سيرة وطن سيرة حياة- الحلقة السابعة

11:16 2017-05-05

غازي الخليلي

أمد/ عشت في بيروت زمن الحرب الأهلية
(3)
خلال الفترة التي عشتها في بيروت والتي قاربت الخمس سنوات، كنت بين حين وآخر أخلو لدفتر يومياتي وأسجل بين حين وآخر تعليقاتي وملاحظاتي على الأحداث التي عشتها ومجريات الحرب الأهلية في لبنان. وفيما يلي بعض المقتطفات من هذه اليوميات تلقي المزيد من الضوء على الفترة التي عشتها في بيروت.
7/6/1974
عشت خلال الفترة الماضية بعد قدومي إلى بيروت وبعد عملي في مركز الابحاث الفلسطيني في غرفة بعمارة من الشقق المفروشة، تقع على مقربة من المركز، أجرتها الشهرية 300 ليرة لبنانية، لم أشعر بالارتياح فيها، إضافة إلى أنها تقع على الشارع العام، ضجيج السيارات مضافاً إليه ضجيج الطائرات أورثاني وجع رأس دائم، مكثت شهرين في هذه الغرفة، وانتقلت منذ منتصف الشهر الماضي إلى شقة صغيرة في عمارة الاسكندراني في منطقة المزعة-البربير، هادئة ومريحة إجمالاً، لا ضجيج ولا إزعاج. أواخر الشهر الماضي، وبالتحديد 28/4، قدم أخي علي من ليبيا. كانت مناسبة جيدة أن ألتقي به بعد خروجي من المعتقل. قضينا معا حوالي الأسبوع ثم سافر إلى دمشق وعمان ونابلس وعادة في 18/5، حيث مكث عندي لغاية 26/5.
من الأمور الهامة خلال الفترة الماضية، هو الوصول إلى اتفاق لفصل القوات على الجبهة السورية في أواخر شهر أيار الماضي، بعد أن بقي وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر في المنطقة لأكثر من شهر، وبعد أن تعرضت محاولاته لموجات متعاقبة من التفاؤل والتشاؤم.
أحد الأسئلة البارزة الآن بعد الاتفاق السوري–الإسرائيلي، هل ستستمر التسوية في سيرها أم أن التسوية السياسية الشاملة، لا زالت بعيدة، وهناك أكثر من عقبة في طريقها، الاتجاه العام، كما يروج البعض، يشير إلى أنها قريبة.
16/10/75
لا أزال أعمل في مركز الأبحاث، والتطور الوحيد الذي حصل هو أنني انتقلت إلى قسم الدراسات الفلسطينية وأعمل حاليا على مشروعين، الأول حول المرأة الفلسطينية والثورة، والآخر حول دولة فلسطين الديمقراطية.
17/10/75
الأحداث الدامية التي اندلعت في لبنان منذ حادثة عين الرمانة في 13 نيسان الماضي، ستظل مسيطرة في لبنان، لأنها ليست مرتبطة فقط بتطورات الوضع السياسي المحلي في لبنان، ولكن بمجمل الوضع السياسي العام في المنطقة.
إن ما يجري الآن هو محاولة لتقرير مستقبل الشعب الفلسطيني لأكثر من عشرين سنة قادمة.
الأحد 19/10/1975
الساعة الآن تقترب من الحادية عشرة، أستمع إلى موسيقى لشوبان، يضيع صوت الموسيقى الهادئة الناعمة، مع طلقات الرصاص وأصوات الانفجارات الكثيرة، لا شك أن الليلة هذه لن تكون هادئة ... لم أشأ أن أستمع إلى الأخبار أو أن أتحدث حول الوضع السياسي اليوم، لأنني كنت بحاجة لإراحة أعصابي ... الجو في لبنان لا يزال متوتراً ولن يهدأ قريباً، وتقديري أن أجواء التوتر هذه ستستمر فترة بانتظار الانفجار الكبير للأحداث إذا لم يتم الاتفاق على معادلة معينة للوضع في لبنان ... لا أشعر باطمئنان للأوضاع.
20/10/75
الساعة الآن الخامسة صباحاً، لم أنم حتى الآن ولا دقيقة نتيجة صوت القذائف والطلقات، معظم الجيران أيضاً يقظون، لقد بدأ القصف قوياً بعد الواحدة واستهدف مناطق رأس النبع والناصرة والبسطة وبرج أبو حيدر. حوالي الساعة الثالثة مررت ببعض مكاتب المقاومة لاستقصاء الأخبار لم أجد أحداً من القادة!
بعد الظهر مررت بالدكتور سمير غوشه في مكتبه وتحدثنا قليلاً عن الأوضاع السياسية في لبنان ... لا شيء لديه ... ثم ذهبت وإياه إلى مكتب إعلامهم لكي أساعدهم في تنظيم الأرشيف وإصدار مجلتهم التي قرروا إصدارها نصف شهرية.
21/10/75
لا زالت طلقات الرصاص وصوت القذائف تسمع بوضوح على الرغم من أن الوقت ظهراً ... لا شك أن لبنان مقدم على تطورات خطيرة، خلال الأيام القادمة.
22/10/1975
الجو السياسي لا زال مضطرباً، مساء اليوم سافر أبو عمار إلى دمشق لحضور اجتماعات الجبهة المشاركة، عقد الاجتماع في دمشق كان بمثابة دعم سياسي لسوريا ... أكثر من خبر تناقلته الصحف عن إمكانية تحسين العلاقات السورية العراقية ... أشك في إمكانية الوصول إلى تفاهم بين الطرفين.
23/10/1975
المصيبة في لبنان، أن القوى الوطنية تتكون من تركيبة غريبة، فما يسمى جبهة الأحزاب والقوى الوطنية، لا تمثل قوة على صعيد الشارع .... القوة على صعيد الشارع هي ملك التنظيمات الناصرية المرتبطة بالمقاومة الفلسطينية، وكذلك قبضايات الأحياء التي تتوزع ولاءاتها بين هذا الزعيم أو ذاك، أو مرتبطة بهذا التنظيم الفدائي أو ذاك.
ذهبت صباحاً إلى المركز، المعظم كان حاضرا، لم أمكث إلا نحو ساعة، ثم تمشيت في شارع الحمراء، الذي أصبح كسوق سرسق، تنتشر على الأرصفة بسطات الملابس والخضار والأدوات المنزلية. إن منظر شارع الحمراء يبدو جميلاً بالسيدات الأنيقات والبرجوازيات وهن يحتشدن على البسطات للشراء ... وهكذا أغلقت الدكاكين، وقام سوق سرسق في أكثر من شارع وفي أكثر من حي.
صوت القذائف كان يُسمح بوضوح، وقد بدأت القذائف بالتساقط على منطقتنا منذ الساعة الرابعة والنصف ... واستمرت طيلة الليل ... كانت بيروت تحترق هذه الليلة ... الدخان يتصاعد من أكثر من مكان ... يتوقع الإنسان أن تأتيه قذيفة أو رصاصة في أي لحظة.
25/10/1975
هذا اليوم كان رهيباً، لقد استمر إطلاق القذائف طيلة نهار اليوم...وهذا اليوم بالإضافة إلى أنه كان يوم قذائف ... إلا أنه كان يوم المذيع اللبناني شريف الأخوي ... منذ الصباح صب غضبه على النواب والمسؤولين ... ودعاهم إلى إيجاد حل والنزول إلى الشارع ... دعا المواطنين إلى التظاهر وإلى قرع أجراس الكنائس والإعلان من مآذن الجوامع للتهدئة وإيقاف القتال ... استجاب الكثيرون، وخرجت تظاهرات وقرعت الكنائس، ونادى المؤذنون ... ولكن ... مسكين الأخوي ... القذائف استمرت، سقطت أكثر من قذيفة على مستشفى المقاصد، الناس تبدو مذهولة وقرفانة ... لم تعد تتحمل.
