حماس بين الحاضر والمستقبل

تابعنا على:   00:06 2013-10-19

سميح خلف

  بداية ربما من اكبر الاخطاء التي ارتكبتها حركة فتح في مسيرتها الثورية ومن اسباب انحرافها وعوامله الاولية ابتعادها عن لغة الجماهير التي نص عليها نظامها الداخلي وانحيازها في خياراتها نحو التعامل الكامل مع الانظمة العربية والمحيط الدولي الذي اجهظ كل القرارات الدولية والخطوات العملية لمساندة الشعب الفلسطيني لاسترجاع ارضه وحقوقه، ومن هنا كان الانحراف والتغوط فيه الى ان خرجت من مستنقع الى مستنقع اخر اكثر عمقا ً وتغوطا ً.

عندما ظهرت حركة حماس في الساحة الفلسطينية لم تكن وليدة الصدفة،بل كانت نتيجة تراث فلسطيني مقاوم بدأ من عام 1928 مرورا ً بانطلاقة الثورة الفلسطينية عام 1965 الى الانتفاضة الاولى والثانية التي لعب فيها كل شعبنا الدور الفاعل في الصمود والتصدي لآلة العدوان والاحتلال، والتي سريعا ً استوعب فعلها واجهظ فعلها كما اجهظت ثورة 36 واجهظت ثورة 1965 واجهظت الانتفاضة الاولى والثانية تحت معطيات سياسية واهداف سياسية قزمية كانت مطلب لقيادة منظمة التحرير وقيادة حركة فتح ، حيث خرجت اهدافها في مقاومة الاحتلال وتحرير فلسطين، كل فلسطين كما اشارت لذلك الادبيات الثورية والميثاق الوطني الفلسطيني.

حماس الفصيل المقاوم الذي ظهر مؤخرا ً انها تخضع لرؤية حزبية لتنظيم الاخوان المسلمين الدولي ومعطيات التغير في سياساته بناءا ً على متغيرات اقليمية ودولية قد اساءت في الفهم لطبيعة الفصيل المقاوم الذي من المفترض هدفه اولا ً واخيرا ً اجماع كل القوى على قضية التحرير وترك قضية الحزبية الوسطية الاسلامية الى ما بعد التحرير تقررها ارادة الشعوب في ماهية الحكم.

ربما عدم التناغم في البرنامج السياسي لحركة حماس مع مبادئ اوسلو وافرازاتها وشعاراتها المستقبلية ما استفزت حماس للتجاوب مع مشروع موجود اصلا ً لكي يكون قطاع غزة ضحية برنامج امبريالي امريكي صهيوني معد مستبقا ً لفصل الضفة الغربية عن غزة، حيث ترك منهج فئوي اقصائي في داخل حركة فتح مناطق فراغ في قطاع غزة لكي يكون هو شماعة الانفصال وشماعة تنفيذ البرنامج الاقتصادي الامني الذي عموده استغلال عامل الزمن في المفاوضات لكي تتمدد اسرائيل في الاستيطان الذي تجاوز تعداد مستوطنيه ثلاثة اضعاف ما بعد اوسلو ، ومازالت اللعبة قائمة والبرنامج قائم في الضفة الغربية مع تعثر واضح في مطالب الحد الادنى للمفاوض الفلسطيني في الضفة الغربية.

استطاعت حماس ان تحكم قطاع غزة في برنامج منفصل مقابل برنامج واضح المعالم في الضحة الغربية بعد حصار قطاع غزة وحصار السلطة التنفيذية والتشريعية من خلال الاعتقالات التي قامت بها اسرائيل، لا نريد هنا ان نتحدث عن مقدار ما حققته حماس في حكمها لغزة ولكن في الناتج النهائي ان الشعب الفلسطيني في غزة والذي تعداده ما يقارب 2 مليون نسمة يخرج من حصار الى حصار واشتد هذا الحصار بمتغيرات اقليمية وخاصة في مصر ، تلك المتغيرات التي لم تكن بالحسبان لدى جماعة الاخوان المسلمين في قطاع غزة مما زاد في عملية الخنق لحماس وللشعب الفلسطيني بالكامل بعد عملية تشهير عالية المستوى وضخمة وواسعة في صحف متعددة تتهم حماس بالتدخل في الشان المصري على قاعدة حزبية، ومن هنا تعرض اهالي قطاع غزة الى الالام والحصار الخانق والبطالة والفقر وما يهدد 2 مليون فلسطيني من الجوع.

انتهزت السلطة الحاكمة في رام الله الضعف الذي اصاب برنامج حماس وموقفها وسلطتها في قطاع غزة لكي تصب حممها الاعلامية وضغوطها الاقتصادية على قطاع غزة لكي تجبر حماس للانصياع لبرنامج رام الله المدمر المبني على الاعتراف ب242 وكافة الاتفاقيات المبرمة مع العدو الصهيوني ونبذ الارهاب والاعتراف بمبدئ التنسيق الامني بشكل مباشر مع العدو الصهيوني والاعتراف ايضا ً بالغاء بنود الميثاق الخاصة بالكفاح المسلح وتحرير فلسطين وعملية التعليم والتعبئة الوطنية في المدارس الفلسطينية ، هذا هو جوهر المشكلة.

