انتصار أردوغاني بلا هامش للمناورة

تابعنا على:   10:29 2014-04-02

فيصل جلول

رغم تقدمه على خصومه في استطلاعات الرأي عشية الانتخابات البلدية فإن أحداً لم يكن يتوقع أن يفوز حزب العدالة والتنمية بنسبة تصل إلى نحو 46 في المئة من الأصوات أي بفارق 6 إلى 7 نقاط أعلى من الانتخابات السابقة عام 2009 . ولعل هذا يفسر ارتفاع أسهم البورصة التركية وارتفاع قيمة الليرة المحلية بمواجهة الدولار . علماً أن حيوية الاقتصاد التركي غير خاضعة للجدل ويشهد عليها كبار الخبراء في العالم الذين يصنفون هذا البلد الأعلى نمواً في العالم بين 10 اقتصادات .

الواضح أن الإنجازات الاقتصادية التي حققها أردوغان خلال العقد الماضي قد لعبت دوراً أساسيا في التأييد الذي حظي به عبر المناسبات الانتخابية المختلفة منذ العام ،2002 بيد أنه ليس السبب الوحيد فقد هزمت أحزاب عديدة في ظل اقتصادات ناجحة ونامية ما يعني أن أسباباً أخرى قد أسهمت في تفوق حزب العدالة والتنمية من بينها:

* أولاً: ضعف خصوم الزعيم التركي وحاجتهم إلى شخصية وطنية جامعة وكاريزماتية، فالمعارضة تضم تياراً يسارياً وسطياً وآخر راديكالياً وتياراً قومياً متشددًا فضلاً عن التيار الكردي المتماسك . والواضح أن انتماءات هذه التيارات الأيديولوجية الحادة تعيق اتفاقها على برنامج مشترك وزعيم واحد ويصب تفككها الماء في طاحونة أردوغان الذي درج على اتهام خصومه بإضعاف البلاد وإنزالها إلى أدنى المراتب، وبالتالي فإن كل فوز لها يعني العودة إلى ماضي الحكم البائس والأزمات الاقتصادية المتواصلة، وكل انتصار للعدالة والتنمية هو انتصار للمستقبل والوطن واقتصاده .

* ثانياً: لم يعد الجيش التركي كما في السابق لاعباً أساسياً في الحياة السياسية بعد أن تعرض لضغوط أطلسية وأوروبية بالتزام الحياد كشرط مسبق لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي الأمر الذي عطل تدخل الجيش ضد حكومة أردوغان ولمصلحة خصومه اليمينيين والعلمانيين المعروفين بقربهم من المؤسسة العسكرية العلمانية وبالتنسيق معها .

* ثالثاً: اعتمد حزب العدالة والتنمية منذ نشوئه على قاعدة انتخابية يمينية ومحافظة يغلب عليها الطابع الريفي، ويمكن القول إن هذه القاعدة هي المستفيد الأكبر من الإنجازات الاقتصادية التركية، وهي الأكثر التزاماً دينيا وبالتالي الأقل بهلوانية في خياراتها الانتخابية، فضلاً عن خوفها المقيم من عودة العلمانيين إلى الحكم، وبالتالي اعتماد إجراءات مضادة للمساجد والتعليم الديني، فضلاً عن حساسية هذه الفئة من الأتراك للوعود التي يطلقها أردوغان حول عودة بلاده إلى ماضيها العثماني، علماً أن شعار مؤتمر حزبه الأخير عام 2012 كان : نحو أمة تركية عظيمة . أضف إلى ذلك أن الطابع المحافظ والريفي لقاعدة أردوغان يفسر لماذا مرت عليها فضيحته المالية الأخيرة مرور الكرام، ولماذا انطلت عليها نظرية المؤامرة التي ساقها رئيس الحكومة لطي صفحة الفضيحة ولتفادي تأثيرها في صناديق الاقتراع؟

رابعاً: نجح أردوغان في لعب دور الضحية التي تتعرض لمؤامرات داخلية وخارجية . فعندما يتضح بالملموس أنه متورط بفضيحة مالية وعندما تنتشر هذه الفضيحة عبر "تويتر" يبادر إلى إقفاله واتهام فتح الله غولن والقوى الأجنبية بتدبير "مؤامرة مزعومة" للنيل من تركيا وإهانتها مفترضاً أن من يتناوله كأنه تناول الوطن، ومن يهاجمه أو ينتقده أو يكشف فساده كأنه يهين الوطن .