لن تهدأ الأمور، والمؤامرة مستمرة، كي تدفع المقاومة الثمن.
26/10/1975
شعرت اليوم بكآبة، لا أدري لماذا ... ربما من الأحداث ... ليس سهلاً أن يعيش الإنسان في وضع كهذا، في وضع يجد نفسه بلا دور، بلا عمل في وقت يجب عليه فيه أن يعمل.
27/10/1975
الاشتباكات استمرت طيلة اليوم في معظم المناطق، منذ لحظات سقطت قذيفتين على مقربة من المنطقة التي أسكن فيها... الوضع لا يبعث على التفاؤل ... لبنان يحترق ويتهاوى ... لبنان في طريقه إلى النهاية على يد عدد من المجانين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية.
29/10/1975
أتمزق، أحترق ... لم يعد بي رغبة لإكمال الأبحاث التي أقوم بها ... هل من المعقول أن أبحث وأفكر في الوقت الذي يموت فيه الناس بالعشرات ... لا يمكن ان أعيش لا مبالي.
الجمعة 31/10/1975
في المساء زرت الزميل أحمد عبد الرحمن في مكتبه في مجلة "فلسطين الثورة،" وتحدثنا في الوضع السياسي ... كان لطيفاً جداً معي، وسأل لماذا لا أكتب للمجلة ... لم أعطه جواباً وتركت الأمر غير واضح، ربما أفكر في كتابة مقال خلال الأسبوعين القادمين.
بعد التاسعة مساء زرت غرفة عمليات جبهة الرفض، كانت كل منظمات الرفض مجتمعة هناك، سلمت عليهم ودردشنا بعض الشيء... تحدثت أنا وأبو ماهر اليماني (أحد قادة الجبهة الشعبية) عن الوضع السياسي، لا يزال كما هو، يحلل الأمور ببساطة – التسوية والمقاومة فقط ... دون أن يرى كل التفاصيل ودقائق الأمور في كل ما يجري، دون أن يحدد ما يتسم به الوضع اللبناني من تعقيدات .... والآخرون لا يختلفون ... جميعهم يدورون في فراغ ولا يدرون ماذا يفعلون ... بعد ذلك انتقلنا إلى بيت الدكتور سمير غوشة مع أحمد جبريل وطلعت يعقوب وأبو العباس (قادة من الجبهة الشعبية-القيادة العامة) وتعشينا هناك وبقينا إلى بعد منتصف الليل ندردش في الوضع السياسي ... من خلال الحديث لم أخرج إلا بنتيجة واحدة ... وهي أن كل هؤلاء الناس ليسوا بمستوى ما يضطلعون به من مسؤولية ومهام.
الأحد 2/11/1975
اليوم تم عبور أول سفينة تنقل مواداً لإسرائيل عبر قناة السويس منذ أن أغلقت القناة في وجه الملاحة الإسرائيلية. وبهذا العبور تكون إسرائيل قد حققت أحد شروطها غير المكتوبة في اتفاقية سيناء.
الاثنين 3/11/1975
حوالي العاشرة بينما كنت في البيت، سمعت عدة طلقات كلاشن، ثم انفجر صاروخ، شعرت كأن الانفجار كان في البيت، وقد تبين أن الصاروخ انفجر في الجو على مقربة من البيت قبل أن يصطدم بأي شيء، وهذه حالة نادرة جداً.
الأحد 9/11/1975
صباح هذا اليوم انشغلت أنا وأخي محمد بتنظيف البيت، لا شك أن الأعمال المنزلية، ليست فقط أعمال مرهقة، ولكن غير منتجة، وكان لينين صادقاً عندما أكد أن تحرر المرأة لا يتم إلا بتحريرها من الأعباء المنزلية، فإن اضطرار المرأة إلى قضاء معظم وقتها في المطبخ وفي الغسيل والتنظيف يستهلك كل طاقاتها وأية إمكانية للإبداع لديها، ويسرق كل وقتها ويجعلها غير قادرة على تنمية قدراتها.
قبل الظهر زرت أحمد عبد الرحمن في منزله. قلت له أنني سأكتب مقالاً عن الوضع في لبنان لمجلة "فلسطين الثورة". هذا المساء أنهيت كتابة المقال، وسأنشره باسمي.
الثلاثاء 11/11/ 1975
لا يزال وجع الرأس يلازمني منذ الأمس، واليوم اشتد عليَّ كثيراً في الصباح ذهبت إلى المركز وأنجزت بعض الأعمال، حاولت أن أنام ظهراً ولكني لم أستطع، أخذت حبتين من الأسبرو، حاولت أن أهدئ الوجع بالسماع إلى بيتهوفن ... ولكن دون جدوى.
الثلاثاء 9/12/1975
الساعة الآن الواحدة وعشر دقائق من صباح الأربعاء 10/12 أنهيت لتوي مقالاً عن الأزمة في لبنان لنشره في العدد القادم في "فلسطين الثورة". هذا المقال والمقال السابق المنشور في فلسطين الثورة، هما من أفضل ما كتبت عن الوضع في لبنان حتى الآن.
الجو مخيف أحياناً، مع القصف الشديد وطلقات الرصاص ... الكتابة في ظل القصف لها طعم آخر.
الجمعة 19/12/75
قدمت محاضرة في مركز التخطيط الفلسطيني عن سياسات النظام الأردني تجاه مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة، وعن سياسة "الأردنة" التي لجأ إليها مؤخرا ردا على الاعتراف العربي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.
الجمعة 15/1/1976
ليلة القذائف الرهيبة ... 7 قذائف بالدقيقة الواحدة مجموع القذائف التي سقطت تعدت ال 60 قذيفة ... حول البيت حوالي 20 قذيفة ... الخبز يكاد يكون مفقوداً من الأسواق ... المجاعة تتقدم.
انقطعت عن الكتابة في دفتر يومياتي عدة أشهر، ربما كسلا، أو لأمر آخر، لست أدري. وخلال هذه الفترة حصل الاجتياح السوري للبنان في 6/6/1976
الخميس 15/7/1976
اليوم أشعر بارتياح نسبي، فقد زارتني الماء بعد طول غياب، مما سمح لي بتنظيف البيت وأخذ دوش ماء بارد هذا الصباح، فالماء الساخن غير ممكن، لأنه لا يوجد غاز.
الثلاثاء 27/7/1976
أول أمس غادرت المستشفى، بعد أن أجريت عملية جراحية (بواسير) وكان من المفروض أن أبقى لمدة أيام أخرى، ولكن سوء العناية اضطرني إلى المغادرة.
مأساة تل الزعتر لا زالت مسيطرة على الوضع، وقد ازدادت المأساة حدة بسيطرة القوى الانعزالية على مصادر المياه للمخيم مما يهدد سكان المخيم بأزمة خطيرة. كذلك تفاقمت المأساة بهدم بناية تحتها ملجأ كان به نحو 500 شخص بين طفل وامرأة وشيخ، وقد فشلت كل الجهود لإنقاذهم من تحت الأنقاض بسبب استمرار القصف، وقد تم انقاذ نحو 20 شخصا، واليوم أعلن أنه تم انتشال 150 جثة إضافة إلى 7 جثث أخرى انتشلت أمس.