 بعد حرب 8 ايام تقدم خالد مشعل باطروحات وسطية نصت عليها اتفاقية القاهرة على نبذ العنف بين الطرفين وهدنة لم يحدد مدتها مع العدو الصهيوني ، عملت حماس بكل صدق واخلاص مع تلك التجربة ومع تلك الاتفاقية التي كان يقودها الرئيس السابق محمد مرسي.

ولكن هل بقيت الرياح في اتجاهها ، لا اعتقد ذلك من مصلحة حماس ان يبقى هدنة وهدوء على حدود قطاع غزة وان كانت حماس تحكم بمنظور الفصيل في قطاع غزة الا ان ما يقدر لها هو اعدادها الجيد لقوى المقاومة في كتائب القسام الذي ينال احترام كل فلسطيني بصرف النظر عن سلوك الحكومة وتجنحها لخدمة فصيل وابنائه خارج نطاق المسؤولية الشاملة عن كل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

بهذا الحصار كان امام حماس وضع راهن مطلوب فك شفرته وهي امام كفي الرحى اما ان تعترف بكل الشروط التي وضعها عباس وعلى اساسها الاعتراف جهرا وجهورا ً بوجود اسرائيل كدولة لها كيانية جغرافية وامنية كحل نهائي لقضية فلسطين وانهاءقضية اللاجئين بوجوب حل عادل متفق عليه كما نصت عليه المبادرة العربية وتحويل اجهزة المقاومة الى قوات حرس وطني واجهزة امنية تقوم بخدمة الجغرافيا الامنية لاسرائيل وما يتوجب عليها من التزامات في الداخل الفلسطيني وبالشكل الاقليمي ايضا والدولي وكما تفعله اجهزة الضفة الغربية داخليا ً وتنسيقيا ً مع العدو الصهيوني .

تطالب رام الله بانتخابات رئاسية وتشريعية لحسم قصة الانقسام والسير في اتجاه المصالحة ،وربما رأيي الشخصية تكون هذه خدعة اخرى وشرك جديد يقم به الشعب الفلسطيني ولان كل من رام الله قد اسست بنتيها ومؤسساتها الامنية مع اللجنة الثنائية الامريكية والاسرائيلية ودول اوروبية اخرى وترسل بعثاتها وطلابها ليتلقوا الدروس الامنية في كل من استراليا وبريطانيا والمانيا وامريكا ودول الكتلة الشرقية سابقا.

اما حماس فقد اسست بنيتها من البنية التحتية الى القيادية ايضا من افراد وكوادر وقيادات الاخوان المسلمين منحية الكفاءات الفلسطينية عن اخذ موقعها الحقيقي في ادارة قطاع غزة،وبالتالي ليس بالسهل دمج تلك المؤسسات الا اذا تنازلت حماس عن رؤيتها عن رؤيتها المقاومة والمجمدة حاليا تحت بند " البناء والاستعداد لمواجهة قادمة مع العدو الصهيوني ".

الانتخابات التشريعية والرئاسية ستدخلنا في محك اخر ومكرر لحالة الانقسام الاكبر في الساحة الفلسطينية ايضا ً التي تلعب فيه اسرائيل دورا ً مهما في المراقبة والتدخل في الشأن الفلسطيني بحكم اتفاقية اوسلو،فلن تقبل اسرائيل بانتخابات تفرز قيادات متطرفة تطالب بتحرير فلسطين وبالكفاح المسلح والمقاومة ومن هنا محكوم على نتائج الانتخابات اما الاستسلام الكامل لمتطلبات برنامج عباس ونهجه وبالتالي الانفتاح المحسوب اقتصاديا في كل من غزة والضفة او الخيار الاخر اذا هزم تيار عباس وبالتالي يتكرر الحصار ونعيد نفسنا الى المربع الاول من التجهيز للمقاومة واللعب في اوراق كان من المفترض ان نلعب بها مسبقا ً.

هذا هو موقف حماس الراهن والمستقبلي، ولكن

مع من ستتصالح حماس؟ مع حركة فتح وهي القاعدة العريضة في الشعب الفلسطيني التي غالبية ابنائها لا يثقون بقيادة محمود عباس ولا بنهجه ولا بالمحيطين به ،وربما قوة عباس تستمد من معونات خارجية واجهزة استخبارات اسرائيلية ودولية ودعم دولي ، ولا شرعية لتلك القيادة على المستوى الشعبي والجماهيري، والامريكان والاوربيين يدكرون ذلك ، ولكنهم يصرون على دعم هذا الفريق من قيادة متغطرسة لكي يمرروا حل الدولة اليهودية والجغرافيا الامنية الصهيونية بملايين من الدولارات يدعمون بها سلطة عباس وحاشيته التي هي مصابة بكل ملفات الفساد التي مسجلة دوليا ً واوروبيا وعربيا وفلسطينيا ً .

