حواتمة : المشهد الفلسطيني عالق بين الإنسحاب من المفاوضات وإجراء حوار وطني شامل

15:17 2013-10-19

أمد / قال أمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة أن المشهد الفلسطيني عالق حاليا بين الإنسحاب من المفاوضت وإجراء حوار وطني شامل لتحقيق المصالحة وإنهاء الإنقسام. واصفا المفاوضات الجارية مع إسرائيل بالعقيمة والعبثية.

وأضاف في حوار أجراه معه «كليوباترا» في العاصمة الأردنية عمان أن الضغوط العربية والأجنبية هي التي دفعت الجانب الفلسطيني على التوجه للمفاوضات. مؤكدا أن الإدارة الأمريكية قررت العودة للمفاوضات لمنع الفلسطينيين من التوجه للأمم المتحدة وإلى عموم منظماتها وفي المقدمة محكمة الجنايات الدولية.

وبسؤاله عن إحتمالات إندلاع إنتفاضة فلسطينية ثالثة أجاب حواتمة أن الشعب الفلسطيني بعد مجزرة قلنديا بات يحمل معه شرارة الإنتفاضة الثالثة الجماهيرية والسياسية الشاملة وبصدور عارية.

أما بخصوص مجريات الأمور في مصر أكد حواتمة انه لا خوف على مصر المصرية والعربية فهي محروسة بثوراتها، لافتا ان الإخوان المسلمين لم يستوعبوا الدرس. مشددا على ان ما يشهده العالم العربي ليس ربيعا بل زلازل وإنتفاضات شعبية كبرى وان المطلوب هو إسقاط الأنظمة الفاسدة وليس تغير أفراد بأفراد.

أما بخصوص التهديات الأمريكية بضرب سوريا بعد قصف الغوطتين بالكيماوي أكد حواتمة ان امريكا نقلت إهتمامها من الشرق الأوسط إلى المحيط الهاديء وجنوب آسيا لذلك لن تشن حروبا جديدة في المنطقة.

وبخصوص العراق أوضح أنه بات رهينة للبرجوازية الطائفية والمذهبية الأخرى المحيطة به، لافتا أن عدد أثريائه وصل هذا العام إلى 175 وان أرصدتهم بلغت 15 مليار دولار.

وبالنسبة لسوريا شدد حواتمة على أن الحل السياسي وحده هو طريق حل الأزمة ويجب وقف العنف والحلول العسكرية والبدء بحوار وطني شامل يضم الجميع.

 

وتاليا نص الحوار:

** كيف ترون المشهد الفلسطيني الراهن؟ المفاوضات والانقسام الفلسطيني..؟

--- المشهد الفلسطيني العام عالق بين «الانسحاب الفلسطيني من المفاوضات الجارية، وإجراء حوار وطني شامل لتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام».

وأستطيع القول بثقة أن المفاوضات، التي انطلقت في 30 تموز (يوليو) الماضي بين فريق المفاوض الفلسطيني والإسرائيلي في واشنطن، هي عقيمة وعبثية، ولم تحقق أي تقدم طوال جلساتها العشرة المتوالية. لأن الجانب الإسرائيلي يرفض بحث بند «الحدود والأمن»، ويتمسك ببحث الأمن أولاً والبناء عليه في أي محادثات قادمة حول قضايا الوضع النهائي، لم يقدم حتى الآن «خريطة ترتيباته الأمنية». كما أن الاستقدام الإسرائيلي للملف الأمني يعكس أطماعه التوسعية وهدفه في ترسيم حدود الأمر الواقع، لمنع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967.

وعليه لم يتم البدء في قضية محددة خلال جلسات المفاوضات، حيث ما تزال عامة تدور حول بنود جدول الأعمال، فالاحتلال يعطلها تحت بند «الأمن أولاً» حتى لا يتم بحث أي قضية أخرى، بينما يكسب الوقت لتوسيع الاستيطان خلال مدة التفاوض المحددة بين 6 – 9 أشهر.

وفي حين ارتضى المفاوض الفلسطيني «تكسير» شروطه بالمرجعية المحددة ووقف الاستيطان، و«تقييد» المفاوضات «بتجميد» مؤقت لاستكمال الخطوات اللاحقة الذي تحقق بنيل فلسطين صفة «دولة مراقب»، في الأمم المتحدة، في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. فقد رفض الجانب الإسرائيلي الوقف الكامل للاستيطان وتحديد مرجعية قبل التفاوض، مقابل حصر قضية الأسرى في أربع دفعات من «القدامى»، ما قبل اتفاق أوسلو (1993)، يتم إطلاق سراحها في غضون فترة التفاوض. وستكون الدفعة الأخيرة في الشهر الأخير من المفاوضات لإلزام الجانب الفلسطيني بإكمال المدة المقررة.

وبذلك تصبح المفاوضات «بين الذئب والحمل»، هي «مرجعية نفسها بما ترسو عليه المحادثات الثنائية». ولا شك أن العودة الفلسطينية إلى طاولة التفاوض أحدثت انقساماً سياسياً حاداً في الصف الفلسطيني، في ظل الإجماع الوطني الشعبي والفصائلي على رفض استئنافها.