الخميس 29/7/1976
الجو السياسي لا يزال قلقا، واحتمال كبير أن يتم الإعلان عن الاتفاق السوري–الفلسطيني. التقديرات تتراوح بين التشاؤم والتفاؤل. كثيرون يعتبرون أن الاتفاق لن يكون إلا هدنة والأحداث لم تنته بعد.
الثلاثاء 3/8/ 1976
ظهر اليوم وصلت الدفعة الأولى من جرحى تل الزعتر، 91 جريحاً معظمهم من الأطفال والشيوخ والنساء
الأربعاء 4/8/1976
تم اليوم إجلاء المجموعة الثانية من جرحى تل الزعتر والبالغ عددهم نحو 2143 جريحاً، وقد واجهت عملية الإجلاء العديد من الصعوبات، وأطلقت النار على القافلة وعلى بعثة الصليب ... ومن المنتظر أن تجري غداً عملية إجلاء مجموعة أخرى.
ذهبت اليوم إلى المركز، وقد أعاد رجوع محمود درويش، بعض النشاط إلى المركز بعد أن انعدم كلياً خلال الفترة الماضية. جهد محمود منصب على إصدار مجلة شؤون فلسطينية، سيصدر عدد حزيران قريباً، وسنعمل على إصدار العدد الذي بعده، وقد طلب مني أن أكتب للعدد الجديد.
الخميس 5/8/1976
اليوم علمت باستشهاد الرفيق أبو خالد (جورج عسل) في صنين، حيث استشهد أول أمس بقذيفة جاءت على الخندق الذي يقم فيه. تألمت جداً للنبأ فلقد تعرفت على أبو خالد بعد خروجي من معتقل الجفر في الأردن، كان مثالاً للإنسان المناضل الذي تلمس عنده النظرة الصادقة، والاحساس بضرورة العمل ولو بصمت.
السبت 4/9/ 1976
القذائف، الطلقات، الصواريخ، تقتل النوم. الوضع السياسي لا يبعث على التفاؤل اطلاقاً. صباح اليوم كنت في مركز الأبحاث، وقضيت أكثر من ساعتين أنا ومحمود درويش وإلياس خوري ونظير، ونحن نتناقش. المناقشة كانت حول الوضع السياسي، وحول افتتاحية شؤون فلسطينية، محمود يريد افتتاحية فيها نفس الشاعر وعقلية السياسي. كنا قد اتفقنا قبل يومين على أن نكتب أكثر من افتتاحية، بديلاً عن المشروع الذي كنا ناقشناه بإصدار ورقة سياسية أسبوعية حول الوضع السياسي. محمود متردد لا يحث على اتخاذ قرار... مزاجي... تراجع اليوم عن الافتتاحيات المنفذة، يريد طلقة على حد تعبيره، والطلقات السياسية ماتت أو ضاعت في ظل موقف المقاومة السياسي. وإلياس يوافق على ما يريد محمود، ونظير لا حول ولا قوة. تركنا الأمر للغد،
الأحد 5/9/1976
ذهبنا بسيارتي الصغيرة إلى صور، أنا ومحمود درويش وإلياس خوري، حيث كنا معزومين على أكلة سمك عند صديقنا هاني مندس، قضيا يوماً ممتعاً. محمود لم يكن متجلياً، تغلب عليه مزاج الشاعر كعادته. إلياس كان منزعجا ومزعجا. هاني كان مرحاً وكطفل صغير أحياناً.
الخميس 9/9/1976
أعلن اليوم عن وفاة ماوتسي تونغ بعد حياة نافت الثمانين عاماً، وزخرت بأعمال عظيمة. وبموت ماوتسي تونغ، يكون آخر عمالقة التاريخ الحديث قد غادر الكون. فالعالم الآن يفتقر إلى القادة التاريخيين، القادرين على اتخاذ القرارات السياسية الجريئة، والتجديف بها، في ظل أصعب الظروف... ماوتسي تونغ كان قائداً عظيماً، ولا شك أن موته سيطرح من جديد أزمة السلطة في الصين.
محمود درويش علق على موته بقوله: إنه مات قبل عشرين عاما. إلياس أصابته كآبة وحزن شديدان.
الاثنين 20/9/1976
اطلعت اليوم على تقارير اجتماعات قيادة المقاومة خلال الأيام الأربعة الماضية. كلها تدور حول اجتماعات شتورا وماذا جرى فيها... السوريون يستخدمون لغة التهديد في الكواليس وفي داخل الاجتماعات. يبدو أن "أبو عمار" مستعد للمناورة مقابل ضمانات سركيس.
الاربعاء 22/9/1976
مررت ظهراً على مركز التخطيط، التقيت أبو فادي "منير شفيق" ومحجوب عمر. دردشت مع أبو فادي حول الوضع، وكعادتنا دائماً نعود إلى نقطة البداية، ولا نلتقي أبداً.. نختلف في أمور كثيرة، كل تضامن عربي هو لمصلحة العملية السورية –كذا- اختلفنا حول فهمنا للتناقضات العربية الحالية، وحدود فعلها وتأثير ذلك على الوضع في لبنان.لا يبدو في الأفق أن حلاً قريباً للأزمة في لبنان، وسيظل تصارع النواطير العرب مستمراً، حتى يصبح بالإمكان إرساء توازنات لمعادلة عربية.
بمرور هذا اليوم ينتهي عهد سليمان فرنجية، الررئيس اللبناني ويبدأ عهد سركيس سركيس، الرئيس اللبناني الجديد، والأمر قد لا يتعدى نهاية عهد وبداية عهد.. وسركيس ليس من الرجال التاريخيين. أكثر ما يمكن أن يكونه مدير إداري- تنفيذي.. ولهذا بسهولة وقع في قبضة السوريين حتى قبل استلامه الحكم.
الكل يتحدث عن سرقة سيارات الفيات من مبنى الجيفينور، والتي بلغ تعدادها 132 سيارة، منها بعض سيارات الجاكوار.. تم استرجاع 119 سيارة حتى الآن.. وهذه سرقة السيارات الكبيرة الثانية بعد سرقة ما يزيد على 90 سيارة رينو سابقاً.
السبت 25/9/1976
ذهبت وأخي محمد وصديقته ناهدة وصديقتي سعاد وعالية ويوسف (يعملان في مركز الالابحاث الفلسطيني) إلى بسابا الشوف، لقضاء يوم هناك عند بعض أصدقاء محمد.
الطريق كانت طويلة مزعجة على الرغم من أن الجو كان جيداً، ومنظر الجبال المكسوة بالخضار يبعث على الارتياح. في الذهاب أخذنا طريق بعقلين- مزرعة الشوف، وفي العودة أتينا عن طريق السعديات. كالعادة حصل معي بنشر خلال العودة. أخذنا معنا خرطوش للصيد، ولكن للأسف لم يكن يوجد عصافير.. بقينا في بسابا حتى المساء.
لدى عودتي اطلعت على نص المشروع الذي قدمه سركيس لقيادة المقاومة. وقد عرضه عرفات في اجتماع مشترك لقيادة المقاومة والحركة الوطنية جرى هذا اليوم. المشروع يتكون من سبع نقاط، لا يأتي على ذكر وجود القوات السورية أو على وضع الحركة الوطنية. ويركز فقط على الأزمة بين المقاومة والسلطة اللبنانية، وينص على انسحاب للمقاومة من عدة مناطق على مراحل تبدأ من الجبل.. تم نقد المشروع بشدة في الاجتماع من قبل معظم الأطراف.
