نقاط الاتفاق والاختلاف فى مباحثات السيسى وترامب

تابعنا على:   10:51 2017-02-04

مكرم محمد أحمد

كما ان هناك مصلحة مصرية مباشرة فى علاقات جيدة متوازنة مع الادارة الامريكية الجديدة تصون المصالح المشتركة للبلدين، وتعزز فرص سلام وأمن الشرق الاوسط ،وتضمن امداد مصر بأسلحة متقدمة تساعدها على تحقيق امنها الوطنى وامن عالمها العربي، وتجنبها مخاطر الاستقطاب فى عالم منقسم على نفسه لم تستقر بعد علاقاته الدولية،وتضمن فرص حشد المجتمع الدولى بقوة فى الحرب على الإرهاب واجتثاث جذوره خاصة ان الادارة الامريكية الجديدة تضع هذا الهدف على رأس أولوياتها، وتوسع من نطاق تعامل مصر الاقتصادى مع أكبر اقتصاديات العالم واكثرها استهلاكا، إضافة إلى فوائد آخرى عديدة، أقلها تجنيب مصر مخاطر سوء الفهم المتبادل وتعارض المصالح وتناقضها مع أخطر قوة كونية،يحسن ان تربطها بمصر علاقات طبيعية تقوم على الاحترام المتبادل وتكافؤ المصالح المشتركة وتعزيز فرص التعاون وعدم التدخل فى الشأن الداخلي، والعمل المشترك لصالح امن العالم واستقراره.
كما أن هناك مصلحة مصرية فى تحقيق هذه الاهداف المشروعة، هناك مصلحة امريكية فى علاقات قوية مع مصر باعتبارها قوة اقليمية عربية ودولية لها تأثيرها المهم فى نطاق عالمها العربي،و تستند فى علاقاتها الافريقية إلى تراث حضارى عمره سبعة الاف عام وتاريخ مشترك اسهم فى انتشار ونجاح حركات التحرر الوطنى وخلق واقعا متجددا لاخوة مصرية افريقية تضاهى أخوة مصر العربية، فضلا عن أن مصر تمثل قلب الشرق الاوسط ودرته اللامعة على ضفاف النيل التى فتحت أبواب المنطقة على مصاريعها لسلام شامل،عندما وقعت أول معاهدة للسلام مع إسرائيل، لاتزال صامدة وسط انواء عاصفة ياتى أخطرها من اليمين الاسرائيلى الذى يقوده صقور متشددون لايزالون يطمعون فى الاستيلاء على اراضى الاخرين وفرض هيمنتهم على كامل الشرق الاوسط واهدار ابسط حقوق الشعب الفلسطينى فى دولة مستقلة تقوم إلى جوار دولة إسرائيل، يتعايشان فى امن وسلام بما ينهى كل اوجه الصراع العربى الاسرائيلى ويفتح الطريق امام علاقات طبيعية تربط كل دول الشرق الاوسط خاصة ان مصر عضو نشيط فى المجتمع الدولى وطرف مؤسس فى معظم مؤسساته ومنظماته ومثال يحتذى فى احترام قواعد القانون الدولى وتعزيز علاقات التعاون بين دول الجنوب و بين دول الجنوب والشمال،دعما لتوزان المصالح بين الطرفين وصونا للامن والسلم الدوليين.
