لماذا تكتفي قيادة التفاوض بـ"سياسية القيل والقال"!

تابعنا على:   09:54 2014-03-25

كتب حسن عصفور/ منذ عودة الرئيس محمود عباس ووفده الخاص من امريكا، ووسائل الاعلام تستقبل كثيرا من "القيل والقال" في المحادثات التي دارت في واشنطن، سواء في البيت الأبيض مع الرئيس اوباما أو مع الوزير الأميركي كيري، ولأن الرئيس عباس أو اي من اعضاء الوفد الفتحاوي المرافق، تجنبوا الحديث الصريح، واكتفى البعض منهم، خاصة د.عريقات بالتصريحات العامة جدا، والتي قد تكون تكرارا "أمينا وصادقا" لكثير مما سبق له ان تحدث به، ولكن ومع غياب الشفافية والصراحة، لا يجد من يريد متابعة "الحقيقة السياسية الغائبة" سوى ملاحقة ما يمكن وصفه بـ"تسريبات" يراد منها تعويض الكلام المباح، ومواقف "القيل والقال"، والتي تسود احيانا في ظل حالة "الضباب السياسي"، كالتي تعيشها مفاوضات عباس - نتنياهو، أو عريقات - ليفني..

ما هو مثير فعلا ان هناك بعضا من "التوافق" الملموس في تلك "التسريبات"، والتي يمكن اعتبارها "تسريبات رسمية"، دون تصريح علني، كي لا تثور ثائرة "السيد الأكبر" وينهال بغضبه على من يخالف أمر "الباب العالي الحديث.. في تلك "التسريبات المقصودة" سنجد أن ابرز المسائل التي تريد الإدارة الأميركية تمريرها في المرحلة المقبلة، تستند الى اعادة صياغة كلية لمفهوم "مرجعية المفاوضات الدائرة"، ليصبح "اتفاق الاطار" غير المكتمل والمجهول أيضا، هو "المرجعية" التي يجب الاحتكام اليها في مسار التفاوض المفترض..وذلك يعني تدميرا كليا لكل ما سبق من نصوص شكلت اطارا حاميا للموقف الفلسطيني، خاصة الشرعية الدولية، ولو عاد البعض الى الصفحة الأولى في"اعلان المبادئ" عام 1993 والمعروف شعبيا واعلاميا بـ"اتفاق اوسلو"، سيجد ان الاتفاق نص  على أن الحل النهائي يجب ان  يؤدي الى تنفيذ قراري مجلس الأمن 242 و338، ما أكد ان سقف الحل يدور من اجل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وهو ما يشكل تقييدا ليس لدولة الكيان فحسب، بل للطرف الفلسطيني أولا والأميركي ثانيا، وليت الفريق المفاوض يعود لتلك المسألة، قبل ان تصبح تغيير المرجعية تحصيل حاصل..

والنقطة الأخرى التي تعمل امريكا على تمريرها من خلال تلك الوثيقة الكارثية، انها تركز جل موقفها على الواقع الخاص في الضفة الغربية، دون اي ارتباط بقطاع غزة، وهو ما جاء نصا صريحا في تصريحات الرئيس الأميركي باراك اوباما، وينعكس في جوهر البحث والنقاش بين الطرفين الفلسطيني والأميركي، وفقا لـ"التسريبات الرسمية"، حيث تتجاهل واشنطن، مفهوم الربط السياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية، من خلال تغييب آلية ذلك وسبل تطبيقه، فالنص الأصلي لاتفاق اوسلو يتحدث عن أن "الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة سياسية جغرافية واحدة"، نص لا يوجد به أي ضبابية لغوية اطلاقا، وخلال الفترة الانتقالية كان مفترضا وفقا للنص المتفق عليه، ان يكون هناك "ممر آمن" بينهما، وتم تنفيذه لفترة قصيرة جدا، ولكن لم يستمر لتكاسل سياسي رسمي فلسطيني..ولكن قضية الربط بين الضفة والقطاع لم تغب عن اي مفاوضات لاحقة، حتى يناير 2001 في منتجع طابا قبل فوز شارون، كان هناك دوما موقف فلسطيني يتحدث عن ضرورة الاتفاق على "طريق سيادي" لتجسيد مفهوم الدولة الفلسطينية في جناحيها، ضمن مفهوم "التبادلية"..

