اسرار لقائي بالعقيد الرجوب في فلسطين

تابعنا على:   15:36 2014-03-29

د. احمد عويدي العبادي

 وسط تكتم شديد وسرية تامة، انطلقت والزميل الكريم (مزدوج العضوية) بعيد صلاة الفجر يوم 14/11/1999 بسيارته من الدوار الثامن باتجاه فلسطين، وقد انتابتني مشاعر عديدة متناقضة تارة ومتطابقة تارة اخرى، مزعجة طورا وهانئة طورا اخر. وما ان وصلنا الجانب الاردني على جسر الشيخ حسين القائم على نهر الاردن في الغور الشمالي، حتى فوجئت الكوادر الامنية بوصولنا لأنهم لم يعلموا بقدومنا مسبقا، وعليهم فقط ان يمرروا البرقيات كل لمراجعه عن عبوري والزميل الى فلسطين، حيث سلكنا طريقا عبر الجانب الغربي من غور الاردن من شماله الى وسطه، أي الى طريق عمان القدس مرورا بأريحا

 وصلنا رام الله باكرا وفيها تناولنا فطورنا في مطعم شعبي مشهور بصنع الطبق الذي احبه وهو الحمص مخلوطا بالفول والفلفل الحار (مسبحة) وعليها الزيت البلدي ومعه البصل البلدي وخبز القمح، وهو مذاقي الخاص في الفطور الذي يعرفه رفيقي الذي قال لي: يا دكتور، رايح افطرك فطور من الاكلة التي تحبها مصنوعة على اصولها ولا تنساها ابدا.

دخلنا المطعم وتعجب صاحبه من وصولنا باكرا قادمين من الاردن، وهو رجل يعرف الزميل، كما الزميل يعرفه، واكتشفت ان (الزميل المحترم) معروف في فلسطين شعبيا ورسميا اضعاف ما هو معروف به في الاردن. وسأل صاحب المطعم زميلنا من يكون رفيقه؟، وعندما نطق اسمي ترك صاحب المطعم ادواته وعاد يصافحني ويحضنني من جديد ويقبلني كما فعل للزميل من قبل، وإذا به يعرف عني ما يعرفه الاردنيون بالتمام والكمال. وهنا أصر هذا المواطن الفلسطيني ان يكون فطورنا على حسابه وانه سيفتخر انني وزميلي افطرنا عنده عن سائر المطاعم، وزاد الرجل في اصراره عندما عرف أنى ضيف على سيادة الرئيس ابو عمار.

يا إلهي كم يحبون الرئيس عرفات ولا اظن (بل وأجزم) انه لا يوجد رئيس او ما يسمى زعيما في العالم العربي محبوبا آنذاك عند شعبه مثلما رأيت من حب الفلسطينيين للرئيس عرفات. وفي النهاية حسم الزميل امر ثمن الفطور بالحلف بالطلاق على الطريقة الشعبية في فلسطين، وهي التي لم استخدمها ولا استخدمها في حياتي قط حتى ولو مرة واحدة اطلاقا، ودفع اللازم مع اكرامية مجزية. ولا شك ان هذا المواطن الفلسطيني الغلبان الذي قدم أكثر من اللازم لإكرامنا (لاقيني ولا تغديني) يستحق ذلك لإتقانه عمله من جهة ولاحترامه لنا كضيوف على الرئيس وفلسطين من جهة اخرى.

