ضرورة تصدير خدمة العمل لمواجهة أزمة البطالة والتوترات الاجتماعية والسياسية

تابعنا على:   14:08 2017-07-30

عمر شعبان

تلجأ الكثير من الدول كثيفة السكان و تلك التي تعاني من نسب بطالة مرتفعة ، لعدم قدرة السوق المحلي على خلق فرص عمل كافية إلى تصدير خدمة  العمل ( تشجيع عمل مواطنيها في الخارج) .  يحقق تصدير العمل سواء من  خلال تسفير بعض المواطنين إما بشكل مؤقت أو دائم الكثير من المزايا أهمها تقليل الطلب على العمل محليا و تخفيف الضغوط الاجتماعية و السياسية التي تسببها البطالة و زيادة التحويلات الواردة لها سواء نقدية أو سلعية من مواطنيها الذين يعملون في الخارج .

تعتمد الكثير من الدول على التحويلات المالية  remittances  كمصدر هام لتغذية  الموازنة العامة  بالعملة الاجنبية و تعزيز النشاط  الاقتصادي و حركة الشراء و البيع و رفع نسب الادخار البنكي و المنزلي و تشجيع الاستثمار . التحويلات سواء كانت نقدية أم عينية هي تلك الاموال و السلع التي يقوم العاملون في الخارج بإرسالها إلى بلدانهم الأصلية .

في العقود الماضية شكلت تحويلات الفلسطينيين العاملين في دول الخليج و في السوق الإسرائيلي و غيرها من مناطق العمل لعائلاتهم في فلسطين أحد  أهم مصادر الدخل القومي الإجمالي الفلسطيني و في تمكين عائلاتهم و تنشيط حركة السوق و الاستهلاك و  الاستثمار .  لكن مع دخول العراق للكويت عام 1990 و ما تلاه  من طرد  لعشرات آلاف العائلات الفلسطينية  من  الخليج العربي عامة ومن  الكويت خاصة ، و نشوب الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000 م مما قلّص  بشكل كبير عدد العمال الذين يعملون في سوق العمل الإسرائيلي   ، فقد المجتمع الفلسطيني المتواضع في حجمه و إمكانياته أحد أهم مصادره.

في دراسة حديثة صادرة عن منظمة الأمم  المتحدة للسكان ، بلغ عدد العاملين سواء بشكل مؤقت أو دائم في غير بلداتهم حول العالم حوالي 200 مليون شخص ، يحصلون على إيرادات سنوية قيمتها  ثلاثة تريليون دولار (3000 مليار دولار يتم تحويل  15% ( نصف مليار دولار) إلى بلدانهم  الاصلية.

تستحوذ بعض الدول العربية على نصيب مهم من هذا التحويلات  مثلا:  مصر17  مليار دولار ،  المغرب 7 مليار ، الاردن  5 مليار ، لبنان 7 مليار ، اليمن 4 مليار و الضفة الغربية وقطاع غزة حوالي 2 مليار  دولار. على المستوى الدولي تحتل المكسيك المرتبة الاولى من حيث قيمة التحويلات بقيمة تصل 24 مليار دولار سنويا يليها الصين بـ 18 مليار و الهند بـ 11 مليار دولار .

في حين أن تصدير خدمة العمل للخارج يحقق الكثير من المزايا مثل اكتساب خبرات و ثقافات جديدة، تمثيل بلدان العاملين  في الدول المستقبلة لهم ، تخفيف الطلب على الوظائف في بلدانهم  و تعزيز السياحة و تشغيل شركات الطيران المحلية و الدولية منها و إليها . فإن له تداعيات سلبية منها : حرمان بلدانهم من خبراتهم والتسبب في  مشاكل اجتماعية و أسرية أحيانا و اضطرار الدول المصدرة إلى مراعاة و محاباة الدول المستقبلة لمواطنيها كما يحدث بين دول الخليج و بعض الدول العربية. و غيرها من التداعيات السلبية الاخرى .

ولأهمية  التحويلات سواء  للموازنة  العامة أو المجتمع ذاته كأفراد و مؤسسات بالنسبة للدول المصدرة  للعمل  و كذلك حاجة الدول المستقبلة لها،  فقد لجأ الطرفان إلى مأسسة و تنظيم سوق العمل بينهما من خلال ما يطلق عليه " نظام الإعارة أو الانتداب و ذلك  بما يحقق عدالة الاختيار بين الراغبين بالعمل في الخارج و تقليل تداعيات  خروج آلاف الكفاءات على السوق المحلي . كذلك إعطاء ضمانات للدول المستقبلة  على أن العمالة القادمة إليها ستكون عناصر مفيدة لها و لن تتسبب في مشاكل سياسية او اجتماعية أو أمنية في ظل زيادة مخاطر العمليات الإرهابية و سرعة تنقلها عبر الحدود .

فلسطينيا : حسب دراسة صادرة عن صندوق الامم المتحدة للسكان ، يتوقع أن  ينمو عدد السكان في الاراضي الفلسطينية  من  4,7 مليون نسمة  حاليا إلى 6,9  مليون عام  2030  وإلى  9,5 مليون نسمة عام 2050 . حتى سنة 2030 سيزداد حجم القوى العاملة من 1,3  مليون شخص حاليا إلى 2,3  مليون شخص عام 2030  وإلى  حوالي 4 مليون نسمة عام 2050 .

في ظل الضغوط التي يعانيها الاقتصاد و المجتمع الفلسطيني من الارتفاع الكارثي لنسب البطالة حاليا خاصة بين حديثي التخرج ، مع الاخذ في الاعتبار صغر حجم الاقتصاد الفلسطيني و آفاق النمو  و التي ستظل محدودة  فلن يكن بمقدوره استيعاب عشرات آلاف الخريجين الجدد سنويا .  لذا  لا مناص من تصدير خدمة العمل الفلسطيني للخارج لمواجهة كارثة البطالة حاليا و مستقبلا .

لذا يتوجب العمل و بشكل فوري على توقيع اتفاقيات رسمية من قبل السلطة  الفلسطينية و الجامعات الفلسطينية و مراكز التدريب المهني مع دول  أخرى تكون بحاجة للقوى العاملة بكافة أنواعها لاستيعاب آلاف العاطلين عن العمل حاليا أو مستقبلا في فلسطين . فمهما يحدث من تطور على  سوق العمل الفلسطيني ، سواء تحت الاحتلال أو  بعد  زواله لن يكن بمقدوره مواجهة متطلبات النمو السكاني مستقبلا .  و لأن البطالة هي مصدر كل الشرور فإن  العمل الجاد و المجدي  كفيل بحل عشرات الأزمات و الأمراض الاجتماعية المترتبة عليها.