هل يُسدَل الستار على روسيا؟

11:13 2014-02-27

يان فينتسكي

  بينما تدور أحداث ووقائع دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي، تعود روسيا إلى دائرة الضوء العالمية من جديد، وينتهز الرئيس فلاديمير بوتين هذه الفرصة لتقديم بلاده وكأنها قوة تنبعث من جديد، ولكن تحت هذه القشرة من الزهو والطنطنة الإعلامية تكمن شكوك خطيرة حول مستقبل روسيا. الواقع أن الاتجاهات السِعرية الطويلة الأجل للموارد المعدنية التي يعتمد عليها الاقتصاد، جنباً إلى جنب مع تاريخ روسيا (خصوصاً العقدين الأخيرين من الحكم السوفياتي)، تشير إلى أن حظ بوتين ربما يكون على وشك النفاد.

تبدأ دورات أسعار الموارد المعدنية عموماً بارتفاع يدوم من ثمانية إلى عشرة أعوام، ثم يعقب ذلك فترة أطول من الأسعار المستقرة الأدنى نسبياً، ولأن الأسعار كانت في ارتفاع متواصل منذ منتصف العقد الماضي، فلابد أن تبدأ بالانخفاض في غضون عامين، إذا لم تكن قد بدأت بالفعل، فضلاً عن ذلك فإن آخر فترة من ارتفاع الأسعار دامت أكثر من عشرين عاماً، وهو ما يشير ضمناً إلى أن روسيا من غير الممكن أن تنتظر ببساطة.

ولكن بعيداً عن التسليم بالحاجة إلى خفض الإنفاق- وهي الحتمية الواضحة بعد تكاليف أولمبياد سوتشي التي تقدر بنحو 50 مليار دولار أميركي- لم تبدر عن بوتين إشارة إلى أي خطط ملموسة لمعالجة نقاط الضعف التي تعيب الاقتصاد الروسي.

الواقع أن روسيا واجهت تحديات مماثلة في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، وكحال بوتين اليوم، فشل زعماؤها في القيام بما يلزم. ووفقاً لرئيس الوزراء السابق إيغور غايدار، الذي قاد الحكومة الروسية الوحيدة بعد الحقبة السوفياتية التي كانت موجهة نحو التغيير الشامل، فإن الاقتصاد الموجه الاشتراكي استنفد إمكانات نموه بحلول عام 1970.

وفي ظل ظروف غير شمولية فإن خطر الركود كان سيولد ضغوطاً قوية من أجل الإصلاح الشامل، ولكن زعامات الاتحاد السوفياتي الشيوعية التي تمكنت منها الشيخوخة اتخذت مساراً مختلفاً بتشجيع من انفجار أسعار النفط نتيجة لقرارات "منظمة الأوبك" في ذلك الوقت واكتشاف احتياطيات هائلة من النفط والغاز في غرب سيبريا، فاستخدمت الإيرادات من الموارد الطبيعية لتمويل التوسع العسكري المستمر.

وفي محاولة لاسترضاء عامة الناس، زادت القيادة السوفياتية من وارداتها الغذائية- سواء بشكل مباشر (تضاعفت الواردات من اللحوم على سبيل المثال إلى خمسة أمثالها في الفترة من 1970 إلى 1980) أو غير مباشر (بزيادة الواردات من المواد الأولية). ورغم نجاح هذه الاستراتيجية في الأجل القصير فإنها تسببت في زيادة استهلاك الغذاء بما يتجاوز قدرة الاقتصاد على التحمل.

ونتيجة لهذا، أصبح الاقتصاد السوفياتي أكثر اعتماداً على العائدات من الموارد، الأمر الذي جعله شديد الضعف في مواجهة تقلبات الأسعار في أسواق السلع الأساسية الدولية. وعندما بدأت أسعار المعادن بالانخفاض في أوائل الثمانينيات- حيث بلغت أدنى مستوى لها في عام 1999- انزلق الاقتصاد، الذي كان راكداً بالفعل لمدة خمس سنوات تقريباً، إلى حالة من السقوط الحر.

واليوم، لم يعد الاقتصاد الروسي أكثر مرونة وقدرة على الصمود مما كان عليه في أواخر العصر السوفياتي، حيث تمثل السلع الأساسية، خصوصاً النفط والغاز الطبيعي، نحو 90% من إجمالي الصادرات، في حين يمثل التصنيع نحو 6% فقط، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن اعتماد الاقتصاد على الصادرات من الوقود والمعادن الصناعية قد ازداد، وهذا يعني أن تقلبات الأسعار الأقل حدة تخلف تأثيراً أعظم في الأوضاع المالية والخارجية لروسيا، بل إن بعض المراقبين- بما في ذلك البنك المركزي الروسي- توقعوا تحول الحساب الجاري إلى العجز في وقت مبكر من العام المقبل.

إن العجز الدائم من شأنه أن يقضي على الفارق الاقتصادي الرئيسي بين روسيا في عهد بوتين ونظيره السوفياتي في الثمانينيات- أو على وجه التحديد الاحتياطيات المالية التي تراكمت على مدى العقد الماضي، وكانت هذه الاحتياطيات- التي بلغت 785 مليار دولار في الفترة بين 2000 و2011- هي التي حمت الاقتصاد من صدمة أكبر عندما اندلعت الأزمة المالية العالمية عام 2009، والتي مولت مبادرات روسيا في السياسة الخارجية، بما في ذلك تعاونها مع أوكرانيا أخيراً.

كان تحذير البنك المركزي الروسي المزدوج من العجز المالي وعجز الحساب الجاري يفترض أن أسعار النفط سوف تظل ثابتة، عند مستوى 104 دولارات للبرميل في عام 2015، ولكن توقعاتي بانخفاض أسعار النفط على مدى السنوات الثلاث إلى السبع التالية تشير إلى أن التوقعات بالنسبة إلى روسيا في الأمد المتوسط أسوأ كثيراً في واقع الأمر.

والأمر باختصار أن روسيا سوف تضطر قريباً إلى مواجهة تراجع صحة الاقتصاد الكلي، وفي ظل قِلة من الخيارات لاستعادة هذه الصحة فمن المؤكد أن قطاع التصنيع الروسي غير القادر على المنافسة لن يتمكن من تعويض الفارق، ومن غير المرجح أن يتغير هذا، نظراً لإحجام بوتين عن تنفيذ التحول اللازم إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على المعرفة.

وهذا الواقع الجديد لن يؤثر في سياسة روسيا الخارجية وطموحاتها الإمبراطورية فحسب؛ بل سوف يعمل أيضاً على تقويض الاستقرار الاجتماعي والسياسي النسبي التي ميز العقد الماضي، ففي غياب عائدات الموارد، سوف تواجه الحكومة صعوبة كبيرة في تمويل السياسات والبرامج اللازمة لاسترضاء المواطنين الروس العاديين. وفي هذا السياق فإن أولمبياد سوتشي، الذي كان المقصود منه التبشير بعودة روسيا كقوة عالمية مظفرة، قد يُنظَر إليه قريباً باعتباره نشيد الاحتضار.

* أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة تكنولوجيا المعلومات والإدارة في جيشوف ببولندا، وعضو سابق في المجلس الاستشاري السياسي للرئيس البولندي، وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان «مستقبل الاقتصاد في الغرب».

عن "بروجيكت سنديكيت" بالاتفاق مع "الجريدة" الكويتية