خطاب ازمة

14:28 2013-10-21

عادل عبد الرحمن

على مساحة زمنية قدرها ساعة ونصف، جال السيد إسماعيل هنية على التطورات في الساحة الفلسطينية والعربية. لا اود ان اتوقف امام كل كلمة، حتى لو كانت ذات بعد إنشائي، لان خطاب الرجل لايحتاج إلى كل ذلك الجهد، لان جل ما اراده من رسائل وصلت للمعنيين، ولكنها وصلت مثلومة ومفضوحة، ويا ليته لم يفعل، لان خطابه جاء بنتائج عكسية لما اراد وارادت حركته الانقلابية.

بعيدا عن اللغة الديماغوجية في المقدمة، التي حرص السيد اسماعيل هنية، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، على إكسائها ب"المقاومة" و"النصر التاريخي" و"الخشية على القدس" و"إعتزازه" بالمبادرات الشبابية، وهي لا تمت للحقيقة بصلة، لان حركته، ليست حركة مقاومة، ولا تريد المقاومة، لانها جزء لا يتجزء من من برنامج الاخوان المسلمين التفريطي، ليس على مستوى فلسطين،بل على المستوى العربي والاسلامي، كونها  شريكة الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا في عملية التدمير المنهجية للهوية الوطنية والقومية العربية، وبالتالي تدمير الدولة الوطنية تحت ذرائع وهمية باسم "الدين". 

أبرز ما يمكن قراءته من خطاب ابو العبد، هو التالي:

اولا  شاء اسماعيل هنية، القائد المتنفذ الابرز في محافظات القطاع، اي قائد الانقلاب الحمساوي المباشر، أن يفرض وقائع داخل صفوف حركته، أنه، هو القائد الفعلي للحركة في الداخل والخارج، مستغلا الظروف ، التي تمر بها حركته ورئيسها خالد مشعل، الغائب رغما عنه، عن المشهد الحمساوي والسياسي الفلسطيني. والذي لم ينفعه خطابه الواهن اول امس,

ثانيا اراد ان يلتف على الحقيقة المرة، التي تعيشها الحركة، بالادعاء، ان حركته لا تعيش أزمة داخلية او خارجية!؟ وهو في ذلك جافى الحقيقة والمنطق والشرط السياسي المحيط به وبحركنه داخليا وعربيا واسلاميا وعالميا. وكأنه اراد لي عنق الحقيقة بوقاحة تعكس فقر حال سياسي بامتياز. قد يفهم المرء، دعوة هنية ابناء حركته للتماسك، وعدم الاستماع للاشاعات المغرضة، وحثهم على التلاحم، وعدم التراجع، ولكن ان يدعي انه وحركته لا يعيشون ازمة، فهذا أمر في غاية الغباء السياسي. لان الازمة تنخر جسد حماس على الصعد كافة

ثالثا الادعاء بان حركته لم تخطىء في مسيرتها ، وفي علاقاتها العربية والاسلامية، يعكس ذات الدلالة. لان الوقائع والمعطيات، التي انتجتها ممارسات حركته، تشير بقوة ودون اي مبالغة، بانها غرقت في مستنقع من الاخطاء القاتلة، اولا على الصعيد الداخلي بانقلابها على الشرعية، وثانيا بايغالها في الدم الفلسطيني، وثالثا في رفضها الشراكة السياسية، ورابعا بعد إشتعال الثورات العربية، إلقاء نفسها كليا في حضن جماعة الاخوان المسلمين دون محاولة التمييز بينها وبين الجماعة، وقطع العلاقات مع سوريا وايران وحزب الله ومصر ودول الخليج، خامسا قبولها بالهدنة الاخيرة في نوفمبر 2012، التي فرضتها جماعة الاخوان مع إسرائيل، والتي فيها إرتهان للمشيئة الاسرائيلية / الاميركية ، سادسا والانكى قبولها عمليا تنفيذ مخطط غزة الكبرى الاخواني الاميركي والاسرائيلي ... إلخ من الخطايا والاخطاء المميتة. وهنا لم يشر المرء للقوانين الخنفشارية، التي فرضها نواب كتلة "التغيير والاصلاح" الحمساويين، ولا لفرض الحجاب وعدم الاختلاط، ومطاردة القوى الوطنية وفرض الاتاوة على المواطنين وسياسة الانفاق وتجارة السلاح والموبقات والمخدرات...