ومن هضاب القدس ورام الله تكحلت عيناي برؤية جبال الاردن الذي اعشقه , والعشق درجة تفوق الحب، وتنسمت الهواء الذي سيتشرف في مساره بالمرور بالأردن الحبيب محملا بحبي لبلدي وتحياتي اليه , ونزلنا الفندق واسترحنا بانتظار توجيهات من الرئيس لمقابلته، ثم اصطحبني الزميل الكريم في جولة في ربوع رام الله وما حولها , وكنت متعجبا من هذا الانجاز الذي حققه النضال الفلسطيني ورئيسه السيد ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية في هويتها النضالية، وهو وان كان حكما ذاتيا ولكنه فسحة في بطن الحوت يمكن للشعب الفلسطيني ان يمارس عليها هويته وشرعيته ووطنيته كخطوة اولى نحو: (فلسطين كلها للفلسطينيين كلهم) مثلما هو ( الاردن كله للأردنيين كلهم ), واثناء جولتنا التقينا العديد من المواطنين حيث وجدتهم يعرفون الزميل ويحترمونه، وهو يمازحهم ويتحدث إليهم طالبا منهم الصمود في فلسطين، والا يتطلعوا للعيش خارجها، وان الصمود هو السلاح الاول في وجه الاستيطان والتوسع والاحتلال الصهيوني لفلسطين، وان العودة وحقها والاصرار عليها هي السلاح الثاني , وان المعادلة السكانية سلاح فلسطيني يعزز الهوية والشرعية الفلسطينية والامن الفلسطيني والصمود والمعادلة السكانية .

واثناء الجولة البسيطة وجدت ثلاثة اسماء يرددها الفلسطينيون بشكل رئيس على النحو التالي:

1= الرئيس ياسر عرفات ويذكرونه بأكثر من كنية: / الرئيس ابو عمار / ابو عمار / الختيار/ القائد / الزعيم / السيد الرئيس / الاخ الرئيس / الوالد، وقد يستخدم المتحدث أكثر من كنية اثناء حديثه في الجلسة الواحدة حسبما هو السياق.

2= العقيد جبريل الرجوب، ويذكرونه بأكثر من كنية ايضا: رئيس الامن الوقائي / جبريل / جبريل الرجوب / العقيد الرجوب / العقيد جبريل الرجوب، وسعدت ان فراستي كانت صحيحة انه الرجل الثاني في الضفة الفلسطينية والسلطة الوطنية. وبالتالي فإنني قد سلكت الطريق الصحيح.

3=العقيد محمد دحلان رئيس الامن الوقائي في غزة ونفوذه فيها شبه مطلق، والذي يتداوله اهل غزة وكذلك ابناء الضفة الفلسطينية الا ان الناس تخاف من جبريل الرجوب أكثر من أي مسؤول فلسطيني، مثلما تخاف الناس بالأردن من الباشا مع فارق التشبيه، ولكن نفوذ دحلان مقتصر على غزة، وكلاهما مربوطان بالرئيس عرفات مباشرة.

ومن الواضح ان الرئيس عرفات وضع سائر خطوط اللعبة بيديه وهم لا يقبل أي منهم الرضوخ الا للرئيس عرفات، وهو داهية من دواهي العرب حقا.

اما العقيد جبريل وكذلك محمد دحلان فقد وجدت ان العداوة بينهما أكثر مما صنع الحداد، رغم ان كليهما كان معتقلا ومسجونا لسنوات طويلة لدى الأحتلال الصهيوني. وقد عرفت سلفا ماهي العلاقة ما بين الرجوب ودحلان خشية ذكر دحلان باي كلمة عند العقيد الرجوب قد تفسد على مخططي، كما ان هذه قضية فلسطينية داخلية ولست معنيا بالتدخل فيها ابدا، وان كان الخلاف بين اخوة النضال يؤلمني. وقررت ان اكون صديقا لكليهما على حد سواء، وانا لا اتدخل في تنافرهم لأنه شأنهم وليس شأني، وهو ما كان مني فيما بعد حيث احتفظت ولا زلت بصداقة مع جبريل الرجوب ومحمد دحلان (زرته والزميل الكريم في المدينة الطبية الاردنية عندما أجري عملية جراحية فيها عام 2009) بعد خروجي من السجن.