الآن باليد استطلاع مركز البحوث السياسية والمسحية – (ادارة خليل الشقاقي) الصادر في رام الله 23/9/2013، يشير أن 49% ضد هذه المفاوضات وفقط 47% معها.

ولا بد من العودة إلى قرار الفصائل المنضوية في إطار منظمة التحرير واللجنة القيادية لإطار المنظمة المؤقت والجامع لكل القوى الفلسطينية، الذي اتخذته في شباط (فبراير) 2013 برهن استئناف المفاوضات بمتطلبات مرجعية حدود 1967 ووقف الاستيطان والإفراج عن الأسرى والتوجه إلى الأمم المتحدة.

في 18 تموز (يوليو)، اجتمعت القيادة الفلسطينية وقبل 12 يوماً فقط من استئناف المفاوضات في واشنطن، وقررت بالإجماع عدم الذهاب إلى المفاوضات وفق الاشتراطات السابقة.

وقد أكد الحضور على أهمية عدم العودة، تحت طائلة الضغوط الأميركية، إلى صيغة المفاوضات القديمة، والاستناد إلى القرار الأممي (29 نوفمبر 2012) الذي وضع الأساس السياسي والقانوني الدولي لأي حل وفق المرجعية الدولية والقانونية.

إلا أن فريق المفاوض الفلسطيني قفز عن الإجماع الفلسطيني، تحت ضغوط أميركية إسرائيلية وعربية، على شاكلة قمة الدوحة، التي عقدت في آذار (مارس) الماضي، على «حل الدولتين» مع تبادل للأراضي، بدون استيعاب القرار الأممي.. ومن وراء ظهر الشعب الفلسطيني.

إن الضغوط العربية ازدادت على القيادة الفلسطينية للذهاب إلى المفاوضات بنفس الأسس القديمة التي كانت قائمة، طيلة 20 عاماً، على قاعدة غياب المرجعية الدولية، واستمرار الاستيطان، الجانب الفلسطيني اكتفى برسالة وزير الخارجية الأميركية جون كيري التي قدمها إلى الرئيس محمود عباس وتتحدث بأن «الولايات المتحدة ترى أن المفاوضات تقوم على حدود 1967»، من دون إلزام الجانب الإسرائيلي بذلك، ولم يتلق الاحتلال الإسرائيلي رسالة مماثلة، بل أخرى مغايرة تضمن استيعاب نتيجة المفاوضات للأمر الواقع في إطار تبادل الأراضي، بدون الإشارة إلى حدود 1967 ووقف الاستيطان.

إن توصل المفاوضات إلى نتائج ملموسة أمر مستحيل، مفيد، لأن طريق المفاوضات القائم بلا مرجعية ووقف الاستيطان أوصل الحالة الفلسطينية إلى طريق مسدود.

ويأتي ذلك، في ظل أزمة داخلية فلسطينية بسبب استمرار الانقسام، وعليه ندعو إلى عقد اجتماع للمجلس المركزي الفلسطيني واللجنة القيادية العليا لمنظمة التحرير؛ لتطبيق اتفاق القاهرة 4 أيار (مايو) 2011 وتفاهمات شباط (فبراير) 2013 لتحقيق المصالحة، كما ضرورة «تشكيل حكومة توافق وطني من شخصيات مستقلة، برئاسة الرئيس عباس، وإجراء الانتخابات».

** كيف تقرأ العودة إلى المفاوضات والتعنت الاسرائيلي,,هل نستطيع القول أنها شراء للوقت او علاقات عامة للتصوير والترويج الإعلامي؟

--- كما قلنا أعلاه، هذه مفاوضات بلا أفق، ملهاة لشراء الوقت، والعالم يرى ممارسات الحكومة «الاسرائيلية» المتطرفة، يومياً من عدوان وتهديد واستيطان متواصل، هو ما سيؤدي إلى نسف المفاوضات بـ «الوقائع اليومية والاستيطان على الأرض»، لقد أطلق رئيس فريق المفاوض الفلسطيني صائب عريقات تحذيره منذ أيام بالقول: «إن استمرار الاستيطان قد يؤدي إلى وقف المفاوضات»، وما عليه سوى التنفيذ، علماً أن المفاوضات ذاتها يعتم عليها إعلامياً، وهذا خلال الفترة القصيرة لاستئناف المفاوضات المباشرة، والإدارة الاميركية باتت أعجز من «توجيه لوم» للحكومة الاسرائيلية، والمفاوضات الأن وبهذه المرجعية مصلحة اسرائيلية بالكامل، كغطاء للتهويد والسلب والاقتلاع، سواء في القدس أو في مناطق أخرى على رأسها اليوم الأغوار الفلسطينية، وصحراء النقب، وغيرها الكثير..

إن فرص نجاح هذه المفاوضات معدومة بالكامل، وفترة المفاوضات التي فرضتها الإدارة الاميركية، هي تقطيع الوقت، وتمكين «اسرائيل» من استكمال مخططات التهويد والاستيلاء على الأرض، وتقطيع اوصال اراضي عام 1967 ممثلة بالضفة الفلسطينية، لذا دعونا وطالبنا مبكرين للعودة للأمم المتحدة لإنجاز الطريق الجديد لمفاوضات متوازنة وجادة على أساس قرارات ورقابة الشرعية الدولية..