وبالطبع يدرك المصريون ويدرك الامريكيون ان هناك فرصة لعلاقات مزدهرة بين البلدين مع مجيء إدارة امريكية جديدة تبدى إحترامها لدور مصر الشجاع فى الحرب على الارهاب وتعرف جيدا حجم التحديات الخطيرة التى تجابه مصر فى هذه المعركة الضروس خاصة بعد اللقاء الذى تم بين الرئيسين ترامب والسيسى فى الولايات المتحدة، وعَبر الرئيسان فى نهايته عن مشاعر دافئة تغمرها الثقة المتبادلة وابديا ثقتهما المشتركة فى تعزيز هذه العلاقات وتوثيقها..، ومن المؤكد ان الطرفين يدركان ايضا ان هناك دروسا مستفادة عديدة تسفر عنها علاقات البلدين على امتداد اكثر من 45عاما، تغاير عليها ستة رؤساء امريكيين سابعهم ترامب، شهدت خلالها العلاقات بين البلدين نجاحات ضخمة كما شهدت أزمات كبيرة لعل أخطرها ما حدث فى فترة حكم اوباما بسبب تواطؤ إدارته مع جماعة الاخوان المسلمين، حيث وصلت أزمة الثقة إلى حد منع امدادات السلح وقطع الغيار عن مصر بدعوى ان نهاية حكم محمد مرسى تمت بانقلاب عسكري، متجاهلة خروج اكثر من 30مليون مصرى إلى شوارع المدن الرئيسية يطالبون بإنهاء حكم المرشد والجماعة، وثمة ما يشير إلى ان العلاقات الامريكية المصرية تجاوزت هذه الازمة بعد مجيء ترامب الذى يعتقد ان غبنا شديدا وقع على مصر من جانب إدارة اوباما ويعتبر جماعة الاخوان المسلمين ضالعة بصورة مباشرة فى أعمال العنف بما يدخلها ضمن قائمة جماعات الارهاب
لكن ثمة محاذير ومخاوف بعضها طبيعى ومشروع لان أجندة الرئيس الامريكى تحكمها رؤيته لدور الولايات المتحدة على اتساع العالم اجمع ونظرته الخاصة إلى مشكلات بعينها سواء مشكلة الهجرة إلى الولايات المتحدة، وطبيعة علاقاته بإسرائيل، وفهمه لحقيقة الاسلام، كما تحكم أجندة الرئيس السيسى اعتبارات أخرى تتعلق بالدور الاقليمى لمصر وعلاقاتها العربية ووضعها كدولة مسلمة تحكمها مرجعية الازهر الشريف عنوان الاعتدال فى فكر الاسلام وفقهه، التى يمكن ان تتغاير او تختلف او تتقاطع مع أجندة الرئيس ترامب فى نقاط بعينها رغم توافقهما على اولوية الحرب على الارهاب وضرورة احترام استقلال الدول وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، ورفض تغيير انظمة الحكم بوسائل القوة والاكراه وبينها تدبيرالمكائد والقلاقل، كما يتوافقان على اهمية اصلاح اخطاء العولمة التى كادت تصبح نظاما شموليا يفرض نفسه على العالم واحقية الاقتصاديات الوطنية فى ان تحمى مصالحها دون الافتئات على حرية التجارة.
ولهذه الاسباب يصبح من الضرورى ان يدرك الطرفان مصر والولايات المتحدة اهمية الاعداد الجيد للقاء السيسى وترامب فى اجتماعهما الاول فى المكتب البيضاوى فى البيت الابيض فى فبراير الحالى بعد ان اصبح ترامب رئيسا للولايات المتحدة..، وبالقطع ثمة مجموعات من الخبراء المصريين داخل مؤسسة الحكم وخارجها يبحثون بصورة مدققة حجم الفرصة المتاحة فى زيارة السيسى المتوقعة إلى واشنطن كما يبحثون محاذيرها المحتملة فى ضوء التحديات التى تواجه الطرفين، وبالقطع ثمة مجموعات من الخبراء الامريكيين يبحثون الموضوع ذاته، أخذا فى الاعتبار ان الجميع يحدوه الرغبة فى انجاح هذه الزيارة مهما تكن المصاعب.