كنت على يقين ان ملفي الامني والسياسي لا بد ويكون بين يدي الرئيس مزدحما بالأكاذيب مثلما هي ملفاتي الامنية بالأردن، وانه لا يمكن له ان يقابلني الا إذا التقيت قبله أحد مدراء اجهزته الامنية مدير الامن الوقائي او مدير المخابرات الفلسطينية (الذي لم أكن اعرفه حينها)، لان لي تجارب مشابهة عندما كنت مديرا للعلاقات العامة في الامن العام، ويوافق مدير الامن على اللقاء بصحفي او سياسي لا بد والتقيه قبل الباشا ثم أقدم للباشا تفاصيل عن انطباعي وتقييمي لهذا الشخص لكي يعرف كيف يتعامل معه عند اللقاء به.

وحيث ان الحال من بعضه, فلا بد اذن ان التقي أحد مدراء أي من الجهازين او كليهما , ولم اطلع زميلي المحترم على ما في نفسي لكيلا يأخذ على خاطره ولكيلا يتحسس مني وهو عراب اللقاء اصلا , وليس له خلفيات عسكرية او امنية مثلي ، وكنت اتمنى ان يكون لقائي بالعقيد جبريل الرجوب قبل لقائي بالرئيس , حتى لا يفسد علي مخططي , ولأنه يريد معرفة كل شيء قبل الرئيس , ولأنني اعرف اهميته من خلال ما لمست في الضفة, ومن خلال غضب الاجهزة الامنية بالأردن وحقدهم عليه وتشنجهم من ذكر اسمه بل ويستعيذون منه , وهم عادة لا يغضبون الا من شخص مهم ومحترم ومؤثر وذكي وقوي وشرس ووطني ومعرقل لكثير من مخططاتهم، كما انني اعرف منعهم له دخول الاردن بسبب موقفه السياسي الذي يتطابق تماما مع موقفي حيال قضية وطنية اردنية معينه. واعرف تأثيره على القرار الفلسطيني، ورايت له عدة مقابلات سابقة على التلفزيون ولدي تقييم دقيق لشخصيته، وبالتالي اقابل شخصا اعرفه رغم انني لم التقي به من قبل.

كنت في الطريق طلبت الى الزميل الكريم ان التقي جبريل الرجوب قبل الرئيس دون ان اشرح الاسباب، وبالفعل حضر الزميل الى غرفتي بعد العصر وأخبرني ان العقيد جبريل في بيته في وقت استراحته، فقلت له ان اللقاء في البيت قد يكون أفضل لنا وأكرم. وبالفعل وبعد اقل من نصف ساعة من غياب الزميل عني حضر ثانية وقال جهز حالك. قلت: الى اين. قال عند العقيد جبريل الرجوب، وهو ينتظرنا، وقد حضر نقيب في سيارة العقيد ومن طرفه ورافقنا الى بيته المحاط بالحرس وفي مرئابه (موقف السيارات) عدد من السيارات بأرقام وانواع والوان متباينة. دخلنا عليه يرتدي بلطلونا داكنا وقميصا ابيضا بدون ربطة عنق، وتصافحنا بحرارة وانا أكن له الاحترام بسبب ما ذكرت وموقفه المطابق لموقفي الذي ذكرت توا، وهو لا يعرف ذلك

وجدته رجلا جادا في كل شيء حازما صارما وجهه لا يعرف الابتسامة ( في لهجتنا الاردنية : وجهه عظم ) ولباسه الداكن والابيض ينم عن وجود بعدين عميقين لشخصيته , وان كان صريحا وشجاعا في طرحه , وجدته رجلا لا يعرف الخوف ( قلبه من حديد ) ويفكر بصوت مرتفع وينتقد سائر المسؤولين الفاسدين في الاردن وفلسطين ولا يحترم احدا منهم ولا يخشى التطاول عليهم , وهو يعرف اسرارهم المخملية والسفيهة والمالية والخيانة وغيرها , بل وجدته مخترقا(بكسر الراء ) لكل الطبقة السياسية بالأردن (للأسف الشديد ) , ووجدت من خلال كلامه الذي اصغيت اليه وانا اجيد فن الاصغاء مثلما اجيد فن الكلام , ان التقارير تصله يوميا عن كل شيء بالأردن, الى درجة انه اخبرنا عما حدث الليلة الماضية وما حدث هذا اليوم قبل لقائنا به . .

