تناقضات بيان طهران

تابعنا على:   22:04 2017-02-26

عمر حلمي الغول

تميل القوى السياسية الشعبوية إلى الخلط في مركبات خطابها السياسي، وتغرق في متاهة الشعاراتية الأقصوية لإشباع اوهامها، وتضليل ذاتها قبل المواطن البسيط هنا او هناك. وبالتالي تخرج عن المنهجية العلمية والمنطقية في خطابها، وتقع في دوامة الفصل بين ما هو تكتيكي وإستراتيجي، وتبقى اسيرة اللغة الإطلاقية. لكنها نتيجة الميل للحشو الكلموجي تعود فتسقط في التفاصيل، وتنسى ما حمله خطابها او بيانها او تقريرها في طياته. مما يشير إلى سقوطها في الفصل التعسفي بين مكوناته، ونفس الشيء في اشكال النضال.

وهذا ما حصل في بيان المؤتمر الدولي السادس لدعم الإنتفاضة، الذي عقد في طهران يومي 21 و22 شباط/فبراير الحالي. الذي تضمنت مخرجاته قرابة ال25 نقطة، وفيها تناقضات فاضحة كشفت فقر حال، وعجز القائمين على المؤتمر والمشاركين فيه ولجنة الصياغة. ومنها: اولا الميل الى الشعارات الإطلاقية بدءا من النقطة الأولى، التي اكد فيها البيان على "تحرير كامل التراب الوطني"، وفي النقطة الثانية التأكيد على "إعتماد المقاومة (وهو يقصد هنا الكفاح المسلح) بإعتبارها خياراً وحيداً؛ ثانيا تجد البيان يستخدم في النقطة الثالثة تعابير فضفاض نسبيا للمقاومة، بإعتزازه "بإنتفاضة (هنا مفهوم الإنتفاضة يعطي دلالة اوسع من مفهوم المقاومة المسلحة) ومقاومة الشعب، بصفتها الطريق المثمر (لاحظ التعبير مثمر) الوحيد في مواجهة الإحتلال؛ ثالثا لنلاحظ التراجع عن صفة الإطلاق في المقاومة في النقطة الرابعة، التي يطالب فيها البيان "المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته وممارسة المزيد من الضغوط المؤثرة على الكيان الصهيوني لردع سلوكه اللانساني"، هنا يوجد إقرار بإستخدام اشكال اخرى غير الكفاح المسلح والإنتفاضة، المتمثل باللجوء للمجتمع الدولي؛ رابعا وفي النقطة الخامسة يطالب بإدانة العدو، الذي "يواصل تهويد القدس، وتغيير معالمها" ... إلخ وهنا ايضا يتقاطع مع النقطة السابقة؛ خامسا في النقطة السادسة ايضا يطالب ويناشد "جميع الحكومات والبرلمانات والمؤسسات الدولية القيام بمسؤولياتها القانونية والدولية من اجل النظر في هذه الجرائم والمذابح." هنا ايضا برز شكل النضال القانوني بالإضافة للنضال السياسي والديبلوماسي؛ سادسا إستوقفتني نقطة في غاية الغموض والإلتباس من قبل اصحاب البيان، التي جاء فيها بعد التأكيد على حق العودة للاجئين الفلسطينيين لديارهم " وإجراء إستفتاء للشعب الفلسطيني، يشارك فيه كل الفلسطينيين الأصليين من سكان فلسطين التاريخية، يقررون فيه مصيرهم، وذلك لتحرير كامل التراب من الإحتلال." لماذا الإستفتاء إن كنتم تطالبوا بتحرير كامل التراب؟ وهل يعني ذلك إسقاط حق المواطنة والمساهمة بالإستفتاء عن الإسرائيلين، الذين يرفضوا الخروج من فلسطين؟ وهل يستقيم ذلك مع التحولات العالمية في القرن الحادي والعشرين؟ لو قيل يجري الإستفتاء لإختيار طبيعة النظام السياسي او على الدستور، كان هذا ممكنا، ولكن في الصيغة المبهة يصبح طرحا إشكاليا؛ سابعا يعود في النقطة الثامنة لمطالبة "المجتمع الدولي للحؤول دون تغيير طابع القدس". إن كنتم تريدون التحرير الكامل، ما يضيركم إن غيروا او لم يغيروا طابع العاصمة، وفقا لإقوال الزهار قبل ايام في تصريح لموقع "دنيا الوطن"، حيث اكد، انه  "لا يعنينا أمر نقل السفارة الأميركية للقدس."؟؟ ثامنا يرحب البيان في النقطة الثانية عشر "بما صدر عن المحافل الدولية مؤخراً من إدانة لبناء المستوطنات، وتناقض تشريع الإستيطان مع القانون الدولي." مرة اخرى يعود للتعامل مع المجتمع الدولي ومؤسساته الأممية.

النتيجة المنطقية من القراءة لما حمله بيان المؤتمر، انه بيان ساذج يعكس ضيق افق وغباء سياسي، ويميل للديماغوجيا اللفظية والشعاراتية. والوقوع في التناقض بين صيغة وشعار "الخيار الوحيد للمقاومة" والتعامل مع اشكال النضال الأخرى، لإن الإنتفاضة لا تعني الكفاح المسلح، بل تعني كل اشكال النضال الشعبي والإقتصادي والتربوي والثقافي وبالضرورة السياسي، وهذا ما أكدته إنتفاضات الشعب العربي الفلسطيني. اضف إلى ان البيان طالب المجتمع الدولي للقيام بالعديد من الخطوات لدعم كفاح الشعب الفلسطيني. كيف سيتم ذلك؟ وعلى اي اسس؟ أليس بالنضال السياسي والديبلوماسي والقانوني والثقافي؟ ثم عن هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني، سؤال لكل الموقعين على البيان من فرسان طهران الفارسية، هل هذا ممكن في الشروط والمعطيات الواقعية والعالمية وفي ظل الإنهيارات العربية والإسلامية والعالمية؟ وأليس من الأفضل طرح الشعارات والبرامج السياسية العقلانية القابلة او هناك إمكانية لقابلية ترجمتها على الأرض؟ والأهم اين هي مقاومتكم جميعا بدءا من حركة الجهاد الإسلامي إلى حركة حماس إلى القيادة العامة إلى آخر المسميات الفصائلية؟ أليس من الأفضل مراجعة الذات والواقع وإشتقاق رؤية برنامجية واقعية، وإعتماد منهجية متصالحة مع ذاتها ومع مصالح الشعب؟ للأسف بيانكم كشف عوراتكم، وبؤس مخرجاتكم. على أمل ان تعيدوا النظر فيما أصدرتموه لحماية ذاتكم قبل حماية الشعب والقضية والمشروع الوطني.  

اخر الأخبار