قذفت القوى الانعزالية بيروت الغربية بعشرات القذائف بعد ظهر اليوم، مما أرعب الناس بعد أن مر أمس هادئاً.
واليوم أيضاً قدم رشيد كرامي، رئيس الوزراء اللبناني استقالته لسركيس، والاتجاه يسير نحوو تشكيل حكومة تكنوقراطية، ولكن الأمر قد يأخذ بعض الوقت.
26/9/1976
ذكرت الأخبار اليوم أن مجموعة من أربعة فلسطينيين هاجموا فندق سميراميس في دمشق واحتجزوا بعض نزلائه رهائن... وقامت الشرطة العسكرية السورية باقتحام الفندق، حيث قتل أحد المهاجمين واعتقل ثلاثة آخرون، إضافة إلى مقتل ثلاثة من الرهائن وإصابة حوالي ثلاثين جريحاً... خسائر الشرطة العسكرية لم يعلن عنها. سوريا اتهمت فتح بالعملية، وقالت أن المعتقلين الثلاثة هم من فتح... أنكرت فتح أي صلة لها بالحادثة، واستنكرته بشكل عام.
والسؤال: هل الحادث فعلاً قامت به جهة فلسطينية، أم أنه جزء من التعبئة السورية ضد المقاومة؟! سؤال لا بد من الإجابة عليه. تقديري أن مثل هذه العمليات تخدم النظام السوري أكثر مما تخدم المقاومة.
لم أكتب شيئاً هذا اليوم، كما لم أكتب شيئاً منذ يوم الجمعة... اعتباراً من يوم الثلاثاء يجب أن أباشر الكتابة على الكتاب (المرأة الفلسطينية والثورة)، وكذلك الإعداد لمقال موضوعه تناقضات الوضع العربي.
الأحد 3/10/1976
بعد الظهر زرت علياء ويوسف (زملاء في مركز الأبحاث الفلسطيني)، ومكثت هناك بعض الوقت. دعانا محمود درويش لإكمال السهرة عنده في البيت. أصرّ محمود على يوسف بضرورة إحضار طاولة الزهر، طيلة السهرة كان محمود يلعب الطاولة، لعبه مشوق كلعب طفل، تعلمها فقط منذ أسبوع، ووجدها وسيلة تسلية لا بأس بها في هذا الجو القاتل.
الاثنين 4/10/1976
كتب لي أخي علي مرة "أما أنت يا عزيزي فما عليك إلا أن تستمر في الحلم، لأن الخروج من الحلم هذه الأيام خروج إلى الفراغ والعبث". وحلمي كبير، أكبر من نفسي، وأكبر من ذاتي، أكبر من طاقتي كإنسان... عشت الحلم منذ صغري، ولا زلت أعيشه... عشت معه وبه. ولكن الحلم عندما يبقى حلماً، يقتل ويُعذب... وأنا الإنسان الحالم. وكما قال لي علي "إنني أحلم وأنا في قمة ضحكي" صادقاً أنت يا علي... حلمي معي دائماً.
5/10/1976
سياسياً لا شيء جديد، باستثناء الأخبار المتناقضة عن احتمالات الانسحاب من عاليه أو القتال هناك... هناك أخبار أن عرفات يجري اتصالات للانسحاب من عاليه، وأخبار أخرى تقول أن عرفات اجتمع إلى كوادر الحركة، وضح لهم الأمر واحتمالات هجوم سوري، وأكد أنه سيقاتل.
سوريا عادت إلى أسطورة الحسم العسكري... الأسبوعان القادمان سيكونان رهيبين بلا شك... وسيحملان الكثير من المفاجئات، ربما.
الخميس 7/10/1976
اندلع صراع هذا اليوم بين جناحي الجبهة الشعبية-القيادة العامة (أحمد جبريل وأبو العباس). كما علمت، كان البادئ أحمد جبريل الذي استولى على بعض مكاتب الطرف الآخر، والذي رد بمؤازاة من جبهة الرفض فاستعاد المكاتب، وسيطر على الموقف، وقيل إن جبريل لجأ إلى فتح التي حمته.
الوضع لا يبشر بتفاؤل، اليوم التقيت أبو حاتم "محمد ميرزا"، كان يبدو منهكاً وكئيباً،. كما التقيت أبو خالد العملة، تحدثنا عن معارك الجبل، يبدو أنه متضايق ومتمزق داخلياً. عن معركة الجبل قال: إن القيادة لم تضعه في حقيقة الموقف السياسي، حيث كان هناك إنذار سوري بالانسحاب من الجبل قبل الهجوم بأيام.. ولم يبلغ لا بالإنذار ولا بموقف القيادة منه.
الجمعة 8/10/1976
الفاشية ظاهرة شهدتها بعض المجتمعات، وهي استصراخ لأرذل ما في الإنسان من غرائز. ومع الفاشية حصلت مآسي وكوارث إنسانية، ولكن بالرغم من كل ما قرأت وسمعت عن الفاشية في بعض البلدان، فإنني لم أشهد مثيلاً للفاشية التي ظهرت إبان هذه الحرب القذرة في لبنان. القتل على الهوية والقتل بدم بارد أمور عادية وممكنة جداً في ظل أي موجة فاشية، وفي ظل أي حرب ارتدت طابعاً دينياً. ولكن هناك أمور لا يستطيع الإنسان تفسيرها بالفاشية وحدها، والتي وإن كانت أشبه بلوثة عقلية، إلا أنها تتخطى هذا الإطار إلى حد أكبر.
خلال هذه الحرب شهدت وسمعت قصصاً كثيرة عن الجريمة والفاشية، كانت تثير في نفسي القرف، سمعت عن عمليات التعذيب، سمعت عن قطع الأعضاء التناسلية، عن القتل بالبلطة عن تقطيع الرؤوس بالبلطات، وقطع الآذان، عن التلذذ والانتشاء بالقتل، حالات القتل الجماعية.. ولكن ما سمعته مؤخراً عما جرى في تل الزغتر أثناء اقتحامه أو خلال رحيل بعض الأهالي من الزعتر إلى المنطقة الغربية أمر لا يمكن تصديقه لا يمكن تصوره. قد يمكن تصور إنزال الشباب وقتلهم، قد يمكن تصور بعض عمليات القتل الجماعي.. ولكن عمليات قتل الأمومة في قلب الأم وجعلها تتصرف بعكس أمومتها أمور لم أسمع بها، لم أشاهدها قط من قبل.
اليوم كان لي لقاء مع بعض فتيات من تل الزعتر لأخذ صورة حية منهن عن دور المرأة هناك خلال الأحداث.. روين لي قصصاً مذهلة لم أمتلك القدرة على إمكان الاستماع إلى المزيد. وهنا سوف لا أعرض الحالات العادية أو شبه العادية، والتي كانت مظهراً من مظاهر هذه الحرب القذرة. سأعرض فقط لبعض النماذج التي هزت مشاعري..