وأظن أن الأيام العشرة الأولى لحكم ترامب كانت كاشفة بالقدر الذى يسمح بمزيد من الرؤية المدققة لحجم المساندة اوالمعارضة لسياسات الرئيس الجديد الذى اثر فى اول ايام حكمه وبصورة جد مباشرة ان يضع فى دائرة الضوء النقطتين الاخطر فى برنامجه الانتخابي، الهجرة إلى الولايات المتحدة التى أصدر بشأنها قراره التنفيذى بمنع دخول مواطنى سبع دول اسلامية إلى امريكا، إضافة إلى امره التنفيذى الاخر بالبدء فى اقامة سور ضخم حول حدود المكسيك تصل كلفته إلى حدود 20ملياردولار، أما النقطة الثانية فتتعلق بمشروع نقل السفارة الامريكية من تل أبيب إلى القدس، بما كشف حجم المعارضة الواسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها لمجمل افكار الرئيس الجديد الذى اوضح للجميع بما لا يدع مجالا لأى شك، أن الرئيس الجديد للولايات المتحدة لن يختلف عن ترامب المرشح الجمهورى فى حملته الانتخابية بعناوينها الزاعقة، كما يؤكد كل يوم وعلى نحو قاطع حرصه الشديد على تأكيد مصداقيته وسط جمهوره الانتخابى الذى يتشكل أساسا من الامريكيين البيض أصحاب الياقات الزرقاء العاملين فى المدن الصناعية الذين يحسون تهميش مصالحهم بسبب أفواج الهجرة التى تتدفق على الولايات المتحدة، بصرف النظر عن انعكاسات هذه الآراء على فئات واسعة أخرى من المجتمع الامريكى فى مقدمتهم النساء اللائى خرجن فى مظاهرة مليونية تعارض حكم ترامب ثانى أيام تتويجه، إضافة إلى نخب الحكم والمثقفين والاحزاب ورجال الاعمال وحملة الشهادات العليا من المتخصصين.
ترى ما الذى يمكن ان تسفر عنه خارطة طريق مصرية لزيارة الرئيس السيسى المتوقعة إلى واشنطن، تستهدف تأكيد نقاط الاتفاق المحتملة مع التحديد الواضح والامين لمخاطر يصعب تجاهلها، أخذا فى الاعتبار أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد اجتهادات ورؤى شخصية يمكن ان تصيب فى نقاط بعينها ويمكن ان تخيب فى نقاط أخرى لكن هدفها الاول والاخير ان يكون القارئ أكثر إلماما بابعاد القضية!،لعل خارطة الطريق المقترحة تستطيع ان تكشف عن عناصر الاتفاق التى تخلص في:
أولا، نعم لتحالف وثيق مع إدارة ترامب حربا على الارهاب واجتثاث لجذوره، يستنهض همة المجتمع الدولى بعد ان بات مؤكدا ان دولة واحدة مهما كبر حجمها لن تستطيع هزيمة الارهاب..،ولا خوف او غضاضة فى ان تشارك قوات برية مصرية فى هذا التحالف أخذا فى الاعتبار حاجة هذه القوات إلى دعم مادى ومعنوى قوي، شريطة ان يكون مسرح عملياتها (فقط ليبيا) حفاظا على امنها وامن مصر وامن دول الجوار الجغرافى فى اطار توافق دولى يحترم استقلال ليبيا، ويوقف اى تدخلات خارجية فى الشأن الليبي، ويخضع هذه الحرب لمعايير القانون الدولى ورقابة مجلس الأمن.
ثانيا، نعم لوجود محددات للهجرة إلى الولايات المتحدة حماية لمصالح العمال الوطنيين ودرءا لمخاطر الارهاب، شريطة إسقاط كل صور التمييز الدينى التى تمنع الهجرة من بلاد بعينها لمجرد انها مسلمة، والالتزام بأحكام المحكمة الفدرالية التى اعتبرت منع الهجرة من سبع دول مسلمة يخالف الدستورالامريكى الذى يجرم كل صور التمييز،مع تكثيف الجهود الدولية للمعاونة فى مشروعات التنمية فى دول الجنوب لتوفير المزيد من فرص العمل التى تحد من زيادة الطلب على الهجرة.