وكدت ابكي نعيا لوطني انه مخترق الى هذه الدرجة، وشطحت في فكري وانا اكاد اتميز من الغيظ حرصا على امن بلدي ، قلت في نفسي: يا حرام نحن هنا خمسة رجال في هذه الجلسة انا والزميل الكريم، وجبريل وسكرتيره ورجل اخر يبدو انه أحد مساعديه، اثنان منا نخترق ... بالعمق، اذن اين الاسرار والتحصين؟ واين سور الصين العظيم الذي يتبجحون به ؟.

وكما توقعت سابقا قال انه اطلع على ملفي الامني الضخم في الأمن الوقائي والمخابرات الفلسطينية , وان التقارير تقول :أنني شخص خطير ليس على الأردن فحسب , بل وعدو للشعب الفلسطيني وعنصري وحاقد عليهم , لكنه ورغم ذلك نصح الرئيس ابو عمار ان على السلطة ان نسمع منه ( أي مني ) لا ان نسمع عنه من غيره , وان الرئيس استجاب لمذكرة العقيد الرجوب بالترحاب بي والموافقة على زيارتي ومقابلتي , وقال انه نصح بفتح الحوار والتواصل معي كشخصية وطنية اردنية تجسد توجها وتيارا وطنيا اردنيا عريضا بغض النظر عن قوته او ضعفه او تباين الضعف والقوة بين حين وحين , وان تفتح السلطة السياسية وليس الامنية معي حوارا وتواصلا , لعل احمد عويدي العبادي يغير رايه عندما يرى بأم عينه ما حققته القيادة الفلسطينية على ارض فلسطين , وقال ايضا ان للزميل الكريم الذي جئت واياه , دور في نقل صورة اخرى ايجابية مغايرة عن الصورة السلبية التي صنعتها التقارير

 وتحدث جبريل كثيرا وطويلا وانا صامت لأعرف مزيدا من شخصيته، والاسرار والمعلومات , واسترسل بالحديث وأطال ودخل في ادق التفاصيل عما يحدث في الاردن والاجهزة الامنية والاجنحة المخملية بالأردن وممارساتها العجيبة الغريبة , وأذهلني معرفته ادق الامور التي تحدث في بلادي, بما فيها صفقات الفساد والمؤامرات والدسائس والعلاقات الحميمة والمخملية للمسؤولين التي تدور وراء الكواليس ، الى درجة ان ما لديه من معلومات كانت تفوق ما عندي، ووقفت مذهولا لدقة معلوماته وسعتها واهميتها وعمقها , وقلت في نفسي: ان سلطة لديها مثل هذه الشخصية , ومثل هذه الدقة من المعلومات لا خوف عليها، فالمعلومة الصحيحة تؤدي الى القرار الصحيح, والمعلومة الصحيحة سلاح اقوى من البندقية والمناصب والمال في كثير من الاحوال .

وجدت نفسي امام شخص ذكي جدا وجاد وجريء وشجاع وصاحب قرار ويتخذ القرار ولا يرف له جفن، ولديه سجل من النضال والمعاناة في سجون الاحتلال الصهيوني، ما لا يستطيع احد المزاودة عليه , وأدركت لماذا يفضله الرئيس عرفات على غيره ويسلمه الامن الوقائي الذي صار بفضل ادارة العقيد الرجوب اقوى مؤسسة فلسطينية بعد مؤسسة الرئاسة الفلسطينية ولا يستطيع أحد ان يكسر قرار الامن الوقائي (أي قرار العقيد جبريل الرجوب) الا الرئيس ياسر عرفات، وهو لا يطيع أيا من المسؤولين سوى رئيسه الختيار ومع هذا يتمرد عليه كثيرا ولكن بصفة مؤقتة او طارئة, انه تمرد النضال ورفقة السلاح والمصير.