أم لخمسة أولاد، اعتقلوا أولادها الخمسة في الدكوانة لدى اقتحام المخيم.. توسلت لدى البعض حتى لا يقتلوهم وأخيراً سمحوا لها بولد واحد فقط من الخمسة.. أن تختار واحداً من الخمسة، أما الأربعة الآخرون فسيقتلون.. احتارت الأم من تختار، وليس الأمر في اختيار الأم، ولكن بأي مشاعر تصرفت هذه الأم، وهي تحاول الاختيار، بأي مشاعر كانت وهي ترى رأى العين أولادها الخمسة أمامها يساقون إلى المذبحة، وعليها أن تختار واحداً.. لا شك أن عنف الحادثة أفقدها أي مشاعر، لدرجة أن الأم اختارت أصغرهم، ولكن حتى هذا الصغير لم يسلم من الموت؛ لأنه انتزع منها على الطريق وقتل.
أم أخرى قتلوا ابنها الباقي لها من ثلاثة أولاد أمامها، ثم طلبوا منها أن تدوس على جثته وتقف عليها.. ففعلت!!. أية قوة هذه التي تقتل أقدس المشاعر والأحاسيس عند إنسان.. بأية مشاعر أو بأية حالة كانت هذه الأم وهي تقف على جثة ابنها الذي قتل أمامها.. لا شك أنها لم تكن تشعر بشيء. لا شك أنها كانت خارج إطار الإحساس بأي شيء.. ولكن عندما تصحو هذه الأم من هذه اللحظة، هل تستطيع الحفاظ على توازنها.
أم أخرى فقدت كل أبنائها، لم يبق لها إلا ابنة صغيرة لا يتعدى عمرها ال 15 يوم كانت معها عند رحيلها.. وعند الحاجز الأخير على المتحف أوقفوها.. كان هناك متراس من أطفال ماتوا خنقاً موضوعا على الرصيف.. طلبوا منها أن تضع طفلها على الكومة.. رفضت.. ثم أذعنت ووضعته فوق الكومة وهو على قيد الحياة. ثم طلبوا منها أن تمشي ولا تنظر إلى الوراء..أمر لا يمكن تصوره، ولا يمكن تخيله، أو يمكن أن يحدث حتى في أحط عصور الانحطاط.. حتى النازية بكل قرفها وبشاعتها لم تقم بمثل هذا العمل.
وأي إنسان هذا الذي يتصرف بهذا الشكل.. أي شعور باللذة يهبه هذا التصرف، قتل الأمومة في قلب الأم.
السبت 9/10/1976
اليوم كنت متضايقاً وحزيناً،.. لم أقم بأي عمل مثمر هذا اليوم، ذهبت إلى المركز بعض الوقت، ثم عدت إلى البيت.. في المساء قضيت السهرة عند الصديق أحمد خليفة، وكان حاضراً محمود درويش، ثم أتى بلال الحسن في آخر السهرة.. جرت نقاشات عديدة حول شعر محمود، وحول قضايا عديدة.. استمرت السهرة حتى الساعة الثانية صباحاً من صباح اليوم التالي.

الأحد 10/10/1976
لطالما خلوت إلى نفسي أفكر في تأثير هذه الحرب الدائرة على حياة الناس، عاداتهم، سلوكهم، طباعهم. إن الحرب دائماً تحمل تغييراً في طباع الناس، ليس خلال فترة الحرب فقط، ولكن بعد انتهاء هذه الحرب، سأتحدث عن مشاهد حية ويومية أفرزتها هذه الحرب القذرة.
من أولى هذه الشواهد، بسطات البيع التي انتشرت في أكثر من مكان على امتداد الروشة، على طول شارع الحمراء، قرب الجامعة العربية، على مفترق الطرق، عند الأوزاعي.. في كل مكان تقريباً.. لقد تهدمت أسواق تجارية، وقامت الآن أسواق كبيرة كسوق سرسق على طول الروشة تبيع كل الأغراض والبضائع، الملابس، الأدوات الكهربائية، أدوات الزينة، المشروبات، الدخان. وحول هذه البسطات نشأت محلات بيع الساندويش. كانت المحلات في البداية مجرد بسطات، الآن تحولت إلى شوارع مسقوفة بالزينكو.. وهكذا.
ومن هذه الشواهد أيضاً، تغير نوع البضاعة المعروضة على ضوء الطلب. البنزين صار يباع على الطرقات، زيت السيارات كذلك.. جلنات البلاستيك، اللوكسات، القناديل، البوابير، الأدوات المنزلية، أمور كثيرة.. الخبز أيضاً صار يباع على البسطات على مفترقات الطرق.. ومن أكثر البسطات انتشاراً، بسطات بيع الدخان، ثم بسطات بيع المشروبات الروحية، لدرجة أن الإنسان يرى أن هناك سعراً شبه موحد لأسعار المشروبات مما يدل على أن جهة ما تتحكم بإنزالها إلى السوق، وتحدد الأسعار... أمور غريبة، ولكنها حقيقية.
ومن أكثر المشاهد حياة، مشهد نافخ العجلات، الذي جعل من سيارته محلاً للبناشر، ونفخ الدواليب.. ووقف بها على مفترق الطريق عند الأونيسكو. لقد حمل كل عدته، واستعان بمحرك صغير لتوليد الهواء.. البنشر بثلاث ليرات، ونفخ الدولاب الواحد بليرة واحدة.. هذا المشهد قد يتكرر ويلجأ إليه آخرون.
ومن الشواهد مثلاً، أن بعض الحرفيين غيروا نوع موضوعاتهم على ضوء الحاجة.. صانع الأحذية وجد أنسب له أن يصنع بيوتا جلدية للمسدسات وغيرها. وهكذا مع الحرب يتغير الناس وتتغير عاداتهم.
الثلاثاء 13/10/1976
لا، لا يمكن أن يقتلوا هذا الشعب.. لماذا يحاولون قتلنا، لماذا يحاولون أن يحرمونا من أن يكون لنا وطن، وبيت.. لماذا، لماذا.. وألف لماذا تنطلق من أعماقي في هذه اللحظات.. في هذه اللحظات التي تتقدم فيها القوات السورية على مواقع المقاومة في الجنوب والجبل.. بالأمس بدأ الهجوم السوري على محاورنا في جزين.. الهدف الزحف باتجاه صيدا ومحاصرتها وقطع طريق بيروت-الجنوب... حتى الأمس كان التقدم السوري بطيئاً ولاقى مقاومة.. احتلوا روم وعازور وغيرها، واليوم جدد السوريون هجومهم وفتحوا جبهة أخرى في الجبل.. راجمات الصواريخ تحرق كل شيء، الدبابات تتقدم على بحر من الدماء، وعلى كتل من الجثث..يجب أن نصمد، ونصد الهجوم.
الجمعة 15/10/1976
المعارك لا زالت مستمرة عنيفة في الجنوب وفي الجبل، حتى الآن لم يحقق السوريون أهدافهم من الهجوم على الجنوب لا زالوا بعيدين عن صيدا. وفي الجبل دارت معارك عنيفة وضارية حول بحمدون، اشتباكات اليوم كانت أقل عنفاً من اشتباكات أمس. القتال يدور داخل بحمدون.. الشباب يقاتلون بشكل جيد.
الاثنين 18/10/1976
صدر الليلة في الرياض بيان الملوك والرؤساء العرب الستة مع إعلان الاتفاق الذي ينص على وقف إطلاق النار وإنهاء الاقتتال اعتباراً من 21/10/1976.
