الثورة ترجع الى الخلف

10:38 2014-02-25

علاء الاسواني

الإعلامي الكبير حمدي قنديل كان وما زال ناصرياً مخلصاً وقد بزغ نجمه في عهد عبد الناصر، فأصبح ـ عن جدارة ـ رائداً للصحافة التلفزيونية، ومن أهم الإعلاميين العرب وأكثرهم تأثيراً. في العام 1961 قدم حمدي قنديل في التلفزيون المصري برنامجه الشهير "من أقوال الصحف" الذي حقق نجاحاً كبيراً ظل يتزايد مع كل حلقة حتى أذاع قنديل الحلقة الخامسة، عندئذ فوجئ برئيس تحرير الأخبار في التلفزيون يستدعيه ويقول له:
ـ يا أستاذ حمدي معالي الوزير بيقولك استريح أنت شوية.
كانت هذه الجملة توجه آنذاك الى من غضبت عليه السلطة فتوقف قنديل عن تقديم البرنامج وسافر الى رأس البر، لكنه أجرى اتصالات حتى عرف لماذا هو مغضوب عليه. كانت جريمته الكبرى أنه أذاع خبراً عن الرئيس عبد الناصر في آخر البرنامج وليس في بدايته كما تذاع أخبار الرئيس. لم يستسلم قنديل، بل ذهب من دون موعد الى السيد سامي شرف، مدير مكتب الرئيس، وحكى له ما حدث، ثم سأله:
ـ أريد أن أعرف من الرئيس شخصياً إذا كان يعترض على إذاعة خبر عنه في نهاية البرنامج.
نقل سامي شرف السؤال الى الرئيس وعاد ليقول:
ـ يا أستاذ حمدي الرئيس عبد الناصر بيقولك إرجع التلفزيون واستأنف البرنامج ولا تتكلم مع أحد في هذا الموضوع.
هكذا عاد قنديل الى تقديم برنامجه وكأن شيئاً لم يكن، وفي العام 1967 عندما لاحت نذر الحرب، كان قنديل مثل المصريين جميعاً واثقاً من انتصار الجيش المصري على إسرائيل، وراح يقدم رسالة يومية مصورة من الجبهة، وفي يوم «5 يونيو» ذهب الى قاعدة فايد الجوية وتناول إفطاره مع الطيارين، وفجأة استمع الى انفجارات مدوية متوالية أحدثها القصف الاسرائيلي. انطلق قنديل بسيارة التلفزيون حتى وصل الى مبنى نادي الطيارين وهناك وجد نحو عشرين طياراً حربياً مصرياً يصيحون بهستيرية، حتى أن أحدهم ظل يخبط رأسه في الحائط حتى سال دمه. عرف منهم أن طائراتهم الحربية قد دمرتها إسرائيل وهي على الأرض، وأن ثلاثة فقط من زملائهم استطاعوا أن يقلعوا بطائراتهم لكنهم لا يعرفون مصيرهم.
خرج الاستاذ قنديل من القاعدة وهو في حالة نفسية سيئة فقابل حسين الشافعي ـ عضو مجلس قيادة الثورة ـ الذي سأله إن كان لديه معلومات مفصلة عما حدث، فأجابه قنديل بما عرفه، عندئذ طلب منه الشافعي ان ينصحه بالطريق الذي يسلكه وهو عائد الى القاهرة، ونصحه قنديل بالطريق الصحراوي لأنه أكثر أمناً.
