هل من مفاجأة في الطريق؟

10:45 2014-02-25

عوني صادق

بين تصريحات الرئيس محمود عباس والمسؤولين الفلسطينيين من جهة، وبين تصريحات وزير الخارجية جون كيري ومسؤولين أمريكيين، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولين "إسرائيليين"، من جهة أخرى، يتوه المراقب في ما يسمع، ويحتار فيما سيحدث في بقية الطريق، إلى نهاية المهلة في نهاية مارس/آذار، حول إمكانية التوصل إلى نتيجة لهذه المفاوضات .

ففي الوقت الذي تؤكد التصريحات الفلسطينية أنه يكاد يكون من المستحيل التوصل إلى "اتفاق" في ما بقي من الوقت، لأن في الطريق أكثر من لغم كبير قابل للانفجار قادر على إنهاء المفاوضات، وتظهر التصريحات "الإسرائيلية" تشدداً في المواقف، بل ومطالب أكثر لم ولا تترك أي فرصة للاتفاق، تعرض التصريحات الأمريكية قدراً من الثقة بأن كيري سينجح في مسعاه، ثقة أقرب لليقين وأكبر بكثير مما تسمح به مواقف وتصريحات الخصمين طرفي الصراع والمفاوضات، وهو ما يثير استغراب الكثيرين ويطرح أسئلة عديدة . لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن قبل غيره في ظل فوضى وتناقض التصريحات، هو: من أين يستمد وزير الخارجية الأمريكية هذه الثقة الكبيرة بنجاحه، وهل من مفاجأة يخبئها وتخبئها الأطراف المعنية حتى ربع الساعة الأخيرة؟

في رحلته للقاء كيري في باريس، يومي الخميس والجمعة الماضيين، رافق الرئيس محمود عباس كل من الناطق بلسان الرئاسة نبيل أبو ردينة، ورئيس الوفد المفاوض صائب عريقات . وقبل بدء الرحلة، أدلى أبو ردينة بتصريح جاء فيه: إن السلطة الفلسطينية ترفض التوقيع على أي "اتفاق إطار" أو اتفاق نهائي"، ما لم يتضمن المواقف الفلسطينية والعربية الثابتة المستندة إلى الشرعية الدولية"، موضحاً أنه "لا اعتراف بيهودية "إسرائيل"، ولا دولة فلسطينية من دون القدس الشرقية عاصمة لها، والاستيطان غير شرعي، والدولة الفلسطينية يجب أن تقوم على حدود ،1967 وحل عادل لقضية اللاجئين، وإطلاق سراح الأسرى" (القدس- 20-2-2014) .

وبالرغم من أن تصريح الناطق باسم الرئاسة يلفه الغموض وحمال للتأويلات، إلا أنه إذا أخذ مع افتراض النية الحسنة يمكن أن يعرض مواقف متعارضة مع ما يدعو إليه كيري، ومرفوضة من الجانب "الإسرائيلي" . وقد أكد الرئيس عباس، بعد لقائه كيري مرتين، أن "الدبلوماسية الأمريكية فشلت حتى اللحظة في إنجاز اتفاق إطار يرمي إلى إنهاء الصراع"، وهو تأكيد يبقي الباب مفتوحاً أمام المفاجآت، فما زال وقت حتى نهاية آذار، والفشل الذي أشار إليه الرئيس عباس يتعين "حتى اللحظة"!

لكن مسؤولاً ممن رافقوا الرئيس في رحلة باريس، وهو على الأرجح أحد اثنين: نبيل أبو ردينة وصائب عريقات، صرح لوكالة (فرانس برس 21-2-2014) طالباً عدم الكشف عن اسمه، وقال: إن الأفكار التي قدمها كيري للرئيس "غير مقبولة، ولا يمكن أن تشكل قاعدة لاتفاق إطار مع "إسرائيل""، لأنها "لا تأخذ بعين الاعتبار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولا تؤدي إلى حل للقضية الفلسطينية ولا إلى تحقيق السلام والاستقرار في منطقتنا" . وبحسب هذا المسؤول الفلسطيني، فإن ما عرضه كيري يعتبر تبنياً لكل المطالب "الإسرائيلية" سواء ما يتعلق بالأمن والحدود، أو حق العودة، أو "يهودية إسرائيل"، ما جعله يقول في ختام تصريحه: "من كل ما تم ذكره من مقترحات، فإنه لا يمكن أن يقبل الجانب الفلسطيني بهذه الأفكار لأن تكون أساسا لاتفاق الإطار الذي تنوي الإدارة الأمريكية طرحه" ( السفير 22-2-2014) .

وبالعودة إلى السؤال الذي بدأنا به: من أين يستمد كيري ثقته، فيبدو متأكداً أنه سوف ينجح في مسعاه ومهمته التي تبدو مستحيلة، علينا أن نتذكر أن كيري يمثل دولة لها في المنطقة "أصدقاء"، طالما خدموها وساعدوها في تمرير سياساتها التي لم تكن يوماً مجهولة الأغراض . وفي الوقت نفسه، لقد خبر كيري هؤلاء "الأصدقاء" وعرف حدود مواقفهم في جولاته المكوكية ولقاءاته، بقدر ما خبر الوضع الفلسطيني وثغراته ونقاط ضعفه، وكذلك "خيارات" السلطة الفلسطينية . وهو أيضاً يعرف المواقف "الأيديولوجية" التي "تتعايش" في الساحة الفلسطينية، وبخبرته الدبلوماسية يعرف أنه ما دام هناك وقت للكلام الذي ليس له مقومات الثبات، فإنه يظل قابلاً للتغيير، ولعله من هذه الخلفية قبل مهمته، وأطلق مبكراً قولته الشهيرة: "المهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة" .

لذلك كله، من الصعب تصور أن كيري يكابر أو يناور، أو أنه يطلق التصريحات كأي مسؤول فلسطيني أو عربي بغرض الاستهلاك، فإذا ما انكشف عجزه في نهاية الأمر لن يغير ذلك في وضعه، أو وضع الدولة التي يمثلها شيئاً . وهذا لا يعني أنه ممنوع على كيري أن يفشل، أو ممنوع على دولته أن تسقط في سوء التقدير أو المبالغة في قوتها . إن كل هذا ممكن، وهو في مسألة المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية" وارد أكثر من أمور أخرى كثيرة . فالقضية الفلسطينية، رغم ما لحق بها من تهميش، ورغم افتقارها لمدافعين حقيقيين صادقين، إلا أنها تظل تخص شعباً له من السجل الوطني والنضالي ما أفشل الكثير من المؤامرات عليه، وحمى قضيته من التصفية النهائية، وأبقاها حية وقابلة للانفجار في وجه المتآمرين عليها في أية لحظة . وحتى لو استطاع كيري وأنصاره تحقيق النجاح في التوصل إلى "اتفاق الإطار" الذي يسعى إليه، فإن ذلك لن يكون نهاية المطاف، ولن تكون الكلمة الأخيرة في الموضوع .فهل ننتظر مفاجأة في الطريق؟

عن الخليج الاماراتية

اخر الأخبار