الاربعاء 20/10/1976
الساعة الآن السادسة مساءً. منذ الساعة الرابعة وأنا جالس للكتابة. في نفس الوقت الذي تنزل فيه القذائف بكثافة. خلال هاتين الساعتين نزل ما يزيد على 50 قذيفة في المنطقة، وأنا جالس. أحياناً كنت أتوقف لدى سماعي لصفير القذيفة أو لصوت انفجارها. القذائف اليوم كانت رهيبة.. في الصباح لم يكن هناك ما يُشعر أن اليوم سيكون يوم قذائف.. واستمر سيل القذائف، والآن وأنا أكتب، االقذائف لا تزال يتهمر وبشدة.. هل ينتهي هذا الرعب المجنون غداً. لشد ما كرهت في هذه الحرب، هذه القذائف العمياء المجنونة.
لقد قلّ إحساسي بالقذائف، وصرت أتقبلها بشكل عادي جداً. أول أمس عندما كنت عند سلوى (صحفية فلسطينية تقيم في لبنان)، قالت لي: لا أدري كيف الناس باتوا يتصرفون هذه الأيام.. الناس في بيوتهم يرقصون ويغنون والقذائف تنهمر من حولهم.. وعندما تنزل القذائف يبدأون بالسؤال أين نزلت.. الموت لم يعد مهماً ، صار من التفاصيل الصغيرة جداً في حياة الناس. الحرب صارت تفاصيل صغيرة أيضاً .
الخميس 21/10/1976
اليوم كان من المفروض أن يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ اعتباراً من السادسة صباحاً... ليل أمس كان ليل الرعب، وليل جنون القذائف مع المطر كانت السماء تمطر قذائف وصواريخ وطلقات الــ 500. نهضت باكراً كانت الساعة السادسة والربع صباحاً، الطلقات تتواصل... ثم بعد نصف ساعة هدأ القصف وغاب صوت اطلاق النار... لعله السلام بدأ. تفاءلت تفاؤلاً حذراً، نهضت قرأت الجرائد شربت قهوتي، كنت لما أزل في البيت، وكانت الساعة التاسعة و45 دقيقة عندما دوى صوت قذيفة قرب البيت... وخلال ساعتين تساقط في المنطقة، وفي البربير، وفي منطقة الجامعة العربية ما يزيد على 20 قذيفة... وهكذا تبدأ مسيرة السلام مع القذائف، وأي سلام!
الجمعة 5/11/1976
اليوم يوم القذائف الرهيبة.. عدد كبير من القذائف تساقط في منطقة البيت. بدأ القصف منذ الساعة الثانية ظهراً.. وحوالي الساعة السادسة سقطت مجموعة من القذائف على مدخل العمارة التي أقطنها، أحرقت سيارة وشطبت عدة سيارات منها سيارتي.. الجو كان مرعبا.. والأهالي كانوا في وضع سيء جداً.
استمر تساقط القذائف طيلة الليل بشكل كثيف.. لم أخرج من البيت بعد الظهر..
السبت 6/11/1976
القصف كان شديداً جداً هذه الليلة، لدرجة أنني لم أستطع النوم.. القذائف كتنت تتساقط قريبة جداً من البيت، وكنت أشعر أن قذيفة ما ستصيب البيت.
الأربعاء: 17/11/1976
حادث الاصطدام بسيارتي الصغيرة (فولكس فاجن) على كورنيش المزرعة، بينما كنت أنا وأخي محمد عائدين من زيارة أحد الاصدقاء. مر الحادث بسلام. إصابات بسيطة ورضوض.


غازي الخليلي
سيرة وطن سيرة حياة
الحلقة السابعة
عشت في بيروت زمن الحرب الأهلية
(3)
خلال الفترة التي عشتها في بيروت والتي قاربت الخمس سنوات، كنت بين حين وآخر أخلو لدفتر يومياتي وأسجل بين حين وآخر تعليقاتي وملاحظاتي على الأحداث التي عشتها ومجريات الحرب الأهلية في لبنان. وفيما يلي بعض المقتطفات من هذه اليوميات تلقي المزيد من الضوء على الفترة التي عشتها في بيروت.
7/6/1974
عشت خلال الفترة الماضية بعد قدومي إلى بيروت وبعد عملي في مركز الابحاث الفلسطيني في غرفة بعمارة من الشقق المفروشة، تقع على مقربة من المركز، أجرتها الشهرية 300 ليرة لبنانية، لم أشعر بالارتياح فيها، إضافة إلى أنها تقع على الشارع العام، ضجيج السيارات مضافاً إليه ضجيج الطائرات أورثاني وجع رأس دائم، مكثت شهرين في هذه الغرفة، وانتقلت منذ منتصف الشهر الماضي إلى شقة صغيرة في عمارة الاسكندراني في منطقة المزعة-البربير، هادئة ومريحة إجمالاً، لا ضجيج ولا إزعاج. أواخر الشهر الماضي، وبالتحديد 28/4، قدم أخي علي من ليبيا. كانت مناسبة جيدة أن ألتقي به بعد خروجي من المعتقل. قضينا معا حوالي الأسبوع ثم سافر إلى دمشق وعمان ونابلس وعادة في 18/5، حيث مكث عندي لغاية 26/5.
من الأمور الهامة خلال الفترة الماضية، هو الوصول إلى اتفاق لفصل القوات على الجبهة السورية في أواخر شهر أيار الماضي، بعد أن بقي وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر في المنطقة لأكثر من شهر، وبعد أن تعرضت محاولاته لموجات متعاقبة من التفاؤل والتشاؤم.
أحد الأسئلة البارزة الآن بعد الاتفاق السوري–الإسرائيلي، هل ستستمر التسوية في سيرها أم أن التسوية السياسية الشاملة، لا زالت بعيدة، وهناك أكثر من عقبة في طريقها، الاتجاه العام، كما يروج البعض، يشير إلى أنها قريبة.
16/10/75
لا أزال أعمل في مركز الأبحاث، والتطور الوحيد الذي حصل هو أنني انتقلت إلى قسم الدراسات الفلسطينية وأعمل حاليا على مشروعين، الأول حول المرأة الفلسطينية والثورة، والآخر حول دولة فلسطين الديمقراطية.
17/10/75
الأحداث الدامية التي اندلعت في لبنان منذ حادثة عين الرمانة في 13 نيسان الماضي، ستظل مسيطرة في لبنان، لأنها ليست مرتبطة فقط بتطورات الوضع السياسي المحلي في لبنان، ولكن بمجمل الوضع السياسي العام في المنطقة.
إن ما يجري الآن هو محاولة لتقرير مستقبل الشعب الفلسطيني لأكثر من عشرين سنة قادمة.
الأحد 19/10/1975
الساعة الآن تقترب من الحادية عشرة، أستمع إلى موسيقى لشوبان، يضيع صوت الموسيقى الهادئة الناعمة، مع طلقات الرصاص وأصوات الانفجارات الكثيرة، لا شك أن الليلة هذه لن تكون هادئة ... لم أشأ أن أستمع إلى الأخبار أو أن أتحدث حول الوضع السياسي اليوم، لأنني كنت بحاجة لإراحة أعصابي ... الجو في لبنان لا يزال متوتراً ولن يهدأ قريباً، وتقديري أن أجواء التوتر هذه ستستمر فترة بانتظار الانفجار الكبير للأحداث إذا لم يتم الاتفاق على معادلة معينة للوضع في لبنان ... لا أشعر باطمئنان للأوضاع.
20/10/75
الساعة الآن الخامسة صباحاً، لم أنم حتى الآن ولا دقيقة نتيجة صوت القذائف والطلقات، معظم الجيران أيضاً يقظون، لقد بدأ القصف قوياً بعد الواحدة واستهدف مناطق رأس النبع والناصرة والبسطة وبرج أبو حيدر. حوالي الساعة الثالثة مررت ببعض مكاتب المقاومة لاستقصاء الأخبار لم أجد أحداً من القادة!