هذه المفاوضات بدون قرارات ومرجعية دولية، هذا أولاً، والجملة التي تشكل مفتاح الرسالة، هي قول كيري وزير الخارجية الأميركية: «إن الاستيطان ليس معوقاً للمفاوضات» وبما إِنه لا يحسم نهاية المفاوضات فقط، بل يمارس تضليلاً وترويضاً على المجتمع الدولي والعالم، طالما أنه لا يستطيع ترويض الفلسطينيين تجاه حقوقهم الوطنية بدولة فلسطين على حدود 1967 عاصمتها القدس المحتلة، وحق العودة عملاً بالقرار الاممي 194، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

«تفاهمات كيري» هي منطلقات «التسوية الأميركية» للقضية الفلسطينية، وهي تحسم التفسيرات جميعها نحو تفسير واحد، بأن الحل الأميركي هو حل «منحاز لاسرائيل»؛ وليس لقرارات الشرعية الدولية بشأن «الحدود، القدس، اللاجئين»، والنتائج تُعرف من جدول الأعمال ومن ضمنه الاعتراف الأميركي بالكتل الاستيطانية الكبرى التي تشق الأرض الفلسطينية وتقسمها بخطوط عرضية وطولية، والأهم عملياً هو الواقع على الأرض هو أن «الاستيطان هو عمل خلق وقائع»، بدلاً من كونه انتهاكاً للشرعية الدولية، وهكذا.. على ماذا يتفاوض الفلسطينيون(!)، كما نرى تدرجات الموقف الأميركي الذي بدأ بأن الاستيطان «عمل غير شرعي»، إلى«معيق للتسوية»، وتصريحات كيري لأعضاء الكونغرس بأنه واثق «أن اسرائيل ستنجح في ضم 85% من المستوطنات.. والأخير لا يضرُّ بها» بحسب كيري.. أي بالمفاوضات..

نقول مجدداً إن جوهر القضية الفلسطينية هو الأرض، ومعضلتها الكبرى الاستيلاء المتواصل، وعمليات التهامها، وتواصل إسرائيل عملية ملكيتها«الإلهية» لها، وأن الفلسطينيين أصحاب الأرض منذ آلاف السنين.. هم طارئون إلى حين توفير «حل نهائي لا يأتي»، طالما أن الاقتلاع والإبادة الجماعية باتت صعبة في عصر الإعلام المفتوح..

أمام هذه المنطلقات الأميركية - الإسرائيلية، فإن المفاوضات بسياقها الراهن وفي جوهرها حول ملكية الأرض ستكون محسومة، كما على القدس الشرقية المحتلة عام 1967 التي يجري حسمها وتهويدها بالإجراءات الإسرائيلية، وعليه فلسطينياً مهمة إدارة وجود ديموغرافي فلسطيني.. وإلى حين، وهي الآن موجودة هذه الإدارة في وظائف السلطة الفلسطينية.. فلماذا تريد واشنطن المفاوضات!؟، لا يتوفر تفسير معقول سوى منع السلطة الفلسطينية من التوجه للأمم المتحدة وإلى عموم منظماتها (63) وفي المقدمة المحكمة الجنائية الدولية، العدل الدولية، اتفاقات جنيف الأربعة، مجلس حقوق الانسان للأمم المتحدة، وهذا تم فرضه على فريق المفاوض الفلسطيني طيلة مدة المفاوضات، ودون وقف الاستيطان.

الحالة الفلسطينية الآن غارقة في مفاوضات «عقيمة» بتعبير فريق المفاوض الفلسطيني، وبالنتيجة دوران في نفق مسدود دون ضوء في نهاية النفق، ويكون نتنياهو اشترى الزمن تسعة شهور في عمليات تهويد القدس وتكثيف استعمار الاستيطان في الضفة، وتعطيل ذهابنا إلى الانضمام لمؤسسات الأمم المتحدة ومحاكمة «اسرائيل» على أعمالها ودون استكمال تدويل الحقوق الوطنية الفلسطينية وخلق وقائع جديدة بيدنا ومعنا على الأرض والمجتمع الدولي.

**ما هو واقع ومصير السلطة الفلسطينية، ما هي رؤيتكم للمستقبل؟

--- يتوقف مصيرها على ركيزتين الموقف من المفاوضات الراهنة والعودة إلى الأمم المتحدة، والثانية انهاء الانقسام، ونحن نمر في هذه اللحظة التاريخية من عمر القضية الفلسطينية بمنعطف تاريخي حاد.

نحن على تواصل دائم ومباشر مع الأخ أبو مازن، الآن أدعوه للانسحاب من «المفاوضات العقيمة» دون الوقف الكامل للاستيطان الذي لم يتوقف، لفرض حدود توسعية بقوة الاحتلال، وقطع الطريق على دولة فلسطين على حدود 4 حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وعندما وإذا.. لم تتوقف المفاوضات..، دعوت إلى حِراكات شعبية في الوطن والشتات، حيث حركات الاحتجاج يرتفع منسوبها في الشارع الفلسطيني..