ثم جاء دوري بالكلام , وتجاوزت ما سمعت عن الاختراق بالأردن ولمؤسسات ورجال السياسة , وكان وجهي عظم ايضا , وشكرته على توصيته الى سيادة الرئيس بتوجيه الدعوة الي واستقبالي، وشكرته ايضا لما فعله وقاله في جلستنا هذه , ثم عرجت على الملف الامني الضخم (خاصتي) الذي تحدث عنه فقلت اشكرك أنك لم تتقيد بما تقيدت به الأجهزة الامنية في بلدي والباشا وصنفوني الشخصية الاخطر هناك في بلادي ورفضت تلك الاجهزة محاورتي او الجلوس معي او الاستماع الي، وانكروا وجود الموجود وتعلقوا بالأوهام التي تخفيني عن الوجود، وهم لم ولن يستطيعوا اخفائي من المعادلات وساحة التوازنات والارقام المؤثرة في بلدي , وقلت له: اشكرك ايضا وسيادة الاخ الرئيس بالتعامل معي من منطلق سياسي وليس أمنيا. كما لابد وان اشكر الزميل المحترم رفيقي بالرحلة الذي كان بعيد نظر وعميقا في التقييم عندما نصحكم باستقبالي واحترامي والا ينظروا الى التقارير السابقة.

وقد حضر اللقاء النقيب واظنه سكرتير العقيد، واثنان اخران قد يكون أحدهم من مساعديه، وافترضت انه لا بد من جهاز تسجيل، لذا كنت دقيقا وحذرا في كلامي، وتدخل الزميل الكريم بكلام جميل، وفاجأني بدفاعه المستميت عني وعن الاردن، وقلت في نفسي لو علم الاردنيون دفاع هذا الزميل عن امن الاردن وهويته ولحمته بهذه الدرجة لانتخبوه بدلا مني. ولو قالها بالأردن لما صدقته ولا صدقه أحد، واعتذرت والزميل عن تناول طعام الغداء عندما دعانا العقيد جبريل الى القيام بواجب الضيافة تجاهنا. واستمر اللقاء قرابة الساعتين، كان المتحدث الرئيس هو العقيد جبريل الرجوب الذي اتحفني وأحزنني بأدق المعلومات عمن يدعون انهم وطنيون وحريصون على الاردن وامنه وهم اعداؤه وغارقون بالخطايا وبالفساد بكل انواعه.

وخرج العقيد الرجوب بنتيجة قائلا: ستقابل الرئيس هذه الليلة. وهنا وجدت ان فراستي وفهمي لسير الامور كان صحيحا، حيث انه لا بد ان يقدم العقيد تقريرا للرئيس وينصحه بكيفية المقابلة ويعطيه تقييما عن شخصيتي. لذا قلت في نفسي لو قلت ان الملف الضخم كله اكاذيب فلن يصدق. ولو قلت انني لم اقصد كذا وكذا فان الامر سيجعلني في موقف الدفاع عن النفس وكأنني في محكمة او في جلسة تحقيق، لذا اختصرت الامر بقولي: دعنا من الماضي ولنفتح صفحة جديدة، وان السياسة تقتضي قولبة المواقف وتقييمها بين حين واخر. فقال انا موافقك الراي. وقال الزميل الكريم ما جاء الدكتور احمد العويدي الا ليفتح صفحة جديدة مع الفلسطينيين، وعليهم ان يفتحوا معه صفحة جديدة ايضا، قلت ان هذا الملف لا يخلو من انفاس الباشا وبوق الطرطرة والدب الإنكشاري والمنهزم والفسيسي وغيرهم، ولا يجوز ان نكون ضحايا من يريد التفرقة بيننا. جئت لأرى بنفسي ماهي الحقيقة عندكم وترون ماهي حقيقتي عند نفسي، دعونا نعتمد على تقييم كل منا للأخر مباشرة وليس من اقوال وتقارير الجهلة والغرباء والفاسدين الذين تحدثت الينا انت عنهم توا، فهم ليسوا اهلا للصدق والتقييم. قال الزميل والعقيد الرجوب. نحن معك في هذا الراي، وسترى الرئيس الليلة ان شاء الله.