ثالثا، نعم لمعالجة سياسية شفافة لتدخل إيران فى الشأن العربى حرصا على علاقات طيبة بين السنة والشيعة بدلا من التوتر الراهن الذى ينذر بأوخم العواقب وفى جميع الاحوال يصبح الحوار مع طهران ضرورة استراتيجية يتحتم استكشاف فرص نجاحها فى اطار التزام الجميع بمنع التدخل فى الشأن الداخلى لاى دولة.
رابعا، نعم ونعم لأى تقارب روسى أمريكى يجعل العالم أكثر أمنا واستقرارا ويساعد على إنهاء الحرب الأهلية السورية ويلزم الدول الكبرى بخفض ترسانة أسلحتها النووية ويجعل منطقة الشرق الاوسط خالية من كل أسلحة الدمار الشامل، ويزيد من فرص التعاون الروسى الامريكى فى الحرب على جماعات الارهاب ويقنن للمجتمع الدولى قواعد واضحة تلزم الجميع عدم إعطاء الارهاب ملاذا آمنا وضرورة تعاون كافة الدول لتجفيف منابعه المالية ووقف أى مساعدات مادية أو معنوية لأى من منظماته.
تلك هى نقاط الاتفاق التى يمكن ان تشكل قاعدة قوية لعلاقات تعاون وثيق بين مصر والولايات المتحدة فى عهد الادارة الامريكية الجديدة، تخدم مصالح الدولتين وتخدم الامن والسلم الدوليين وتغلق الطريق على فرص نجاح جماعات الارهاب او نموها مهما تغايرت أسماؤها وعناوينها، سواء فى ذلك داعش والقاعدة وجبهة النصرة وجماعة الاخوان المسلمين وكل من يحملون السلاح خروجا على الشرعيتين القانونية والدولية بهدف إلزام الآخرين عنوة الرضوخ لمطالبهم. وربما يخلص احتراز مصر على سياسات الرئيس الامريكي، من وجهة نظر مراقب خارجي، فى قضيتين أساسيتين يستطيع الحوار الواضح الشفاف ان يجلى غموضهما بما يساعد على المزيد من الفهم والتفهم المتبادل بحثا عن حلول تقبلها كل الاطراف.
أولى القضيتين، الخلط يبن الإسلام كدين يعتنقه 2مليار مسلم يدعو إلى السلم والسلام ويحض على تعاون الأمم والشعوب ويرفض كل صور البغى والعدوان ويضع للحرب قواعد محددة تمنعها على نحو بات إلا ان يكون دفاعا عن العرض والمال ودرءا لجرائم المفسدين فى الارض،مع ضرورة التمييز بين النص الدينى وافكار بعض جماعات المسلمين التى أساءت فهم معانى الجهاد وتعمدت تحريف النص الدينى لصالح أفكار جامدة ترفض الاصلاح والتجديد، لأن الخلط بين الحرب على الارهاب والحرب على الاسلام يحقق مصالح الجماعات المتطرفة، وينشر المزيد من الكراهية والعنف والتمييز السلبي، ويضعف فرص الحشد القوى ضد جرائم الإرهاب، ويسيء إلى الجاليات المسلمة فى المهجر ويزيد من عزلتها ومخاوفها بدلا من العمل على دمجها.
وثانيتهما، قضية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بدلا من تل أبيب والسكوت على مخاطر انتشار الاستيطان على فرص سلام الشرق الاوسط الذى يتهدده احتلال 600 ألف إسرائيلى لـ 60 بالمائة من أرض الضفة واستباحتهم لمدينة القدس الشرقية على النحو الذى فصلها تماما عن الضفة بكتل استيطانية ضخمة، بما يقطع الطريق على حل الدولتين ويضرب مصداقية الولايات المتحدة كوسيط فى عملية السلام ويعيد الشرق الاوسط إلى المربع رقم واحد، وجميعها محاذير واضحة لا تستطيع مصر الصمت على خطورتها، وأظن أن ما يصدق على نقاط الاتفاق يصدق على نقاط الاختلاف لأنها جميعا مجرد اجتهادات ورؤى تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ.

عن الاهرام

اخر الأخبار