الآن 10 جولات على مساحة 74 يوماً والنتيجة مفاوضات عقيمة.. استيطان يشتعل.. وواشنطن تحميه، ونحن نملك خياراً سياسياً وقانونياً دولياً جديداً باعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية المحتلة عام 1967، حق اللاجئين وفق القرار الأممي 194، إنه قرار وانجاز تاريخي منذ قرار التقسيم الدولي 1947.. وأقول: أدعوك يا أخي أبو مازن لنمضي بهذا الطريق الدولي والفلسطيني الجديد في 29 نوفمبر 2012، ونكمل الخطوات الدولية الكبرى لوضع اسرائيل تحت سيف المحكمة الجنائية الدولية واتفاقات جنيف بدلاً من تعطيل تفاعلات قرار الاعتراف الدولي بدولة فلسطين على حدود 1967، لنخلق وقائع جديدة على الأرض وفي المجتمع الدولي لوقف التهويد والاستيطان بالكامل، لخلق أساس ومرجعية دولية لمفاوضات متوازنة جادة بعد أكثر من عشرين سنة من مفاوضات عقيمة وعبثية، ونحن على رصيف الانتظار الأبدي منذ عقدين ونيف، بانتظار ماذا ؟ إن «غودو» لن يعود..

الشعب الفلسطيني وبعد مجزرة قلنديا، رأيت أنه يحمل معه شرارة الانتفاضة الثالثة الجماهيرية والسياسية الشاملة، وبالصدور العارية، هي الآن مكتملة النضج وجاهزة، يواجه الاحتلال بصبرٍ وعناد وصمود، وخاض انتفاضتين ثم التفريط بهما؛ واستعجال استثمارهما سياسيا، المواجهات بدأت تلوح مع قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين، علينا أن نعيد تصويب البوصلة واستنهاض الجهود كلها لمقاومة شعبية ولعمل وطني حقيقي يخلق واقعاً جديداً لحلول سياسية متوازنة، حلول قرارات الشرعية الدولية، ويعيد قضيتنا الفلسطينية إلى الموقع الذي تستحقه، أن توجه الجهود لعمل وطني حقيقي في اليومي وموحّد، مقدمةً للاهتمام العالمي واهتمام الشعوب العربية.

في المسار السياسي الجديد ينهض شعبنا ويسقط الانقسام، يبني وحدة الشعب الديمقراطية في الوطن والشتات، كما فعلنا بعد انهيارات هزيمة حزيران/يونيو 1967...

إن سياسة الانتظار دون الطريق الجديد تؤدي إلى الإحباط واليأس وهذا ما تريده إسرائيل، تبني وقائع جديدة وتعمل عليها، ونحن نريد مخاضاً جديداً للشعب الفلسطيني واقعي السقف بالشرعية الدولية، وهذا وحده يكفي أن لا يترك شعبنا وحيداً على ساحة صراع تحمل خللاً فادحاً في توازن القوة، حلولها الاعتماد على قوى الشعب الموحد ونهوض الشعوب العربية الجديدة، وأحرار سلام الحق وقانون الشرعية الدولية في العالم.

هذا هو ما يدفع الواقع العربي الرسمي إلى التغيير، لتصحيح مواقف الدول العربية، القدس تحت زحف الاستيطان والتهويد، الزلازل الجديدة في المجتمعات العربية تدعو الآن لبناء معادلة جديدة في العلاقات مع دول العالم «مصالح مقابل مصالح» «حلول سلام الشرعية الدولية».

**كيف تنظر إلى مجريات الاحداث في مصر، وهل تعتقد أن الإخوان المسلمين فهموا الدرس والمرحلة؟

--- لا خوف على مصر المصرية والعربية، الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية، بمبادئ ثورة 25 يناير 2011 وثورة 30 يونيو 2013 لتصحيح مسار ومصير ثورة 25 يناير، ولا اعتقد أن «الإخوان» قد فهموا طبيعة الدرس والمرحلة، انهم مشروع آخر منفصل عن مسار مصر التاريخي الذي انتج ثورات 1882 بزعامة عرابي للتحرر الوطني المصري من الاستعمار الاقطاعي العثماني والأخر البريطاني، مع تمصير الجيش والمساواة في المواطنة، 1919 للحرية، ودستور 1923، ثورة 23 يوليو والتحولات نحو العدالة الاجتماعية وبناء اقتصاد وطني انتاجي..، لا خوف على مصر لأنها تمثل مرحلة المواطنة والديمقراطية في الثورة الثانية، والحشود المليونية.. في الثورة الأولى كانت متلهفة إلى التغيير السياسي لخلق مجتمع أكثر انفتاحاً وحرية، وتأليف حكومات تعنى بقضايا الشعب العامة (خبز وكرامة، حرية، عدالة اجتماعية)، وإذ بها تقع في خندق «الأخونه»، على الضد من مبادئ ثورة 25 يناير، واقصاء كل الأخرين من قوى وتيارات مدنية فكرية، سياسية اجتماعية؛ مرأة وشباب وطبقات شعبية وطبقية وسطى صنعت ثورة 25 يناير، وغياب أي مشروع ملموس للاصلاح والتغيير، للديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

غاب برنامج ثورة 25 يناير: المشروع النهضوي الكبير المصري، العربي، الأفريقي وفي المقدمة وحدة وتضامن العرب، حقوق شعب فلسطين بتقرير المصير والدولة المستقلة وعودة اللاجئين، الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والمبادئ الكبرى...