بعد الظهر مررت بالدكتور سمير غوشه في مكتبه وتحدثنا قليلاً عن الأوضاع السياسية في لبنان ... لا شيء لديه ... ثم ذهبت وإياه إلى مكتب إعلامهم لكي أساعدهم في تنظيم الأرشيف وإصدار مجلتهم التي قرروا إصدارها نصف شهرية.
21/10/75
لا زالت طلقات الرصاص وصوت القذائف تسمع بوضوح على الرغم من أن الوقت ظهراً ... لا شك أن لبنان مقدم على تطورات خطيرة، خلال الأيام القادمة.
22/10/1975
الجو السياسي لا زال مضطرباً، مساء اليوم سافر أبو عمار إلى دمشق لحضور اجتماعات الجبهة المشاركة، عقد الاجتماع في دمشق كان بمثابة دعم سياسي لسوريا ... أكثر من خبر تناقلته الصحف عن إمكانية تحسين العلاقات السورية العراقية ... أشك في إمكانية الوصول إلى تفاهم بين الطرفين.
23/10/1975
المصيبة في لبنان، أن القوى الوطنية تتكون من تركيبة غريبة، فما يسمى جبهة الأحزاب والقوى الوطنية، لا تمثل قوة على صعيد الشارع .... القوة على صعيد الشارع هي ملك التنظيمات الناصرية المرتبطة بالمقاومة الفلسطينية، وكذلك قبضايات الأحياء التي تتوزع ولاءاتها بين هذا الزعيم أو ذاك، أو مرتبطة بهذا التنظيم الفدائي أو ذاك.
ذهبت صباحاً إلى المركز، المعظم كان حاضرا، لم أمكث إلا نحو ساعة، ثم تمشيت في شارع الحمراء، الذي أصبح كسوق سرسق، تنتشر على الأرصفة بسطات الملابس والخضار والأدوات المنزلية. إن منظر شارع الحمراء يبدو جميلاً بالسيدات الأنيقات والبرجوازيات وهن يحتشدن على البسطات للشراء ... وهكذا أغلقت الدكاكين، وقام سوق سرسق في أكثر من شارع وفي أكثر من حي.
صوت القذائف كان يُسمح بوضوح، وقد بدأت القذائف بالتساقط على منطقتنا منذ الساعة الرابعة والنصف ... واستمرت طيلة الليل ... كانت بيروت تحترق هذه الليلة ... الدخان يتصاعد من أكثر من مكان ... يتوقع الإنسان أن تأتيه قذيفة أو رصاصة في أي لحظة.
25/10/1975
هذا اليوم كان رهيباً، لقد استمر إطلاق القذائف طيلة نهار اليوم...وهذا اليوم بالإضافة إلى أنه كان يوم قذائف ... إلا أنه كان يوم المذيع اللبناني شريف الأخوي ... منذ الصباح صب غضبه على النواب والمسؤولين ... ودعاهم إلى إيجاد حل والنزول إلى الشارع ... دعا المواطنين إلى التظاهر وإلى قرع أجراس الكنائس والإعلان من مآذن الجوامع للتهدئة وإيقاف القتال ... استجاب الكثيرون، وخرجت تظاهرات وقرعت الكنائس، ونادى المؤذنون ... ولكن ... مسكين الأخوي ... القذائف استمرت، سقطت أكثر من قذيفة على مستشفى المقاصد، الناس تبدو مذهولة وقرفانة ... لم تعد تتحمل.
لن تهدأ الأمور، والمؤامرة مستمرة، كي تدفع المقاومة الثمن.
26/10/1975
شعرت اليوم بكآبة، لا أدري لماذا ... ربما من الأحداث ... ليس سهلاً أن يعيش الإنسان في وضع كهذا، في وضع يجد نفسه بلا دور، بلا عمل في وقت يجب عليه فيه أن يعمل.
27/10/1975
الاشتباكات استمرت طيلة اليوم في معظم المناطق، منذ لحظات سقطت قذيفتين على مقربة من المنطقة التي أسكن فيها... الوضع لا يبعث على التفاؤل ... لبنان يحترق ويتهاوى ... لبنان في طريقه إلى النهاية على يد عدد من المجانين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية.
29/10/1975
أتمزق، أحترق ... لم يعد بي رغبة لإكمال الأبحاث التي أقوم بها ... هل من المعقول أن أبحث وأفكر في الوقت الذي يموت فيه الناس بالعشرات ... لا يمكن ان أعيش لا مبالي.
الجمعة 31/10/1975
في المساء زرت الزميل أحمد عبد الرحمن في مكتبه في مجلة "فلسطين الثورة،" وتحدثنا في الوضع السياسي ... كان لطيفاً جداً معي، وسأل لماذا لا أكتب للمجلة ... لم أعطه جواباً وتركت الأمر غير واضح، ربما أفكر في كتابة مقال خلال الأسبوعين القادمين.
بعد التاسعة مساء زرت غرفة عمليات جبهة الرفض، كانت كل منظمات الرفض مجتمعة هناك، سلمت عليهم ودردشنا بعض الشيء... تحدثت أنا وأبو ماهر اليماني (أحد قادة الجبهة الشعبية) عن الوضع السياسي، لا يزال كما هو، يحلل الأمور ببساطة – التسوية والمقاومة فقط ... دون أن يرى كل التفاصيل ودقائق الأمور في كل ما يجري، دون أن يحدد ما يتسم به الوضع اللبناني من تعقيدات .... والآخرون لا يختلفون ... جميعهم يدورون في فراغ ولا يدرون ماذا يفعلون ... بعد ذلك انتقلنا إلى بيت الدكتور سمير غوشة مع أحمد جبريل وطلعت يعقوب وأبو العباس (قادة من الجبهة الشعبية-القيادة العامة) وتعشينا هناك وبقينا إلى بعد منتصف الليل ندردش في الوضع السياسي ... من خلال الحديث لم أخرج إلا بنتيجة واحدة ... وهي أن كل هؤلاء الناس ليسوا بمستوى ما يضطلعون به من مسؤولية ومهام.
الأحد 2/11/1975
اليوم تم عبور أول سفينة تنقل مواداً لإسرائيل عبر قناة السويس منذ أن أغلقت القناة في وجه الملاحة الإسرائيلية. وبهذا العبور تكون إسرائيل قد حققت أحد شروطها غير المكتوبة في اتفاقية سيناء.
الاثنين 3/11/1975
حوالي العاشرة بينما كنت في البيت، سمعت عدة طلقات كلاشن، ثم انفجر صاروخ، شعرت كأن الانفجار كان في البيت، وقد تبين أن الصاروخ انفجر في الجو على مقربة من البيت قبل أن يصطدم بأي شيء، وهذه حالة نادرة جداً.
الأحد 9/11/1975
صباح هذا اليوم انشغلت أنا وأخي محمد بتنظيف البيت، لا شك أن الأعمال المنزلية، ليست فقط أعمال مرهقة، ولكن غير منتجة، وكان لينين صادقاً عندما أكد أن تحرر المرأة لا يتم إلا بتحريرها من الأعباء المنزلية، فإن اضطرار المرأة إلى قضاء معظم وقتها في المطبخ وفي الغسيل والتنظيف يستهلك كل طاقاتها وأية إمكانية للإبداع لديها، ويسرق كل وقتها ويجعلها غير قادرة على تنمية قدراتها.