* خامساً: رغم الإصابة القاتلة التي أحاطت باستراتيجيته المتعلقة بالربيع العربي، ورغم التراجع الكبير الذي سجله حلفاؤه في دعم التيار الإخواني والسلفي في مصر وسوريا لم يلتزم أردوغان بالسقف الغربي، فبادر إلى رعاية هجوم مسلح في كسب وإسقاط طائرة حربية سورية عشية الاقتراع، وفي خطاب الانتصار الانتخابي الأخير عاد للتهديد بالرد الفوري على كل انتهاك للأراضي التركية . من جهة ثانية يواصل سياسته العدائية ضد الحكومة المصرية الانتقالية والدول التي ابتعدت عن تيار الإخوان المسلمين في العالم العربي . . ويفصح هذا الإصرار على التدخل التركي في الشؤون الداخلية العربية عن نوايا توسعية عثمانية واضحة تنطوي على حنين للعودة إلى ماض كان فيه العالم العربي ولايات يديرها "الصدر الأعظم" لمصلحة الباب العثماني العالي .

سادساً: يمارس الوزير التركي الأول سياسة شعبوية مستمدة من علم النفس الجماهيري ومن منهج ديماغوجي يختصر الوطن بالزعيم الرمز، ويحرر الزعيم من المساءلة . هكذا أغلق أردوغان موقع "يوتيوب" لأنه نشر فضيحة جديدة هي عبارة عن مداولات رسمية اشترك فيها وزير الخارجية داوود أوغلو وتتحدث عن حرب تركية محدودة على سوريا أثناء الانتخابات البلدية . واذ يصرّ خصوم الرجل على وجوب مساءلة الوزير الأول عن هذه "المؤامرة" يصف إصرارهم بالغرضية والموقع الناشر بالتآمر الخارجي والأجنبي على الشعب التركي، ما يعني أن أحداً لا يستطع مساءلة أردوغان عن أفعاله وتجاوزاته، وأن أحداً لا يستطع الرهان على قيود أخلاقية خلال ممارسته مهامه بعد اليوم . تبقى الإشارة إلى أن هذا النوع من الزعامة الكاريزماتية هو أقرب إلى هتلر وموسوليني في احتكار السلطة والمقارنة ليست ظالمة أبداً، فالتشابه في اجتماع الدين والقومية والسلطة العسكرية وضعف المعارضة والقاعدة الريفية والنجاح الاقتصادي واضح تماماً في تركيا، كما في ألمانيا وايطاليا عشية سيطرة النازية والفاشية مع فارق مهم هو أن العالم اليوم يدرك مخاطر هذا الانزلاق فضلاً عن الأتراك أنفسهم الذين يعرفون أن بلادهم تخسر مع الفاشية ما ربحته للتو عبر الديمقراطية، ولعل ذلك يفسر فشل أردوغان في تعديل الدستور التركي على طريقة الجمهورية الفرنسية الخامسة، وأن تكون مدة الرئاسة سبع سنوات قابلة للتجديد مرتين . ولو تم ذلك لربما حكم أردوغان 30 سنة على الأقل نصفها رئيساً للوزراء والنصف الآخر رئيساً للجمهورية .

تبقى الإشارة إلى أن أردوغان قد أصيب أخلاقياً عبر الفضائح التي تناولتها وسائل الإعلام التركية وإن تمكن من تفادي السقوط بوساطة الانتخابات البلدية، فقد ضاق أمامه هامش المناورة ولعله سيجد دائماً من ينتظره لفتح الحساب لدى أول تراجع أو هزيمة انتخابية أو أزمة اقتصادية كبيرة .

عن الخليج الاماراتية