إذاً، بدأ في أقل من عام مشاهدة مفردات من «قاموس الاستبداد والأحادية» «استبداد طائفي مذهبي بدل الاستبداد المدني العسكري السابق» بعد أن أصبح الإخوان «سلطة»، حملت مشروع «الاجتثاث والعزل والاغتيال والانتقام» مشروع «التمكين» لسلطة أخرى ابتعدت وتناقضت مع مشروع ثورة 25 يناير 2011 «عيش (خبز) وكرامة، حرية، عدالة اجتماعية»، وكما قالت عشرات الملايين في الميادين اذا البداية لسلطة الإخوان هكذا..، فكيف سينتهون(!) وتاريخ الاستبداد يبدأ من نقطة صغيرة، ككرة الثلج المتدحرجة من علٍ، تأخذ معها عمران الدولة ومؤسساتها وهي في مصر جدُّ عميقة، بينما الطريق إلى الديمقراطية، شاق وطويل.. طريق الائتلاف بين جميع التيارات والقوى صاحبة المصلحة التاريخية في الاصلاح والتغيير والتقدم إلى امام وليس إلى الخلف در.. إلى الاحتكار والاقصاء، إلى الاستبداد بألوان أخرى.

في التاريخ، تثور الشعوب من وحي التجديد والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لبناء نظام سياسي يقوم على الحريات العامة والتسامح والمساواة أمام القانون، وعليه جاء الانفجار المجتمعي في الموجة الثورية الثانية في 30 حزيران / يونيو 2013 لعشرات الملايين في الميادين.

ما جرى في مصر هو الفصل الثاني من مسار الثورات، بالدفاع عن القيم والحقوق الفردية والمجتمعية والحريات الديمقراطية، في مواجهة انفراد واحتكار السلطة واللون الواحد.. الافتكاك للخروج عن أدوات الشرعية السياسية التي اوصلتها إلى السلطة، وضرب القيمة المعيارية للديمقراطية والتيارات التعددية التي صنعت ثورة ومبادئ 25 يناير 2011، واسقاط حكم الاستبداد والفساد.. تحالف السلطة والمال.

في مصر الشعب الثائر لا خوف على الثورة، لأنها تستند إلى حالة تنويرية صاعدة وإصلاحية عميقة، المرأة والشباب طبقات الشعب وتياراته بعشرات الملايين لتصحيح مسار ثورة 25 يناير نحو التحولات الجديدة الكبرى واستحقاقات النهوض الثوري التاريخي للشعب «عيش، (خبز) وكرامة، حرية، عدالة اجتماعية»، واستحقاقات الدور التاريخي (المفقود) لمصر الكبيرة في المحيط العربي والقضية الفلسطينية، وافريقيا حيث الجغرافيا والتاريخ ومنابع النيل النبيل.

** لماذا لم تستقر الأوضاع الداخلية في دول ما يسمى «الربيع العربي»؟

--- كلمة «الربيع العربي» لا تعبر عن الزلازل والانفجارات المجتمعية الكبرى التي جرت وتجري في عديد الاقطار العربية، شعوبنا العربية وفي العالم الثالث لا تعرف في تاريخها الطويل «ربيعاً مديداً»، والمناخات المجتمعية صحراوية لعوامل داخلية من التخلف والاستبداد التاريخي الداخلي منذ مطلع القرن التاسع الميلادي اولاً.. وخارجية إقليمية واستعمارية ثانياً.

الزلازل الجارية انتفاضات وثورات شعبية كبرى لحل الأزمات التاريخية الطويلة المزمنة والراهنة، ثورات الشعوب تريد... اسقاط انظمة الاستبداد والفساد وليس تغيير افراد بافراد مع استمرار ذات السياسات القديمة والراهنة... سياسات الازمات «الفقر والبطالة، التخلف التاريخي والراهن، غياب الديمقراطية والحريات، غياب العدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية، الدولة الوطنية المدنية دولة المواطنة والقانون، الصراعات الاثنية والدينية الطائفية والمذهبية، اذلال المرأة وغياب المساواة بين المرأة والرجل».. أقول: عندما لا يقع الاصلاح الديمقراطي والتغيير الشامل الاجتماعي والاقتصادي، الثقافي والتعليمي والسياسي.. تقع الثورات.

الآن بدأ عصر الشعوب.. الشعب يريد...