.. هاتان الواقعتان حكاهما حمدي قنديل في سيرته الذاتية البديعة التي صدرت عن دار «الشروق» بعنوان "عشت مرتين". وبالرغم من أنه أورد الواقعتين منفصلتين إلا انني أراهما متصلتين تؤدي إحداهما الى الأخرى:
مذيع ناجح موهوب، مؤيد للنظام ومخلص للثورة يقرأ خبراً عن الرئيس عبد الناصر في آخر البرنامج فيُعتبر تصرفه جريمة ويتم وقفه عن العمل فوراً بلا تحقيق ولا فرصة للدفاع عن نفسه، وهو يضطر الى تقديم شكوى للرئيس نفسه حتى يعفو عنه. هنا تبدو لنا دولة الاستبداد في أوضح صورها: زعيم يتم رفعه فوق مستوى البشر ويصير فوق مستوى النقد ويعتبر كل قرار يتخذه نموذجاً للحكمة والعبقرية، ثم إعلام موجه لا يقول الحقيقة بل يتحول الى آلة تضليل جبارة تغسل أدمغة الناس وتعيد تشكيلها على النحو الذي يريده النظام، ثم قانون يتم تعطيله وتشغيله وفقاً لاحتياجات النظام وأهدافه، ودولة بوليسية تمتد أذرعها لتتحكم في كل شيء، وهي تقمع المواطنين فلا يعترض أحد إما خوفاً من مصير مجهول أو لأنه لا صوت يعلو فوق المعركة.. الزعيم يتحول من مسؤول سياسي الى والد للشعب ورمز للوطن، فلا يجرؤ أحد على معارضته ولا حتى مناقشته في قراراته، النتيجة الحتمية لذلك أن ينعزل القائد عن قراءة الواقع بعد أن يجتمع حوله من يُسمعونه ما يحب ـ خوفاً أو طمعاً ـ حتى تأتي لحظة يتخذ فيها الزعيم قراراً يؤدي الى كارثة، وهذا ما حدث في الواقعة الثانية، ففي ظل الاستبداد تعرض الجيش المصري لهزيمة منكرة لا ذنب له فيها، والطيارون الشجعان يشعرون بالخزي والقهر لأنهم لم يتمكنوا من أداء واجبهم دفاعاً عن بلادهم نتيجة لفشل القيادة العسكرية واستهتارها وسوء تقديرها.
ما أحوجنا اليوم الى استيعاب هذا الدرس. لقد نزل ملايين المصريين الى الشوارع في «30 يونيو» للتخلص من حكم «الإخوان»، وانحاز الجيش للشعب فحمى إرادته وجنّب مصر خطر الحرب الأهلية وبزغ اسم المشير السيسي، فأحبه المصريون واعتبروه بطلا شجاعاً. لكن ذلك الحب يتحول الآن الى هالة أسطورية يتم صنعها حول المشير السيسي، كثيرا ما تستعمل أثناءها ذات العبارات التي استعملت مع الزعيم عبد الناصر. الاعلام يصف السيسي بأنه الزعيم الضرورة والمنقذ الوحيد والمخلص الذي تنعِم به السماء علينا كل مئة عام، بل إن كاتباً معروفاً صرح منذ أيام في التلفزيون، ان المصريين يحبون اسم السيسي منذ ستة آلاف عام لأن النهر المقدس عند الفراعنة كان اسمه "سيسي رع". يتم رفع السيسي الآن فوق مستوى البشر فلا يجوز لأحد ان ينقده أو حتى ينافسه في الانتخابات، وهو الذي يعلم ما لا نعلمه ويتخذ قرارات دائماً في مصلحتنا، حتى ولو لم ندرك الحكمة منها، والزعيم متردد منذ شهور في الترشح للرئاسة وعلينا نحن المواطنين أن ننظم مسيرات يومية حتى نضغط عليه فيتنازل ويقبل أن يكون رئيساً لمصر.
المشير السيسي يقود الشعب في معركة حقيقية ضد الإرهاب كما كان عبد الناصر يقود الشعب في معركة حقيقية ضد الاستعمار، وللأسف فإن المعركة استعملت في الحالتين لتبرير القمع، فيتم اعتقال الأبرياء وتعذيبهم وتلفيق التهم لهم وإهدار كرامتهم، ولا يجوز في نظر النظام الاعتراض على هذه الجرائم، لأنه لا صوت يعلو على صوت المعركة.
في يوم «12 فبراير» الماضي اجتمعت 16منظمة حقوقية لتصدر بياناً مشتركاً لإدانة حالات القمع والتعذيب الموثقة التي يتم فيها انتهاك آدمية المصريين وسط تجاهل السلطة الحالية التي يرأسها قاض جليل، نتوقع منه أن يكون الأحرص على حقوق الناس. وهنا تفتح مدفعية الاعلام الموجه نيرانها على الحقوقيين، لأنهم أدانوا التعذيب، فتتهمهم بالعمالة والخيانة. يوما بعد يوم نكتشف أن الدستور، الذي انهمك المصريون طويلا في مناقشته بنداً بنداً ووافقوا عليه بأغلبية كبيرة، لا قيمة له حتى الآن، لأنه لم يتم تطبيقه، بل إن معظم ما تفعله السلطة مخالف للدستور.
