ضيف على الزنزانة (الصحفي رامي معالي)

تابعنا على:   15:25 2017-02-09

كأمٍ مفجوعة على فراق إبنها كانت تبحث عنه، أين ذهب ؟

وعدته أن نتشارك المواجهة معاً، وعدته أن نموت معاً.

أخيراً وجدَته.. هناك بجانب إطار مشتعل، لوّحت له بالراية التي كانت تحملها، تعال ... تعال إلي ، إمسكني كحجر وألقني عليهم ، فقط تعال.

وفي هذا اليوم الحارّ كحرّ مواجهاته، امسكوا به بعد أن أطال نظره عليها ليطمئن.. كان صراخها يعلو أكثر كلما تقدموا به نحو الجيب العسكري، القى كوفيته لها وقال: "احتفظي بي .. سأعود".

سيأت لي يوماً، أنا لا أبالي ، قالت لمن يسأل ..

عيناها فضحتها، ملّتها سجادة الصلاة وهي تدعو ربها من أجله، كانت مخدتها تبكي معها أيضاً، كثيراً ما كانت تولين تخاطبها: سأقنعه حين يخرج من سجنه أن يصاحبك

"رفاقه باعوا القضية"!

ترى.. أيقرصه البرد ؟، أيداعب شفتيه كما كنت أداعبها؟

أيرتعش برداً كما كنت أرتعش كلما لامسني ؟

ماذا عن القهوة ؟ قال لي يوماً أنها تشبهني في الإدمان

أما زلت تدمنني رغم أسرك ؟!

إستطاعت تولين ان تتسلل لكتاب مذكراته المدفون أسفل زيتونتهم المفضلة، كانت الزيتونة عابسة على بعده، مشتاقة لرؤية تلك القبلات المسروقة في ظلها، فتحت تولين الكتاب لتجد ما يزيد من لوعتها ونارها..

كتب في صفحته الأولى :

كثيراً ما كانت تخاطبني تولين، متى سنتزوج؟ أمجنونة هي؟

لا أريدها يوماً أرملة !

أخذت كتابه معها رفيقاً لمخدتها ، علّه يؤنس عليها ألم البعد واللّوعة .

وأخير وصلتها رسالته الأولى من سجنه،

أمسكت بها كأمً تمسك رضيعها خشية السقوط، وحضنتها والدموع كفصل شتاء تبللها.

كتب لها على رأس الصفحة :

 أتعبتني بالأمس ، قبّلتني حتى الثمالة ، حتى الصراخ ، وحتى الحرية، فشل سجّاني في قتل حنينك ، فتسلّلت من بين القضبان إلى حلمي رغماً عنه.. أكتب لكِ وأنا موقن أن الصباح لم يأت بعد، ما زلت في سواد ليلي ، ذلك السواد الذي لطالما كنت تحبّينه . طال ليلي هذا المساء.. لم لا يمرّ ؟

إشتقت لصوت ديك جارتي أم عامر..

لصراخ دجاجها الرافض سجنه حين تهشّ عليه ليدخل كوخه ،

لصوت مؤذن الفجر وأبي يوقظني لمرافقته ..

لبائع الخضار فوق بيتي ، ونساء الحيّ مع أمّي يفاوضنه ،

إشتقت لكل ما في الصباح ... متى سيأتي الصباح ؟

إن جاءني يا سيدتي..

سأغزل لكِ من  خيوط الشمس شالاً،

فقط اريد رؤية الشمس.. لاأكثر!

 

رامي معالي من رواية "حب بين زخات الرصاص"

اخر الأخبار