منذ فجر تاريخ المدنية، يمكن أن نعثر على معنى الحكم ربطاً بآلهة الحكمة، والإصلاح حكمة تسمى فِلاحاً، وتفسر بنزول الحاكم عند مطالب الشعب، بعد أن تبدلت الحالة، وفي جوهر وعي الشعب، حالة من التطور في مراحل التاريخ، كثيرة هي نصوص حكمة التاريخ التي تشير إلى ذلك، وعلى سبيل المثال القصيدة التي قيلت في سرجون الثاني ملك آشور 705 قبل الميلاد تؤكد أن الإصلاح عندما يطلبه الشعب ينبغي تحقيقه، القصيدة الكبرى الموجهة إلى إله الحكمة «نينيجنكو»: «أيها العقل العاقل يا إله الحكمة ! فجر ينابيعك لسرجون، ملك آشور، وحاكم بابل، وملك سومر وآكاد، ومشِيَّد هيكلك! واجعل للعقلاء والعلماء قدرهم، ووفقهم بالتمام، وبلوغ المرام !».

حكمة الشعب مصدر الحكم.. الشعب مصدر السلطات.. و«الشعب يريد».. ونحن في القرن الحادي والعشرين الميلادي..!

** ما هي قراءتكم للمشهد في سوريا، من حيث تحشيد الاسلاميين، وقضية الكيماوي، وهل من ضربة لسوريا، وما إنعكاس ذلك على لبنان والأردن؟

--- الاستراتيجية الامريكية كما حددها اوباما في حملته الانتخابية للولاية الثانية في واد، والتطورات العاصفة المتسارعة في الشرق الاوسط في واد آخر.

أعلن اوباما «انتقال الاهتمام الامريكي في الشرق الاوسط إلى المحيط الهادئ وجنوب شرق أسيا، وان الولايات المتحدة لن تتدخل مباشرة، ولن تخوض حروباً جديدة في الشرق الأوسط...».

الآن تلك الاستراتيجية في عالم آخر، وطبول الحرب الامريكية العدوانية تدق على سوريا وفي الشرق الاوسط تحت شعار «مصلحة الأمن القومي الامريكي» و«مصالح اسرائيل ودول الجوار السوري الحليفة لواشنطن - كما أعلن أوباما - وحوارات الكونغرس لتفويض اوباما بتوجيه صواريخ الضربات العسكرية على سوريا»، وسارع اردوغان اليميني معلناً أن تركيا ستكون جزءاً من التحالف الشريك مع امريكا في هذه الحرب. حكومة نتنياهو تدفع نحو حرب الدمار على سوريا وجيش سوريا فهي الرابح الأكبر من حروب الغزو والعدوان الامريكي على الاقطار العربية، ومثال كوارث تدمير العراق وجيش العراق، تدمير ليبيا وجيش ليبيا وتداعياتها الحروب الداخلية الاهلية والدينية الطائفية والمذهبية لا تتوقف حتى يومنا.

الضغوط والعقوبات الامريكية بوقف الحقوق العسكرية والمالية على مصر الآن، فلتان المليشيات وخطف رئيس وزراء ليبيا الآن... عناوين صارخة في اليومي للحروب الامريكية على الثورات العربية الجديدة.

إن حل الازمة السورية لن يتم بالصراع الدامي المسلح في الداخل السوري، لن يتم بالاحتكار والاقصاء لطرف على آخر، وعدوان امريكا وحلفائها العسكري لن يحل الازمة، بل سيفاقم ويعمق الأزمة والعنف الدموي، الدمار والفوضى وسيل الدماء...

الحل السياسي وحده طريق حل الازمة السورية، وقف كل الحلول العسكرية والعنفية، نحو الحوار السوري – السوري الشامل بين جميع الاطراف السورية المتصارعة للخروج من الأزمة الطاحنة الدامية، حماية وبناء سوريا العربية المستقلة الوطنية والديمقراطية، الواحدة والموحّدة، الدولة المدنية الديمقراطية والمساواة في المواطنة، لكل شعب سوريا بتياراته وطبقاته وقواه الحزبية والنقابية وشخصياته ومكوناته الاجتماعية بدون تمييز في العرق (إثني) والجنس والدين والطائفة والمذهب.

عقد جنيف2 والبناء على مبادئ وعناصر جنيف1 هو الطريق الدولي الإقليمي السياسي، وليس شن الحروب العسكرية الامريكية والتدخلات والحروب الاقليمية.

التدخل الامريكي عطل وسيعطل وقف العنف والقتل من الجماعي الى الكيماوي وعقد جنيف2.

والحلول العسكرية المحلية والاقليمية والدولية عطلت وتعطِل الحل السياسي.