غادرنا بيت العقيد جبريل الرجوب وانا مثقل بالأحزان ان مؤسسات الدولة بالأردن مخترقة وانها واهنة كبيت العنكبوت بل انها اوهي من بيت العنكبوت , فانا اردني واحب تحصين مؤسسات الدولة بالأردن حتى ولو كانت هذه مختطفة من قبل المرتزقة وتعمل ضدي زمنه لأنها ستعود الى وطنتيها ذات يوم , وهي بنيت بدمي وبعرقي انا الاردني , وان ما سمعت وعرفت هنا جعلني انعي هذه المؤسسات بالأردن وانها انما هي بالون منفوخ , وان السلطة الوطنية رغم ما يقال عنها انها حلقة ضعيفة وكرتونية , فان هذا الوصف يليق بمن يدعون انهم اقوى من سور الصين العظيم , وان هذه السلطة , طالما ان فيها رجل مثل جبريل الرجوب فإنها سلطة قوية لان الدولة تقوى برجالها وحينها يقوى رجالها وشعبها بها.

وتجولنا في رام الله وما حولها ثانية بناء على طلب مني لكي اتخلص من الكابوس الذي لبسني من يافوخي الى اخمص قدمي بسبب هذا الاختراق والخازوق الضارب في (...) وطني , وشاهدت معاناة الفلسطينيين وصمودهم وانهم يعيشون الحياة رغم انف الحياة , والصمود رغم انف الاحتلال، وعندما صليت والزميل صلاة المغرب في أحد المساجد في مدينة رام الله ، تعرف علينا العديد من المصلين وكانت مفاجأة اخرى بالنسبة الي ، ان الناس هناك لا يكرهون الاردن ولا يكرهون الاردنيين بعكس ما تشيعه الة التفرقة الرسمية في بلادي، بل وجدت شعبا يحبون الاردن والاردنيين وهو امر جعلني اشعر باختناق العبرة التي كادت تمنعني من الكلام ( وكدت ابكي لما وجدت من حب واحترام واكرام ) . وتساءلت في نفسي لقد خزق المسؤولون طبلة اذاننا في الاردن في حديثهم الاعلامي عما يسمى الوحدة الوطنية وهم يمارسون خطايا التفرقة تحت الفراش، اما هنا فهذا شعب يحبنا كثيرا وكاد يحملني والزميل الكريم عن الارض حبا واحتراما.

ترى هل الفلسطينيون في فلسطين يحبون الاردنيين؟ واما الجواب العملي فكان نعم بل يعشقون الاردن والاردنيين والكل يريد استضافتنا الى درجة شعرت وكأنني في مضارب العشائر الأردنية من النمط الشهم القديم. وعندما حضرنا الى الحوانيت وإذا بهم يتعاملون بالدينار الاردني، ومن يحصل على الشيكل يغيره اخر النهار بالدينار الأردني ليبيت وعنده الدينار وليس الشيكل، ولم اشتري شيئا لأنهم يرفضون اخذ ثمنه منا لما هم عليه من الكرم والكرامة، حيث وجدتهم يشاهدون التلفزيون الاردني الذي لم اشاهده منذ سنوات طويلة الا عندما يكون لي عليه خطاب، من هنا عرفت انهم يعرفون وجوهنا انا والزميل الكريم من خلال الشاشة الاردنية ويعرفون أسماءنا جيدا. وبمعنى اخر وجدت شعبا يحبنا، ووجدتهم يوافقوني الراي كثيرا في طروحاتي ويعرفون عني كأية مجموعات اردنية على الارض الاردنية، لكنهم هنا يحبونني ويتفقون معي في الراي. وكنت امازحهم: تعالوا عندنا بدلا من اخوتكم بالأردن وخذوهم الى فلسطين.

