الحرب الباردة بين روسيا والغرب . آخرون، وهم كثيرون قرأوا المشير السيسي سطراً سطراً وبعضهم بدأ يكتب مستقبله ومستقبل مصر والعرب، ولبنان خصوصاً، على يديه، ويستعد لمحاسبته إن قصّر أو خرج عن الخط .

من الصعوبة بمكان إقناع هؤلاء وغيرهم بأن مصر تغيرت كغيرها من الأشياء والأمم . صعب أن تضيف إلى معلوماتهم، وهي غزيرة بالفعل وحديثة للغاية، حقيقة يمعن في إنكارها تيار مهم في الطبقة السياسية المصرية وبخاصة قطاعاتها العائدة لتتحكم في مفاتيح السياسة والقرار، وهي أن الإنسان المصري تغير، وأن هذا التغير لابد وأن ينعكس على علاقته بقياداته وتوجهاتها السياسية . مصر تغيرت والإنسان المصري تغير كما تغير الواقع الإقليمي . هذا النظام الذي أطلقنا عليه ذات يوم تعبير النظام الإقليمي العربي، لم يعد يشبه في حاضره قليلاً أو كثيراً من معالم النظام عند نشأته أو في مراحل تطوره المبكرة .

يأتيك الرد قوياً وعاجلاً، ومستنداً إلى أدلة من الواقع . نعم التغيير حادث، وهو من طبيعة الأمور، ولكنه التغيير الذي يثبت أهمية الدور وضرورته . كنا نتحدث عن القمة الأخيرة التي عقدت في الكويت كبرهان أكيد على أن شيئاً جذرياً قد تغير . بل أشياء عديدة . هل أخذت قضية فلسطين في القمة نصيبها المستحق لها على امتداد ستين عاماً؟ هل كانت ستطرح للنقاش لو لم يكن أمين الجامعة، شخصياً وليس بحكم وظيفته، متحمساً لعرضها وإثارتها بل ووضعها في صدارة جدول أعمال القادة العرب؟ كان يعلم أنه ليس لدى الدول الأعضاء ما تضيفه في هذا الظرف الذي يمر فيه النظام العربي . من ناحية أخرى تدهور نمط تحالفات النظام العربي وتوازنات القوة فيه إلى حد يسمح لقطر بأن تلعب دور القابض على توازن القوة في منطقة الخليج، بطموح أن يصل نفوذها إلى المساهمة في رسم مستقبل منطقة الشام . كيف حدث، وماذا حدث، ليجعل أمير دولة قطر يتجاوز حدود المعمول به في القمة العربية، فيشير على مصر علناً وفي خطابه إلى القمة، بما يجب أن تفعله حكومتها في الشأن الداخلي؟

هناك رأي آخر له قيمته، رأي لا يرى التغيير جذرياً ولا عميقاً . الأمثلة عدة وبعضها بالفعل مقنع . خذ لبنان نفسه، تغيرت فيه معالم كثيرة ولكن بقيت السياسة الإقليمية بشأنه على حالها . يستعدون الآن لفترة رئاسية جديدة، ويتساءلون من دون حرج أو خجل، ما العمل؟ . كانت سوريا عنصراً فاعلاً وربما حاسماً في اختيار الرئيس اللبناني في 1989 وفي ،1998 وكان لدولة عربية أخرى ودولة إقليمية دور رئيسي في اختيار الرئيس الحالي في ،2008 تميل أكثرية الأصدقاء من رواد مقاهي الحمرا خلال اليومين اللذين قضيتهما في بيروت إلى أن سوريا لن تكون عنصراً حاسماً أو فاعلاً في المرة المقبلة . سوريا في نظر هؤلاء "موقوفة" عن العمل الإقليمي والدولي بل واللبناني أيضاً لسنوات مقبلة، أما الأقلية صاحبة الصوت العالي، والقادرة فعلاً على الفعل القوي، فترى أن سوريا، ربما تكون منشغلة معظم الوقت بشأنها الداخلي، ولكنها بالتأكيد مازالت في جانب غير بسيط من الوقت مهتمة بالشأن اللبناني . مهم أن نبحث في لبنان عن دور سوريا فيه وحجم هذا الدور وشكله وأدواته . مهم أيضاً أن نبحث في سوريا عن دور لبنان فيها، وهو دور، بكل الحسابات العسكرية والسياسية متصاعد الأهمية .

كذلك أتت التطورات الأخيرة، بما فيها ما تسرب من كواليس قمة الكويت ومفاوضات أوباما في الرياض، كاشفة وضرورية لفهم أشمل . خرجت من بيروت، المقاهي والصالونات والفنادق والشوارع، مقتنعاً بأن نسبة معتبرة من مفكري لبنان وساستها، يعتقدون أن تفاهماً ما بين السعودية وإيران حادث أو قريب الحدوث، ودوافع هذا الظن أو اليقين كما سمعتها كثيرة .

سمعت مثلاً عن اقتناع الطرفين، ومصر معهما، بأن عدواً مشتركاً يتربص بهم، هو الإرهاب وإن اختلفوا حول ظروف نشأته وأسباب توسعه وممرات تمويله . وسمعت أن إيران تعترف بأنها أخطأت حين استخدمت الإخوان المسلمين لغرض أو آخر، مثل إغضاب السعوديين أو النفاذ إلى داخل الحياة السياسية المصرية أو لتسهيل عمليات دعم حماس . ويتردد أن إيران اكتشفت أن أوضاع العراق ليست بالضرورة في مصلحة الاستقرار السياسي والطموحات الإقليمية لإيران .

أضف إلى ما سبق، أن حماس خيبت أمل إيران بموقفها من سوريا وبإغضابها المصريين في مرحلة حرجة من مراحل النهوض المصري . هذا النهوض يعرف الكثيرون أنه مطلب سياسي إيراني.

من ناحية أخرى، ساهمت الضغوط الغربية الكامنة في مفاوضات جنيف الإيرانية وفي جنيف السورية، والضغوط الصريحة في المساعي الأمريكية لتصحيح سوء الفهم في العلاقات السعودية - الأمريكية، بدأت تغرس الاقتناع في عواصم عربية وإقليمية بضرورة أن تقوم في الشرق الأوسط جبهة اعتدال جديدة، تحل محل تجربة أمريكا الفاشلة مع استخدام الإخوان المسلمين وطالبان الأفغان كجبهة اعتدال إسلامي تتحكم في التيارات المتشددة الإرهابية وتسيطر عليها . تأمل أمريكا أن تتشكل هذه الجبهة تحت قيادة دول ثلاث هي إيران والسعودية ومصر.

يدعم معلقون هذا الرأي بمؤشرات غير قليلة منها مثلاً أن المسؤولين في السعودية ومصر وإيران حريصون كل الحرص على المحافظة على سوريا "دولة موحدة" وعدم السماح بتقسيمها حتى لو استدعى الأمر إحداث تغيير في مواقفها المبدئية من نظام الحكم القائم أو النظام الذي يمكن أن يقام في دمشق . يشيرون أيضاً إلى توصل الدول الثلاث إلى ما يشبه الفهم المشترك لمستقبل دور تركيا في الإقليم، والحاجة إلى محاصرة امتداداته السلبية على أمن الإقليم.

الإقليم جاهز في انتظار خيارات مصر الخارجية، كل الأطراف بدأت تضغط لتكون خيارات مصر أقرب إلى خياراتها، بهذا المعنى لن تكون المشكلة في أن مصر مؤجلة إقليمياً، فالإقليم جاهز بخيارات جديدة . المشكلة تكمن في أن مصر مؤجلة مصرياً.

عن الشروق المصرية