الأهم هو ان العالم يتجه اليوم نحو التعدد القطبي، الأمر الذي يستبعد الضربة لسوريا، إن فكرة النظام الدولي هي فكرة قديمة، تعود جذورها في التاريخ ربما إلى روما وقرطاجة، والصراع يقوم على قيّم محددة، لكنها في العصر الحديث، وبعد حروب ضارية ودموية وشرسة، أخذ النظام الدولي بقيام مؤسسات ومعاهدات، لحل المشاكل على أساسٍ من المساواة في الحقوق والواجبات بين الدول، دون أن ننسى أن هذا الشكل هو نتاج توازنات دولية لما بعد الحرب العالمية الثانية، عصبة الأمم وبعدها الأمم المتحدة.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك منظومة حلف وارسو، اعتبرت الولايات المتحدة؛ أن النظام النيوليبرالي المتوحش الرأسمالي قد انتصر، وأنها قد حققت نصراً حاسماً قد اقفل كتاب التاريخ على دفتيه، وهو ما أعلنه جورج بوش الأب في العام 1991 بأن «نظاماً دولياً أُحادي القطبية يحكم العالم برمته»، وبعد عقد من الزمن، جرى الإعلان بقوة عن قيام هذا النظام الأحادي على يد جورج بوش الابن حين غزا العراق.. وفي زمن اوباما غزو ليبيا وتدمير جيش ليبيا، والآن الضغوط والعقوبات على مصر ما بعد 30 يونيو...

بعد احتلال العراق للكويت، حاولت موسكو جاهدة تفادي الحرب ودون جدوى لانسحاب قوات النظام العراقي من الكويت، ويمكن الاطلاع على كتاب المفكر يفغيني بريماكوف، حول دوره في تلك الفترة والذي اسماه «الحرب التي لم تكن ضرورية»، إلا أًن حكم صدام حسين لم يستجيب، ووقع ما وقع..

وكما ورد في كتابي «الازمات العربية في عين العاصفة» الصادر مطلع 2012 النظام الرأسمالي الأحادي القطب والمتوحش ليس نهاية التاريخ، والأزمات العربية، ازمات انظمة الاستبداد والفساد، الازمات الاثنية (العربية)، الدينية الطائفية والمذهبية، لن تكون نهاية التاريخ العربي، وزلازل الانتفاضات والثورات العربية وازماتها تشق طريق جديد التاريخ للشعوب نحو عالم جديد.. الحرية والديمقراطية والتعددية، الخبز والكرامة، المواطنة والعدالة الاجتماعية.

** هل الرئيس الأمريكي قادر على الحصول على قرار من الكونغرس بشن هجوم على سوريا؟

--- بعد الاجابة على السؤال السابق استطيع القول ان شبح الحرب قد ازيح جانباً الآن، بعد المبادرة الروسية والاتفاق الروسي - الامريكي في موضوع الكيماوي السوري.

**ما هو واقع العراق بعد عشر سنوات من الاحتلال.. و كيف تنظرون إلى تنظيم دولة العراق والشام الاسلامية؟!

--- يمر العراق بأزمة عامة، لم يقف بمكوناته وكياناته على أسبابها، بعقلٍ جماعي حواري في قراءة للأحداث والظواهر بمنهج عقلي نقدي علمي، وتحليل اللوحة الطبقية الاجتماعية للمجتمع العراقي ولمختلف مواقعها في مكوناته، لمواجهة معركة الاصطفافات على أساسٍ من طبيعة الحراك القائم صراع وارهاب دموي طائفي ومذهبي،، مستثنياً من ذلك الإرهاب الاقليمي والخارجي، ومستهدفاً الأساس العام لما انجزه الحاكم المدني الاميركي بول بريمر للعراق، والذي أسس المحاصصة على دوافع طائفية ومذهبية بدلاً عن دولة مدنية وتعددية سياسية ومساواة في المواطنة.

إن دراسة كهذه تلعب دوراً هاماً في آفاق قراءة الوضع السياسي والطبقي الاجتماعي على أساس المواطنة، الديمقراطية والدولة المدنية، وتحديد طبيعة النظام السياسي، بما يساعد على عمل مجتمعي عام؛ في الاصلاح وشكل بناء الدولة العراقية المنشودة، وارهاصات العملية السياسية الجارية، وماهية الحصيلة العامة الايجابيات والسلبية، ونحو تشكيل تيار شعبي لقوى الديمقراطية والمساواة في المواطنة، وليس المحاصصة (شيعية – سنية، عرب – كرد- اشوريين وكلدان، وتقاسم السلطة بين المذهب الواحد، والمذاهب والأعراق...الخ)، تنهي مع عمليات الاصلاح..، المحاصصات المذهبية الدينية والعرقية الاثنية للدولة العراقية، ولماذا تنعدم القدرة على تقديم الخدمات الاساسية للمواطنين في عموم مناطقها، على الرغم من العائدات الاسطورية للنفط، وضعف المؤسسة العسكرية والأمنية، ومحاولات صبغ واضافة طابع مذهبي وعرقي جهوي عليها بدلاً من المهني، وهذا كله يشكل محور الأزمة التي تعصف بالعراق وسيل الدماء من الغزو إلى الحروب المذهبية حتى الآن.