صحيح انهم يعانون من الاحتلال لكنهم احرار ويمارسون الحرية، واما لدينا فان شعبنا ممنوع من الحرية ومحروم من العدالة ومن التعبير. لذا قلت كلمتي المشهورة المنشورة في مطلع هذا الكتاب: ان الحرية مع الاحتلال أفضل من الاستقلال مع الاذلال؟؟؟ واعتقد ان القارئ قد فهم ما ارمي اليه.

وعندما غرقت في النوم بعد صلاة العشاء كما هي عادتي، حضر في الحادية عشرة الا الربع ليلا الزميل الكريم وطرق على باب حجرتي بالفندق: قائلا: ابو البشر قوم. نهضت من نومي فزعا، وقلت خير ان شاء الله. قال قوم البس. قلت لماذا. قال الرئيس يطلبنا الان. قلت يا رجل وحد الله الرئيس بعده صاحي الساعة حوالي الحادية عشرة ليلا، فضحك الزميل الكريم ضحكة دوت في اجواء الفندق وطيرت بقايا النعاس من راسي. قال بحزم وافتخار: طبعا فيه ناس تقابله الساعة الواحدة والثانية ليلا قوم البس سيارة المقاطعة (أي الرئاسة) جاهزة تنتظرنا بباب الفندق. قلت ان زعماء اخرون هم في هذه الساعة من الليل في غيابات اللهو، فقال الزميل: ان الاخ ابو عمار يشتغل ويعمل في هذا الوقت، وعندما نهضت كنت بين مصدق وغير مصدق لما قاله الزميل.

لبست ونزلت مع الزميل وإذا بالسيارة مع مرافق وسائق تنتظرنا عند باب الفندق وتوجهنا الى المقاطعة أي مقر الرئيس ياسر عرفات. ولم يوقفنا الحرس الرئاسي لأنهم يعرفون السيارة ومن بها وهي سيارة المراسم التي تنقل الرؤساء والوزراء والامراء والسفراء من قبل ومن بعد، وبذلك نفذ سيادة الرئيس وعده عبر الزميل الكريم انه سيتعامل معي على هذا المستوى.

وصعدنا الى الطابق الثاني وإذا به خلية نحل تبرهن مقولتي قبل ثلاثين عاما عندما قلت: ((صحيح ان هذا الشعب لن ينتصر علينا، لكنه لن يموت، وكلما حسبه الاخرون قد مات فانه يبعث من جديد، وان خير وسيلة للتعامل معه هي الحوار وليس الاعتقالات والنار)). وعندما قلتها وانا ملازم اول بالأمن العام مطلع عام 1971 عوقبت بالتأنيب على ذلك من قبل المسؤولين الجهلة في حينه، وقد قلتها في المراحل الاخيرة من التفتيش عن الاسلحة في عمان في اعقاب احداث ايلول , ودخلت البيوت في الاحياء الموكل الي تفتيشها واحدا بعد الاخر( وكنت رئيس لجنة ) ورايت ما رأيت، ولمست ما لمست، وخرجت بهذه المقولة رغم صغر سني ورتبتي وحداثة تجربتي، ولكنها قفزت الى ذاكرتي الان 1999 وانا ارى الكل يعمل، والكل يعرف الزميل الكريم الذي كان سجينا في ذلك التاريخ بسبب نضاله لقضيته , وانه وبعد ثلاثين عاما يصحبني معه الى منجزات النضال الفلسطيني الذي سجن هو بالأردن من اجله ومعه الكثير , واعتبرت ذلك رسالة منه صامتة يريدني ان افهمها , ولا شك انني فهمتها دون ان اقول كلمة واحدة وقالها باللحظ دون ان ينطقها باللفظ ايضا , ويمكن للبعض ان يقال انني كنت السجان وكان الزميل هو المسجون واننا الان على طريق الحياة معا , لكني اكره الظلم والسجن والعبودية , وما كنت سجانا يوما .