قبل الظهر زرت أحمد عبد الرحمن في منزله. قلت له أنني سأكتب مقالاً عن الوضع في لبنان لمجلة "فلسطين الثورة". هذا المساء أنهيت كتابة المقال، وسأنشره باسمي.
الثلاثاء 11/11/ 1975
لا يزال وجع الرأس يلازمني منذ الأمس، واليوم اشتد عليَّ كثيراً في الصباح ذهبت إلى المركز وأنجزت بعض الأعمال، حاولت أن أنام ظهراً ولكني لم أستطع، أخذت حبتين من الأسبرو، حاولت أن أهدئ الوجع بالسماع إلى بيتهوفن ... ولكن دون جدوى.
الثلاثاء 9/12/1975
الساعة الآن الواحدة وعشر دقائق من صباح الأربعاء 10/12 أنهيت لتوي مقالاً عن الأزمة في لبنان لنشره في العدد القادم في "فلسطين الثورة". هذا المقال والمقال السابق المنشور في فلسطين الثورة، هما من أفضل ما كتبت عن الوضع في لبنان حتى الآن.
الجو مخيف أحياناً، مع القصف الشديد وطلقات الرصاص ... الكتابة في ظل القصف لها طعم آخر.
الجمعة 19/12/75
قدمت محاضرة في مركز التخطيط الفلسطيني عن سياسات النظام الأردني تجاه مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة، وعن سياسة "الأردنة" التي لجأ إليها مؤخرا ردا على الاعتراف العربي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.
الجمعة 15/1/1976
ليلة القذائف الرهيبة ... 7 قذائف بالدقيقة الواحدة مجموع القذائف التي سقطت تعدت ال 60 قذيفة ... حول البيت حوالي 20 قذيفة ... الخبز يكاد يكون مفقوداً من الأسواق ... المجاعة تتقدم.
انقطعت عن الكتابة في دفتر يومياتي عدة أشهر، ربما كسلا، أو لأمر آخر، لست أدري. وخلال هذه الفترة حصل الاجتياح السوري للبنان في 6/6/1976
الخميس 15/7/1976
اليوم أشعر بارتياح نسبي، فقد زارتني الماء بعد طول غياب، مما سمح لي بتنظيف البيت وأخذ دوش ماء بارد هذا الصباح، فالماء الساخن غير ممكن، لأنه لا يوجد غاز.
الثلاثاء 27/7/1976
أول أمس غادرت المستشفى، بعد أن أجريت عملية جراحية (بواسير) وكان من المفروض أن أبقى لمدة أيام أخرى، ولكن سوء العناية اضطرني إلى المغادرة.
مأساة تل الزعتر لا زالت مسيطرة على الوضع، وقد ازدادت المأساة حدة بسيطرة القوى الانعزالية على مصادر المياه للمخيم مما يهدد سكان المخيم بأزمة خطيرة. كذلك تفاقمت المأساة بهدم بناية تحتها ملجأ كان به نحو 500 شخص بين طفل وامرأة وشيخ، وقد فشلت كل الجهود لإنقاذهم من تحت الأنقاض بسبب استمرار القصف، وقد تم انقاذ نحو 20 شخصا، واليوم أعلن أنه تم انتشال 150 جثة إضافة إلى 7 جثث أخرى انتشلت أمس.
الخميس 29/7/1976
الجو السياسي لا يزال قلقا، واحتمال كبير أن يتم الإعلان عن الاتفاق السوري–الفلسطيني. التقديرات تتراوح بين التشاؤم والتفاؤل. كثيرون يعتبرون أن الاتفاق لن يكون إلا هدنة والأحداث لم تنته بعد.
الثلاثاء 3/8/ 1976
ظهر اليوم وصلت الدفعة الأولى من جرحى تل الزعتر، 91 جريحاً معظمهم من الأطفال والشيوخ والنساء
الأربعاء 4/8/1976
تم اليوم إجلاء المجموعة الثانية من جرحى تل الزعتر والبالغ عددهم نحو 2143 جريحاً، وقد واجهت عملية الإجلاء العديد من الصعوبات، وأطلقت النار على القافلة وعلى بعثة الصليب ... ومن المنتظر أن تجري غداً عملية إجلاء مجموعة أخرى.
ذهبت اليوم إلى المركز، وقد أعاد رجوع محمود درويش، بعض النشاط إلى المركز بعد أن انعدم كلياً خلال الفترة الماضية. جهد محمود منصب على إصدار مجلة شؤون فلسطينية، سيصدر عدد حزيران قريباً، وسنعمل على إصدار العدد الذي بعده، وقد طلب مني أن أكتب للعدد الجديد.
الخميس 5/8/1976
اليوم علمت باستشهاد الرفيق أبو خالد (جورج عسل) في صنين، حيث استشهد أول أمس بقذيفة جاءت على الخندق الذي يقم فيه. تألمت جداً للنبأ فلقد تعرفت على أبو خالد بعد خروجي من معتقل الجفر في الأردن، كان مثالاً للإنسان المناضل الذي تلمس عنده النظرة الصادقة، والاحساس بضرورة العمل ولو بصمت.
السبت 4/9/ 1976
القذائف، الطلقات، الصواريخ، تقتل النوم. الوضع السياسي لا يبعث على التفاؤل اطلاقاً. صباح اليوم كنت في مركز الأبحاث، وقضيت أكثر من ساعتين أنا ومحمود درويش وإلياس خوري ونظير، ونحن نتناقش. المناقشة كانت حول الوضع السياسي، وحول افتتاحية شؤون فلسطينية، محمود يريد افتتاحية فيها نفس الشاعر وعقلية السياسي. كنا قد اتفقنا قبل يومين على أن نكتب أكثر من افتتاحية، بديلاً عن المشروع الذي كنا ناقشناه بإصدار ورقة سياسية أسبوعية حول الوضع السياسي. محمود متردد لا يحث على اتخاذ قرار... مزاجي... تراجع اليوم عن الافتتاحيات المنفذة، يريد طلقة على حد تعبيره، والطلقات السياسية ماتت أو ضاعت في ظل موقف المقاومة السياسي. وإلياس يوافق على ما يريد محمود، ونظير لا حول ولا قوة. تركنا الأمر للغد،
الأحد 5/9/1976
ذهبنا بسيارتي الصغيرة إلى صور، أنا ومحمود درويش وإلياس خوري، حيث كنا معزومين على أكلة سمك عند صديقنا هاني مندس، قضيا يوماً ممتعاً. محمود لم يكن متجلياً، تغلب عليه مزاج الشاعر كعادته. إلياس كان منزعجا ومزعجا. هاني كان مرحاً وكطفل صغير أحياناً.
الخميس 9/9/1976
أعلن اليوم عن وفاة ماوتسي تونغ بعد حياة نافت الثمانين عاماً، وزخرت بأعمال عظيمة. وبموت ماوتسي تونغ، يكون آخر عمالقة التاريخ الحديث قد غادر الكون. فالعالم الآن يفتقر إلى القادة التاريخيين، القادرين على اتخاذ القرارات السياسية الجريئة، والتجديف بها، في ظل أصعب الظروف... ماوتسي تونغ كان قائداً عظيماً، ولا شك أن موته سيطرح من جديد أزمة السلطة في الصين.
محمود درويش علق على موته بقوله: إنه مات قبل عشرين عاما. إلياس أصابته كآبة وحزن شديدان.
الاثنين 20/9/1976
اطلعت اليوم على تقارير اجتماعات ق

اخر الأخبار