إن الخروج من هذه الأزمة يتطلب اعادة النظر بمجمل العملية السياسية، بدءاً من الغاء المحاصصة المذهبية والطائفية، وهذا لن يتم في اطار حصص واحزاب المذاهب دون تبني سياسة اصلاحية، بدءاً من تغيير قانون الانتخابات وكواحد من الأسباب، وهذا لن يتم أيضاً عبر مجلس نواب جاء على صهوة هذا القانون، وهو سيعارض تمرير أي قانون جديد، أو صياغة قانون ديمقراطي جديد، وأية اصلاحات حقيقية للعملية السياسية، لأن أحزاب السلطة لن تُفَصِل إلا على مقاسها، ورأس المكونات والكيانات العراقية سيصوتون معاً على بقاء هذه الحالة، لإن اجندتهم ترمي إلى تكريس دور احزابهم المنخرطة بذلك، وهذا ما نقصد به بالتحليل السياسي والطبقي الاجتماعي، والتوجه لهم بالخدمات العامة التي هي حق، ربطاً بالاصلاحات، ونحو كتلة تاريخية عابرة للمذاهب والطوائف على المستوى الوطني العام، وتبني مطالب التحركات الجماهيرية الوليدة في تحقيق مطالب سياسية واقتصادية ومشاريع اجتماعية جذرية، حيث لا يمكن للطائفية أو الجهوية أو المذهبية أن تقوم بهذه المهمات الديمقراطية حتى لو ارتدت عباءتها ليلاً نهاراً.

أقول لشعب العراق، لكل مكوناته وتياراته الفكرية والحزبية الوطنية: يا ابناء وانصار وجماهير الدولة المدنية العراقية اتحدوا، هذه هي مهمة القوى الديمقراطية عبر الخيار السلمي المعارض لسياسات المحاصصة، وعليها أن تقدم برامج ملموسة، وانتهاج طريقاً سليماً وخطط آنية رامية إلى تحقيق التغيير الديمقراطي الحقيقي المنشود، ويندرج في هذا الصراع بين المركز والأطراف، وهو صراع قائم على خلفية بناء الدولة العراقية ومستقبل الحكم الفيدرالي الاتحادي، ويتجه احياناً إلى طابع تناحري يهدد وحدة البلاد، بسببٍ من الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية التي ينبغي أن تكون مدعومة بإحصائيات توضح أسباب الأزمة العامة، حيث تدفع البرجوازية الطائفية والمذهبية والعرقية، والبرجوازية البيروقراطية والبرجوازية الطفيلية بإطلاق سياسة السوق الحّرة المدمرة للاقتصاد الوطني العراقي، والإسراع الجنوني في الخصخصة لتحطيم رأس مال الدولة، وهذه تواجه مقاومة محدودة من قبل الطبقات الكادحة بفعل سياسة الاصطفاف الطائفي، وبالإدراك أنها معركة غير متكافئة تفتقد إلى امكانات مادية واعلامية وروحية انسانية، بينما ينعم الآخر بوفرة من الفضائيات ووسائل الإعلام، كما يساعدها الواقع الإجتماعي المتخلف، لكنها لن تستطيع السير إلى النهاية على ذات الدرب.

وفي سياق الجوار الاقليمي هناك من يغذي توجهاتها، نقصد انظمة الاقطاع السياسي والبرجوازية الطائفية والمذهبية الأخرى المحيط بالعراق، والبيروقراطية الطفيلية العربية والبترودولار الذي يؤجج بالإرهاب الصراع المذهبي، وهو يلعب دوراً حاسماً بالتحالف مع الامبريالية العالمية وشركاتها العابرة للقارات، «باحتواء ثورات الربيع العربي» والاستفادة منها لترتيب الخارطة الجيوسياسية، بما يسهل تمرير السوق الشرق أوسطي الجديد، الذي يخدم مصالح «اسرائيل» وانظمة الاستبداد في محيط العراق وفي الشرق الاوسط، وتقزيم الصراع السياسي الوطني والطبقي الاجتماعي وتحويله إلى صراع قبلي ومذهبي بعد تحطيم الدولة، وظهور القبيلة والطائفة والمذهبية سلطة واحزاباً، ومكونات لما قبل تشكيل الدولة القُطْرِية المدنية الحديثة كبديل عن وظيفتها الاجتماعية.

اخيراً نرى أن قوى التحرر والديمقراطية تمتلك امكانات ثورية هائلة في المنطقة العربية لم تستخدم بعد، وأن الحِراكات أفرزت قوى جديدة تخطت القوى التقليدية، كحركة ثورية شعبية، فلا خياراً بديلاً عن الإصلاح والتغيير الجذري الديمقراطي «السياسي والاجتماعي والاقتصادي»، إلا في استمرار التحركات الجماهيرية المدافعة عن الطبقة الوسطى و الشغيلة والكادحين والمستبعدين والمراة والشباب عن بناء الدولة المدنية الجديدة، دولة المساواة في المواطنة، وبين المرأة والرجل، وسائر الطبقات الاجتماعية المناضلة من أجل التقدم الاجتماعي والديمقراطي والعدالة الاجتماعية.

للتدليل على الوضع العام للعراق، صدر مؤخراً تقرير الثروة العالمية، الذي يصدره بنك «يو بي أس» السويسري، ورد به أنه يوجد في العراق (175) ثرياً يملكون 15 مليار دولار عام 2013، بزيادة على عام 2012 حيث كان عدد الأثرياء (160) شخصاً يملكون (13) مليار، وهذا ما يجعله في المرتبة السادسة بين الدول العربية التي تتميز بالأثرياء (الميلياديرية.... حقا من اين لهم هذا ؟).

 

اخر الأخبار