فلسطين : خيبات أمل متواصلة

تابعنا على:   08:38 2017-02-18

د. جمال خالد الفاضي

الولايات المتحدة تلك الدولة التي طالما رأت في نفسها هبة من الله للأرض، لتقود البشرية نحو السلام وقيم العدل والحرية والديمقراطية، تعيش حالة من التحولات الدراماتيكية في هذه المنظومة القيمية والفكرية، وهو ما سينعكس حتماً على بنية نظامها السياسي ودستورها الحاكم لهذه القيم ، وبالتأكيد على شكل ونمط علاقاتها مع الدول الاخرى، ويبدو أن فلسطين هي أول الحاضرين أمام هذا المشهد المتغير للولايات المتحدة، وأمام هذه القيم المزدوجة، لما يسمى بالحقوق والحريات وحق تقرير المصير.

فبالأمس القريب، وخلال مؤتمر صحفي كانت ملامحه متوقعة مسبقاً مع "نتنياهو"، يؤكد الرئيس "ترامب" موقفه من عملية السلام، بل ويعلن تنكره ورفضه لكل ما سبق من محاولات خجولة للإدارات الامريكية السابقة عمرها ما يزيد على 25 عاماً منذ إدارة "بوش الأب" مروراً بــ"كلينتون" و "بوش الإبن" و"أوباما" لدعم عملية سلام كانت غالباً تحمل وتتبنى وجهة النظر الإسرائيلية، فالرئيس ترمب يعلن بوضوح أن موضوع "حل الدولتين" والذي تبنته الولايات المتحدة وكل الدول الداعمة لحل عادل للقضية الفلسطينية لم يعد مناسب، هو تبني واضح ومع سبق الإصرار لمواقف نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، ويؤكد ما ندركه دائماً بأن العلاقات الاستراتيجية ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل هي أحد أهم ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية التي لا تتغير بتغير الرؤوساء أو الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والادعاء بأن وجود دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة لن يجلب السلام، هو ادعاء يميني إسرائيلي متطرف، وهو تتنكر لكل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وهو تبني لمشروع اقتصادي فقط تم تشكيل لجنة خاصة أمريكية وإسرائيلية له وفقاً لرؤية "نتنياهو" وخطته ومشروعه الكامل الذي حمله منذ سنوات طويلة، ولعل كتابه الذي صدر عام 1998 وحمل عنوان "مكان بين الأمم" يشير إلى ذلك.

"ترمب" و"نتنياهو" اعادا الصراع مع الفلسطينيين إلى المربع الأول، إلى الرواية، وإلى أصل الحكاية، إلى تاريخ هذه الأرض وكينونتها ، وإلى من هو الأحق بها، سنوات طويلة لعملية التسوية وكأنها لم تكن، ذهبت ادراج قناعات يمين إسرائيل متطرف، يسعى لتهويد كل الاراضي الفلسطينية، في ظل التزام أمريكي متجدد بدعم اسرائيل، ودعم استيطانه بما يخالف القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ولعل اشارة "ترمب" من تعرض إسرائيل للظلم من قبل الأمم المتحدة، ورفضها لتعيين "سلام فياض" ممثلاً خاصاً للأمين العام في ليبيا لدليل واضح على مدى تبني الولايات المتحدة لرواية نتنياهو وفريقه الحاكم في التعاطي مع الصراع.

 

حقاً، فلسطين تعيش خيبات أمل كثيرة من أبنائها الذين لم تثنيهم المتغيرات الكثيرة الذي يعيشها الصراع مع إسرائيل من أجل الذهاب إلى توافق وحدوي يمكن أن نسميه "توافق الضرورة" للوقف بقوة أمام حجم الطوفان الذي يحاول نتنياهو اغراقنا فيه، ولنكون قادرين على مواجهة جملة من التحديات الكثيرة، وبلورة رؤية استراتيجية وطنية جامعة تحافظ على استدامة الصراع وفقاً للرؤية الفلسطينية بعيداً عن شروط إسرائيل.

فلسطين تعيش خيبة امل من ظروف عربية تعيشها الأمة، جعلت فلسطين ليست ذات اولوية في أجندة العمل العربية، و من قيام بعض الدول العربية والإقليمية بالتعاطي مع غزة ككيان قائم بذاته، والخوف من ضغوط امريكية لقبول هذه الدول بحلول إقليمية للقضية الفلسطينية تحدث عنها ترمب. فلسطين تعيش خيبة أمل من مجتمع دولي لم تنجح بفرض حلول عادلة، لا يجيد إلا الصمت تجاه ظلم وقهر يتعرض له الشعب الفلسطيني، ولم يعمل بشكل جيد من أجل استخدام مقدراته ونفوذه للضغط على دولة الاحتلال للموافقة على الالتزام بالمقررات الدولية المتعلقة بفلسطين وحقها التاريخي.

فلسطين هذا هو قدرها، ستبقى، بأرضها وجبالها، بشعبها وشيوخها ورجالها ونسائها وبشبابها، بتاريخها وقيمها الإنسانية، بحدودها ومكانتها، بنضالاتها وبتضحياتها، بجنودها ومقاتليها، بمفكريها وعلمائها، بزيتونها وعنبها ولوزها ونخيلها، حاضرة، ولن يستطيع "نتنياهو" و"ترمب" نزعها من الذاكرة الوطنية، ومن الفعل والعمل الذي سيستمر مادامت أرض فلسطين محتلة. والمطلوب كما يقول دكتور "ابراش" إدارة حكيمة للصراع مع إسرائيل، لأن الوقت الراهن ليس وقت حلول عادلة، وعلى القيادة ألا تغامر بالدخول في أي حل نهائي للصراع الآن، والمطلوب توظيف كل مقومات شعبنا ضمن رؤية استراتيجية جامعة تعزز صمودنا في مرحلة لابد انها خطيرة، وإذا كانت إسرائيل وأمريكا لا تريد حل الدولتين، فليكن موقفنا نحن واضحاً، فلسطين لنا أيضاً من البحر إلى النهر.

اخر الأخبار