ربما كان الانجع لحماس والتي هي وقعت في نفس الفخ التي وقعت فيه حركة فتح وشرفائها عندما لم يحددوا معسكر الاعداء والاصدقاء منذ البداية ويتعاملوا بناء على هذا النهج، ولذلك كان امام حماس ان تشرك كل ابناء قطاع غزة وكفاءاتها وقدراتها ومنهم المقبولين دوليا ً واقليميا ً وشعبيا ً ان يشاركوا في حكم قطاع غزة وبناء هيكلية سياسية وطنية شاملة تقود قطاع غزة امام تحديد واضع في برنامجها بأن الضفة الغربية محتلة تماما ويقع عليها برنامج المقاومة والنضال الفلسطيني كما يقع على مدن وقرى فلسطين في داخل فلسطين المحتلة حيفا ويافا وعكا وصفد والرملة وكل مدن وقرى فلسطين .

كان بامكان حماس ان تخرج من ثوبها الضيق المتشرذم لتدخل الى دائرة الوطن وشموليته وتشكيل حكومة وطنية خالية من الفصائلية ويبقى برنامج المقاومة والمقاومين كجيش وطني يحمي قطاع غزة ويعد لعملية التحرير ومتى اتيحت المناخات الضرورية لها.

ان اشراك ابناء حركة فتح في برنامج واضح متفق عليه بين كل القوى الفاعلة ادارة قطاع غزة هو المنهجية الصحيحة تاريخيا لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني وليس وضع يدها في يد من يبيع فلسطين ليل نهار ويبيع اراضيها وينهب اموالها.

من هنا المأزق الذي تقع فيه حماس الان بين خيارين الخيار الاول هو نهج عباس وقبوله دوليا ً واقليميا ً وبين ان تتجه الى خيار الشعب وتشاركه في الحكم وهو اداة الصمود والمواجهة مستقبليا ولكي يقود قطاع غزة حكومة مدنية وبرنامج مقاومة يعتبر طليعة النضال الوطني الفلسطيني كما تعودت غزة ان تقوم بهذا الدور على مر التاريخ.

لقد اتفقت حماس مع تيار رام الله بمهاجمة تيار واسع لحركة فتح يمكن ان تصل معه لقواسم مشتركة تحت ترحيل ازمات فلسطينية تاريخية من عام 74 في المفاوضات مع اسرائيل لتسند كل الانهزامات والانباطاحات لفئة معينة في حركة فتح صاعدة لم تكن موجودة في تلك التواريخ وفي هذا النهج القائم منذ السبعينات ، وبالحق انها اخطات في حساباتها ولم تواجه تيار الاستسلام والانهزام في رام الله بل وجهت اقلامها وحساباتها على روافد ثانوية وتجاهلت الرافد الاساسي في برنامج انهزامي تنازلي قاد الساحة الفلسطينية منذ السبعينات الى الهاوية من جنيف الى اوسلو الى مدريد الى كامب ديفيد وغيره الى المفاوضات العقيمة التي يتحدث عنها صائب عريقات الان انها مجمدة ولم تحقق اي نتائج في ظل توسع استيطاني يومي وفي ظل بوادر لتقسيم القدس كامر واقع في الساحة الفلسطينية والاستيلاء على اراضي شاسعة في الغور ومشاريع مشتركة اهمها مشروع منيب المصري على 300 دنم كمدينة سياحية مشتركة مع دولة الاحتلال.

بلا شك ان حماس تقع في مازق الان بناء على مواقف اتخدتها بشأن المتغيرات العربية في سوريا وليبيا واليمن وخضعت رؤيتها فيها لرؤية حزب ولم تخضع فيها لرؤية فصيل مقاومة مطلوب منه التحرير اولاً ، فهل حماس تخرج من عنق الزجاجة ان تتجه الى احضان الفخ الاوسلوي العباسي متجاهلة رغبات الشعب الفلسطيني في التخلص من تلك القيادة وحالة التشرذم الفصائلية وان يقود قطاع غزة مشروع التحرير لكل فلسطين وتعتبر ان الاتفاق مع عباس هو اتفاق مرحلي يستمد كل منهما شرعيته كما تدل الاحداث والمناسبات على ان الاتصالات قائمة بين الطرفين في غزة ورام الله والقصة هي ادارة الانقسام وليس انهاء الانقسام الذي لن ينهى بالانتخابات او ببرنامج فصيل الا بوحدة الشعب الفلسطيني وتبنيه لخيار المقاومة لتحرير فلسطين كل فلسطين .

اخر الأخبار