رابعا الحديث عن رفض المفاوضات، وكأن لسان حال حركة الانقلاب "المقاومة" و"وحدة" الشعب و"صيانة" المشروع الوطني، وننسي اسماعيل هنية، انه يكذب كما يتنفس، لان الجزء اليسير مما ذكر اعلاه يفند لوحده منطق الاستسلام وبيع المشروع الوطني بابخس الاثمان تحت عباءة الاخوان المسلمين. كما ان السيد ابو مرزوق وفق ما كشف ديبلوماسي اميركي ، عمل مساعدا لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، أن حركة حماس وافقت بلسان رئيسها خالد مشعل، على المفاوضات، ومنحت الرئيس قي 4 مايو / ايار 2011 التفويض لعام، ثم رفعت سقف الزمن لادارة المفاوضات، واكدت على لسان اكثر من مسؤول ، قبولها اعتماد الوسائل السلمية لاعادة الحقوق، وحتى شروط الرباعية الدولية كما اعلن ابو مرزوق، في حال اعيدت صياغتها، فإن حماس تقبل بها ، كما اكدت حماس بالعين المجردة على استعدادها لفرض منطقها وقوتها على الشارع الفلسطيني في محافظات الجنوب لفرض اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، واكثر من ذلك وافقت حركة حماس على الدولة ذات الحدود المؤقتة  قبل ان توافق على دولة غزة الكبرى. فعن اية مفاوضات يتحث هنية، التي يرفضها. لعله شاء ان يقول، اننا نرفض المفاوضات ، التي يديرها الرئيس عباس، ولكن إن كنا نحن من يديرها، فهي "مشروعة"؟! كما كانت إسطوانة المقاومة عندما كانت السلطة والشرعية في غزة، كانت تزاود على الشرعية، وعندما امسكت زمام الامور بعد إنقلابها الاسود في اواسط 2007 باتت المقاومة لا وطنية كنما اعلن الزهار؟!

خامسا اما موضوع المصالحة الوطنية فحدث ولا حرج، فلم يأت باي جديد، لا بل حرص هنية على نسف المتفق عليه، وكأن لسان حاله يقول، اننا نستطيع ان نملي ارادتنا على القيادة الشرعية وعلى حركة فتح وعلى فصائل منظمة التحرير. وتناسى بشكل متعمد ووقح الازمة التي يعشها مع حركته، والتي تفرض عليه التسليم على الاقل بما تم الاتفاق عليه، واستجداء الرئيس عباس وقيادة فتح تحديدا على القبول بها دون اي تغيير. ولكن ما العمل مع قيادة تقوم سياستها على المكابرة ومواصلة سياسة إدارة الظهر للمصالحة وطي صفحة الانقلاب، مع انها يوميا ترسل رسائل للرئيس ابو مازن، كما اشير في زاوية الامس، رسائل متنافرة وعبارة عن بالونات اختبار، كل ذلك   يشير إلى هروب واضح من إستحقاقات المصالحة. لو كان هنية جديرا بالقيادة، لكان اعلن برنامج وطني جاد ووفق روزنامة زمنية محددة بالتنفيذ والالتزام، لكن هيهات ان تجد في حماس من يستطيع القيام بهكذا عمل وطني يستحق التضحية, ومن المؤسف ان يذهب بعض قادة فصائل العمل الوطني كالشعبية والجهاد، الى مدح ما جاء في الخطاب المأزوم، وكأن الشعبية والجهاد نسيوا من هي حركة حماس. يفهم المرء قادة وناطقي حركة حماس، عندما يتغنون بالخطاب، هذا امر مفهوم، ولكن قوى اخرى، فهذا يعكس عمق البؤس السياسي ، الذي تمر به تلك القيادات، وضيق افقها.

سادسا الموضوع المصري بكلمات قصيرة جدا، كل ما ذكره اسماعيل هنية بشأن العلاقة مع النظام السياسي الجديد افتراء على الحقيقة ، وعلى مصر الشعب والجيش والنظام. حماس ويعلم ذلك اسماعيل هنية ، جزء لا يتجزء من القوى المعادية للنظام المصري ، وضد قيادته، وشريكة في كل عمليات التخريب والارهاب ضد مصر.

النتيجة الخطاب الذي القاه اسماعيل هنية، كان خطاب تعميق الازمة الحمساوية، ولم يحمل اي بارقة امل ولو محدودة جدا للانطلاق باتجاه المصالحة الوطنية. وان كانت حركة حماس تعي مصالحها ومصالح الشعب الفلسطيني في محافظات الجنوب ، عليها ان تسلم مؤسسات القطاع للشرعية دون اي ادعاء ومناورات كاذبة فورا، هذا افضل الحلول، لان كل مال كان قبل الثلاثين من يونيو 2013 جبته التطورات السياسية. 

[email protected]