الإفراج عن الأسرى بحاجة لمعادلات جديدة

تابعنا على:   17:02 2014-03-28

راسم عبيدات

من المعروف والمتعارف عليه أنه عندما يجري توقيع الإتفاقيات بين الأطراف المتصارعة،تكون قضية الأسرى حاضرة وعلى رأس القضايا التي يجري معالجتها وإنهاءها،هكذا حدث بعد توقيع الإتفاق على استقلال الجزائر مع الحكومة الفرنسية عام 1962،وكذلك بين حكومة فيتنام الشمالية وثوار الفيتكونغ وامريكا عام 1973،ولكن على الجبهة الفلسطينية – الإسرائيلية فإن قضية الأسرى الفلسطينيين لم تجد لها حلاً بعد توقيع اتفاق اوسلو،بل الإحتلال عمد الى قضية الإبتزاز السياسي في هذه القضية،ووضع شروطاً لتنفيذ الإتفاق عدم توقف الطرف الفلسطيني امامها بشكل حاسم،جعله يتمادى في إضافة الشروط والإبتزاز في كل دفعة من الأسرى يريد ان يطلق سراحها،فهو رفض بشكل قاطع ان تشمل صفقات الإفراج وفق اتفاقيات اوسلو وطابا أي من أسرى الداخل الفلسطيني- 48 – والقدس،وكذلك اجرى تصنيفات وتقسيمات للأسرى الفلسطينيين الأمنيين حسب وصفه وإدعاءاته هناك من هم أيديهم ملطخة بدماء الإسرائيليين،وهؤلاء غير مشمولين بالمطلق بصفقات الإفراج،ومن ايديهم غير ملطخة بالدماء،وأسرى الضفة واسرى غزة واسرى القدس وأسرى الداخل،وكان الإحتلال يتحكم في أعداد وأسماء ومناطق واحكام الأسرى من الألف الى الياء ولم يكن للسلطة أي دخل في تلك القوائم والأسماء والأعداد والأحكام وغيرها...

الطرف الفلسطيني استسلم لشروط الإحتلال،ولم يتخذ اية مواقف جدية وحاسمة في هذا الجانب،كرفض العودة للمفاوضات بدون إلتزام وتعهد دولي بإطلاق سراح كل أسرى شعبنا وفق جداول زمنية محددة،وبدون اي تمييز تنظيمي او جغرافي،وشعر اسرى القدس والداخل بان القيادة قد خذلتهم،وتخلت عنهم رغم انهم من ناضل وضحى من أجل تاتى وتعود هذه القيادة،وهذا بدوره اثر على الحركة الإعتقالية ووحدة اداتها التنظيمية الوطنية الجامعة،وعلى الروح المعنوية للحركة الأسيرة وثقتها بالسلطة والأحزاب،واكثر من مرة اضطرت الحركة الأسيرة على مختلف مشاربها السياسية لتوجيه رسائل قاسية الى القيادة الفلسطينية تحملها المسؤولية عن عدم تحررهم من الأسر،ووصول وضع الحركة الأسيرة الى حالة ودرجة عاليتين من فقدان الثقة والإحباط واليأس من ان تقوم وتجبر اسرائيل وفق الرتابة والنمطية التي تتعامل فيها السلطة والأحزاب مع هذه القضية على إطلاق سراحهم،وأصرت على ان هذه القضية يجب ان تكون خاضعة للإبتزاز السياسي،وهي تعرف مدى اهمية هذه القضية للمجتمع الفلسطيني،ولذلك هي لا ترى في قضية الأسرى قضية انسانية بالمطلق،بل هي عندها سياسية بإمتياز.