الدستور حدد الانتخابات البرلمانية قبل الرئاسية، لكن السلطة فعلت العكس والدستور يحمي الحياة الخاصة للمواطنين ويحرم التنصت عليهم بغير إذن قضائي، بينما القنوات الخاصة تذيع كل ليلة أدق التفاصيل الشخصية للناس عن طريق تسجيلات لا نعرف مدى صحتها ويجرمها القانون، لكن الغرض تشويه الثوريين واتهامهم بالعمالة والخيانة. الدستور يمنع التعذيب بينما يتعرض له المسجونون كل يوم بواسطة ضباط أمنين. الدستور يبيح التظاهر بينما شباب الثورة يقضون أعواماً في السجن لأنهم تجرأوا على التظاهر بعكس ارادة السلطة، والدستور يبيح الاضراب بينما عمال السكة الحديد مسجونون بتهمة الاضراب. كان يفترض أن يكون الإعلام بعد الثورة محترماً وصادقاً، لكن الاعلام في مصر في معظمه موجه لمصلحة النظام، إما عن طريق التلفزيون الرسمي الذي لا يعرف الا التضليل وصناعة الأكاذيب، وإما في القنوات الخاصة المملوكة لرجال أعمال، كثيرون منهم صنعوا ثرواتهم بفضل قربهم من مبارك وأسرته، وهم يدفعون في اتجاه عودة نظام مبارك حتى يضمنوا أن أحداً لن يحاسبهم على الاراضي التي استولوا عليها والأموال التي نهبوها. الدستور يدعو الى عدالة انتقالية تحقق القصاص للضحايا بينما وزارة العدالة الانتقالية لا تفعل شيئاً، ومع احترامنا لقضائنا الشامخ، فإن أحداً لم تتم إدانته بعد قتل آلاف المتظاهرين. الدولة تخوض معركة ضد الارهاب وواجبنا أن ندعمها وشهداء الجيش والشرطة أبطال عظام يستشهدون دفاعاً عن الشعب، لكن الحرب ضد الارهاب لا تبرر عودة الدولة البوليسية لأننا لن ننتصر على الارهاب الا بدولة القانون. يعلمنا التاريخ ان حقوق الانسان وكرامته أهم من أية معركة وأنه يستحيل على سلطة تقمع مواطنيها أن تنتصر مهما كانت معاركها مشروعة ووطنية. مصر تتجه الآن بطريقة مقلقة الى نظام بوليسي هو أبعد ما يكون عن أهداف الثورة.
اذا أراد المشير السيسي إصلاح المسار فإن ذلك يكون في رأيي باتباع الخطوات التالية:
أولاً: أن يتقاعد المشير السيسي ويترشح للرئاسة كمواطن عادي لا علاقة له بالقوات المسلحة ولا يتلقى أي دعم من أجهزة الدولة ثم يخوض انتخابات تتوفر فيها شروط النزاهة مثل تكافؤ الفرص بين المرشحين وشفافية التمويل.
ثانياً: إيقاف العمل بقانون التظاهر، لأنه غير دستوري، والتوقف عن تلفيق التهم للناس، والامتناع عن تعذيب المواطنين وإحالة الضباط المتورطين في التعذيب الى محاكمات عاجلة.
ثالثاً: تفعيل وزارة العدالة الانتقالية وتكوين لجان مستقلة للتحقيق في مقتل آلاف المصريين منذ بداية الثورة وحتى الآن.
رابعاً: تفعيل ميثاق الشرف الإعلامي والامتناع عن تلويث سمعة المواطنين واتهامهم بالخيانة.
خامساً: فتح حوار حقيقي مع الشباب الذين فقد معظمهم ثقته في السلطة الحالية.
هذه الخطوات في رأيي من شأنها إصلاح المسار وإلا فإننا ماضون نحو استبداد جديد، وكل استبداد في التاريخ نهايته المحتومة كارثة نتمنى لمصر أن تتجنبها. الديموقراطية هي الحل.
عن "المصري اليوم"

اخر الأخبار