الخليج والشرق الأوسط وعصر جديد

تابعنا على:   07:49 2017-11-30

د. عزمى خليفة

نشهد منذ سنوات انتقال العلاقات الدولية من القطبية بتحولاتها المختلفة إلى نظام عالمى جديد أكثر تأثراً بالثورة الرقمية التى غيّرت مجمل حياتنا فى مختلف المجالات، وقد أدى ذلك إلى تغيير فى آليات وشكل التفاوض، فلم تعد الحرب وسيلة لتحقيق أهداف سياسية للدول التى لم تعد الفاعل الوحيد على المسرح العالمى، ولذا ظهرت أنواع جديدة من الحروب المجتمعية بين فئات وطوائف من أبناء المجتمع الواحد مصحوبة بدمار غير مسبوق، وأعداد هائلة من النازحين واللاجئين تفوق ما شهدناه فى مجمل السنوات منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم، وخرج مفهوم الأمن من المجال العسكرى إلى الاجتماعى. وكان ذلك نتيجة دخول المعلومة كمقوّم للسلطة والقوة إلى جانب العنف والثروة، ولذا تحولت آليات حل هذه الصراعات المجتمعية إلى الوسائل السياسية، خاصة أنها تستند إلى خلافات عرقية أو دينية أو مذهبية، كما أوضحت نهايات القرن الماضى فى البلقان وشرق ووسط أوروبا، وفى الاتحاد السوفيتى سابقاً، ووسط أفريقيا، وفى أنحاء مختلفة من العالم.

ولم تكن منطقة الشرق الأوسط استثناء من هذه القاعدة، بل إن التحولات فيها قد أكدت القواعد التفاوضية الجديدة لحل الصراعات فى العالم، خاصة مع انتشار حالة من الفوضى سبق أن بُشّرنا بها على يد كوندليزا رايس، وهذه الحالة من الفوضى بكل تبعاتها مرشحة اليوم للتكرار من جديد ولكن لأسباب أخرى، نتيجة اعتماد بعض القيادات العربية على الآليات القديمة لحل الصراعات بالرغم من تغير جوهر النظام العالمى وآلياته وأدواته. وضح الربط بين المشكلتين مع اجتماعات مجلس وزراء الخارجية بالجامعة العربية فى 19 نوفمبر الحالى، وما دار فيه من مناقشات بشأن الاعتداءات التى تعرضت لها هى والبحرين من الجانب الإيرانى، فالنقاش قد ترك الباب مفتوحاً أمام اللجوء لمجلس الأمن للتصرف إزاء أوضاع قابلة للانفجار فى دول مثل لبنان واليمن، وانهيار نجاح سياسة التهدئة فى سوريا والعراق، واشتعال الموقف مجدداً فى اليمن والبحرين التى تُعد الحلقة الأضعف فى منطقة الخليج لأسباب عديدة، كما أنه تواكب مع تصريحات إسرائيلية لتأكيد رفض الاتفاق النووى الإيرانى، بهدف صبّ زيت على الموقف بإشارات غامضة عن تشاور غير مباشر مع السعودية للمشاركة فى قطع ذراع إيران فى لبنان ممثلة فى حزب الله. وبالرغم من رفض الجامعة العربية لسلاح حزب الله الذى يفوق سلاح الدولة اللبنانية تمسكاً بقرارات الأمم المتحدة، واعتبار السعودية وواشنطن «حزب الله» منظمة إرهابية، فإن مصر أكدت أن هذا الأمر لا بد أن يُترك للبنانيين ليقرروه بأنفسهم.

ومما شجع على اتخاذ هذه الخطوة ورفع شعار لبنان للبنانيين أن سياسة مصر الخارجية قد أثبتت بُعد نظرها واتساقها مع القواعد الجديدة لحل الصراعات، دون أن تنخرط فى أى مشكلات إقليمية ودون أن تدخل فى صراعات إقليمية. والنتيجة أن مواجهتنا لهاتين المشكلتين تتطلب التحضير لعملية سياسية موسعة ذات مسارين، أولهما مسار للمشكلة الفلسطينية فى إطار صفقة تأخذ بعين الاعتبار نجاح مصر فى توحيد القرار الفلسطينى، والثانى مسار للأزمة الخليجية الإيرانية تأخذ بعين الاعتبار الرفض التام لسياسات الهيمنة الإيرانية وتنوع وتعدد مستويات المشكلات التى تنطوى عليها هذه الأزمة.

ونظراً لأن الأزمة الخليجية هى الأكثر إلحاحاً فقد يكون من المناسب التأكيد على ما يلى:

أولاً: ضرورة التحضير لحوار عربى بحت يتناول مختلف عناصر السياسات الإيرانية فى الخليج.

ثانياً: تتم الدعوة لعقد حوار عربى إيرانى، ولا مانع من وجود مراقبين دوليين تكون وظيفتهم تسهيل عملية التفاوض.

ثالثاً: تُترك النقاط الخلافية لمشاورات من وزراء الخارجية، وعلى أن تكون العلاقات المصرية الإيرانية جزءاً من الحوار.

رابعاً: فور التوصل لإعلان مبادئ «حسن الجوار» مع إيران تسجل هذه الوثيقة دولياً ويوقع عليها من القوى المراقبة التى تتحول إلى قوى تضمن حسن تنفيذ الاتفاق، وتشمل الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة والصين واليابان وروسيا.

خامساً: يرتبط تنفيذ إعلان حسن الجوار بالتدرج والالتزام المتبادل على غرار الاتفاق النووى، مع تجنب السلبيات التى تحول دون تغيير توجهات الدولة الإيرانية.

إن ما يدعونى لعرض هذا الطرح هو توافر خبرة عربية جيدة جداً لإدراك حقائق عصر جديد فى العلاقات الدولية، وهذا العصر قد بدأ بالفعل، ولم يعد ممكناً تطبيق قواعد الأمس على مشكلات تتفاعل وفق أسس جديدة لنظام عالمى يداهمنا، يرتبط بالعولمة، وتحولات تكنولوجية تعيد صياغة محتوى المفاهيم السياسية السائدة، وأضافت مفاهيم جديدة لم يعد بوسعنا تجاهلها وتجاهل مضمونها أكثر من ذلك.

عن الوطن المصرية

اخر الأخبار