السلطة لم تقدم على تغيير قواعد اللعبة والتعاطي الحاسم مع هذه القضية،فهي كل مرة تخضع للشروط والإملاءات الإسرائيلية والضمانات الأمريكية الشفوية في إطلاق سراح الأسرى مقابل عودة الطرف الفلسطيني للتفاوض،وفي سياق عودتها تبدأ بربط وفرض شروط جديدة لتنفيذ ما اتفق عليه،فرغم ان السلطة الفلسطينية نفت اكثر من مرة بان إطلاق سراح الدفعات الثلاث من الأسرى بعد العودة الأخيرة للمفاوضات مرتبط بإستمرار الإستيطان،إلا اننا على ارض الواقع وجدنا مثل هذا الربط فمقابل كل دفعة من الدفعات الثلاث من الأسرى الذين اطلق سراحهم،كان يتم الإعلان عن إقامة مشاريع إستيطانية جديدة بمئات،بل ألالاف الوحدات الإستيطانية في القدس والضفة الغربية،وبالتالي خلق الإحتلال معادلة جديدة أسرى مقابل إستيطان،وسواء وافق الطرف الفلسطيني او لم يوافق فهو مستمر في التفاوض وهم مستمرين بتنفيذ مشاريعهم الإستيطانية،وكان الإحتلال في كل دفعة أسرى ينوي إطلاق سراحها يعمد لرفع شروطه وإشتراطاته،مستغلاً عدم وجود رعاية وإلتزام موقع عليه دولياً،وكذلك إنحياز الطرف الأمريكي لصالحه وتبني شروطه،فعلى سبيل المثال جرى التلاعب في أسماء الدفعة الثالثة،ولم يتم إطلاق سراح بعض الأسرى ممن هم محكومين قبل اوسلو،وأستبدلوا بآخرين ما بعد اوسلو...أما بعد ذلك ولكون أسرى الدفعة الرابعة الغالبية منهم من الداخل الفلسطيني والقدس،فإن الإحتلال عندما شعر بأن المفاوضات تدور في حلقة مفرغة ولن تصل الى نتيجة،كون هذا الإحتلال يريد لهذه المفاوضات فقط ان تستغل من اجل فرض شروط ووقائع جديدة على الأرض،ولا يريد ان يقدم أية تنازلات جدية من اجل السلام تلامس الحدود الدنيا من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967،ومع قرب استحقاق الإفراج عن الدفعة الرابعة والفشل في توقيع اتفاق إطار مع الجانب الفلسطيني،بدء الحديث عن رفض إطلاق سراح الدفعة الرابعة،وعدم إطلاق سراح أسرى من الداخل الفلسطيني،وربط ذلك بموافقة الطرف الفلسطيني على تمديد المفاوضات والتوقيع على اتفاق إطار وموافقة الطرف الأمريكي على اطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي بولارد مقابل إطلاق سراح أسرى الداخل،ولربما يريدون من القيادة والسلطة الفلسطينية ان تعترف بيهودية الدولة مقابل إطلاق سراح هذه الدفعة من الأسرى.

إبتزاز واستخفاف متواصلين من قبل اسرائيل بالطرف الفلسطيني،وإنحياز وتبني امريكي للمواقف الإسرائيلية يصل حد التطابق،ورهان فلسطيني على مفاوضات عبثية،تدور في حلقة مفرغة،وتشكل خسارة صافية للطرف الفلسطيني،حيث يجري الإجهاز على مدينة القدس بالأسرلة والتهويد عبر سياسة التطهير العرقي،وزيادة وتوسع الإستيطان في الضفة الغربية بوتائر ومعدلات قياسية.

على ضوء ما يجري وعدم إلتزام اسرائيل بإطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى وفق ما اتفق عليه،وتواطؤ امريكا مع اسرائيل في هذا الجانب،فإنه بات من الضروري والملح تغيير القواعد في هذه العملية،وبشكل جذري من قبل السلطة الفلسطينية،فلم يعد مجدي العودة لتلك المفاوضات العبثية المدمرة والركون الى امريكيا ووعودها،فهذا الملف يجب ان ينقل الى الأمم المتحدة،وبالضرورة ان يكون هناك إلتزام دولي وعبر مؤسسات الأمم المتحدة،قبل أي مفاوضات مقبلة مع دولة الإحتلال،اتفاق ملزم التنفيذ وليس الاعتماد على الوعود وحسن النوايا.

وهذا يتطلب من القيادة الفلسطينية التي جربت مسار المفاوضات عشرين سنة،بكل أشكالها وانواعها علنية وسرية ومباشرة وغير مباشرة وعن بعض وعن قرب،ان تغادر هذا النهج والخيار،وتعمل على بناء استراتيجية فلسطينية جديدة تقوم على الصمود والمقاومة وتلتف حولها كل الوان الطيف السياسي الفلسطيني،على ان يسبقها إنهاء ملف الإنقسام،فالإنقسام خطره يوازي خطر الاستيطان.

وانا ارى بان اسرائيل في فرضها لشروط جديد على الطرف الفلسطيني المفاوض تبتزه فيها لإطلاق سراح الدفعة الرابعة،هي تريد ان تبتزه وتدفعه الثمن مرتين،وهو سيدفع الثمن كما درجت عليه العادة،وواضح بان هناك سيكون تمديد للمفاوضات بعد إنتهاء المدة المحددة،والطرف الفلسطيني لن يحصد من موافقته على ذلك سوى على وعود بإطلاق سراح دفعات جديدة من الأسرى،وكاننا نصل الى مقايضة مدمرة،حقوقنا الوطنية وتشريع الإستيطان والإحتلال مقابل إطلاق سراح اسرانا وبشروط مذلة،فهذه المهزلة آن لها ان تتوقف،فلا تمديد ولا اتفاق إطار قبل جداول زمنية متعهدة وملتزم بها دولياً تضمن إطلاق سراح كل اسرانا.