ووجدت الزميل يحظى باحترام عال جدا في المقاطعة حتى حسبت لفرط احترامهم له ومعرفتهم به، انني اسير وبجانبي جبريل الرجوب او الرئيس عرفات اللذين جئت لمقابلتهما. ليس هذا فحسب بل انه يعرفهم بالاسم ويمازحهم، وإذا بهم جميعا لا زالوا في الدوام في هذه الساعة المتأخرة من الليل ويعرفون ان الضيوف هم كل من: الزميل الكريم، والدكتور احمد عويدي العبادي رئيس الحركة الوطنية الاردنية والمغضوب عليه من الاجهزة الاردنية ومن الفلسطينيين الذين يخافون على مصالحهم وليس على فلسطين.

جلسنا بغرفة الانتظار فحضر التشريفات قائلا عذرا الاخ الرئيس في صلاة العشاء وسوف تقابلونه بعد اتمام الصلاة ان شاء الله ولم يقل سيادة الرئيس وذكره بدون تبجيل وانا أكره التبجيل الوثني الذي لم اجده في الرئاسة الفلسطينية. همست للزميل الكريم: هل الرئيس يصلي؟ قال نعم. قلت انا كنت اعتقد انه كما حال كثير من حكام العرب لا يصلي واحدهم، وإذا صلى فعلها بالمناسبات وبدون وضوء للكاميرا والضحك على الناس (وما يخدعون الا أنفسهم). قال لي الزميل الكريم: نعم الرئيس يصلي ويخاف الله ويتمنى الشهادة في سبيل الله

 وبينما نحن في الحديث، وبعد حوالي ثلاث دقائق من جلوسنا، وإذا بالمفاجأة الاخرى التي لم اتوقعها في حياتي وحسبت انني في عالم غير عربي. وإذا بالرئيس ياسر عرفات يدخل الينا ويقول: اهلا يا حمادة، ازيك يا حمادة فراعنة، واهلا بالدكتور احمد عويدي العبادي. قالها ليؤكد لي انه يعرفنا وانه حافظ درسه جيدا، وصافحنا وعانقنا واخذ بي بيمينه والزميل حمادة فراعنة بيساره وسار بنا الى الغرفة التي يستقبل بها زعماء وامراء ووزراء وسفراء وشيوخ الغرب والشرق والعرب والبعثات الدبلوماسية وقد تم وضع (توا) باقة متواضعة من الزهور اليانعة الندية (من الندى) امامنا. نظرت الى الزميل حمادة فراعنة وهو رفيقي وعراب هذه المصالحة التاريخية وكأنني اقول له: اخ حمادة كفيت ووفيت والشكر لله سبحانه ثم لك. وهنا كانت اول ممازحة من الرئيس الفلسطيني باللهجة المصرية وهو يضحك: النهار ده حمادة جابك هنا بكرة ح يوديك فين؟ فقلت على ابو ظبي يا سيادة الرئيس (وللمفارقة التاريخية اننا سافرنا بعدها معا في وفد برلماني الى الصين مرورا بأبو ظبي)

وفي حضرة الرئيس الرمز التاريخي للشعب الفلسطيني ونضاله ، انه رمز تاريخي شئنا ام ابينا، احببناه ام كرهناه، وافقناه ام رفضناه, شتمناه ام مدحناه، قاتلناه ام قاتلنا , صالحناه ام خاصمناه ,انه رمز الشعب الفلسطيني التاريخي الذي سيزداد رمزية وقوة واهمية مع الزمن والاجيال، اقول في حضرة هذا الرمز وهذه القامة والهامة ، وهو يرتدي شماغه الفلسطيني الذي اصبح شارة عالمية لدى كل الاحرار والمتعاطفين مع الفلسطينيين وقضيتهم وهويتهم , بدات المصارحة والمكاشفة والمصالحة التاريخية بين د احمد عويدي العبادي وبين سيادة الرئيس عرفات مباشرة وبدون تقارير ولا ملفات ولا تدخلات،, بحضور زميلنا سعادة النائب المحترم السيد حمادة فراعنة، ولا شك ان الغائب الحاضر كان العقيد جبريل الرجوب الذي اوصى بهذا اللقاء.