مفاوضات واشنطن وتل ابيب الراهنة لا تأت بذكر على هذه المسألة والتي تشكل قضية جوهرية لمفهوم الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع، وتغيبيها يعني أن البحث يدور في "دولة لبعض الضفة" كما يريد اوباما، فيما تشير التسريبات أيضا أن المفهوم الأميركي بات متبنيا الموقف الإسرائيلي من قضية القدس، حيث تم ابلاغ الرئيس ووفده وبشكل غاية في الوضوح، ان القدس ستبقى "موحدة"، فيما سيكون هناك بحث لايجاد مكان للفلسطينيين بها، يسمونه كما يحبون، والمصيبة الكبرى أن واشنطن ترى ان هذا الموقف سيجتاج لـ"جهد كبير" لتقبل به حكومة نتنياهو..بينما ترى واشنطن أن قضية اللاجئين لا صلة لها باي قرار من الأمم المتحدة، وتحاول اقتناص بعض مما سبق طرحه خلال زمن الرئيس كلينتون، لتأخذ ما تريد وتزيح ما تريد، لتضع اسس جديدة لتصفية قضية اللاجئين وليس حلها..

وتكشف التسريبات المتعمدة، أن مسألة الحدود يجب أن تراعي "التطورات الديمغرافية التي حدثت منذ عام 1967"، وتفسير ذلك صراحة بالاقرار بكل ما قامت به اسرائيل من بناء استيطاني ومحيطه أيضا، الى جانب الأخذ بعين الاعتبار "المصالح الأمنية الاسرائيلية"، وهو ما يعني أن منطقة الأغوار ستكون جزءا من تلك "المصلحة الأمنية"..تلك جوهر تسريبات "اطار اوباما"، ولا نعتقد ان ذلك ببعيد عن الحقيقة، ما لم تخرج قيادة رسمية لتعلن أن كل ذلك "كذب وافتراء" على الحقيقة، ولا نطلب قول كل الحقيقة، كي لا تغضب حركة فتح من سؤال هكذا وتعتبره مسا بـ"السرية المطلوبة للنجاح"، لكن ما نريده تكذيبا رسميا لتلك التسريبات، ولتؤكد فتح ورئيسها ووفدها أنه لا يوجد عرض أمريكي يستنثي قطاع غزة من الحل، وأن الطريق الرابط بين الضفة والقطاع هو جزء من الحل، وان السيادة عليه ضرورة لا بد منها، ولا حل ولا "تبادلية دون ذلك الحق السيادي"..

هل ذلك صعب ومعقد أم أن اللجوء للكلام العام والشعارات التي باتت مملة ومقرفة ايضا، بالقول أن لا سلام مع الاستيطان في ظل استمرار تلك المهزلة التفاوضية، ما هو مطلوب توضيح لبعض الحقيقة السياسية دون اخلال بسرية المفاوضات والجلسات ايضا..ودون ذلك سنعتبر الصمت او الهروب للكلام العام والشعارات الفارغة ليس سوى تأكيد لكل ما يقال "تسريبا"..وعنده ويل لكل من يستمر في تفاوض وفق تلك التسريبات..!

ملاحظة: هل الحديث عن مزايا الشهيد بشير نافع تكفي بعد ما تم الحديث عنه في تسريبات ليس كل ما بها "كذب"..المطلوب تشكيل لجنة لرد الاعتبار السياسي وليس الشخصي لمناضل كان له شرف وطني ينقص كل من تطاول عليه "سرا أو همسا"!

تنويه خاص: متى تتوقف حالة التهديد اللغوي الرسمي الفلسطيني باستخدام اداة الشرط "إذا"..يا سادة دولة الكيان تضحك كثيرا من ذلك الاستخدام الذي بات مهينا لشعب ومعيبا لمن يقوله!