سلاما لروح الحكيم

تابعنا على:   01:27 2017-01-29

عمر حلمي الغول

قبل أعوام تسعة توقف قلب الرفيق جورج حبش، الأمين العام المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. رحل حكيم الثورة، ولم ترحل ذكراه. بقيت وستبقى ما بقي التاريخ الوطني الفلسطيني. لإنه ليس رجلا عاديا. بل كان إستثنائي الحضور في المشهد الفلسطيني والعربي والدولي فهو مؤسس حركة القوميين العرب مع ثلة من رفاق الدرب: وديع حداد، أحمد الخطيب، هاني الهندي، باسل الكبيسي وغيرهم. انبثقت عنها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تأسست بعد هزيمة حزيران 1967. وكان واحدا من المع القيادات حضورا بعد ياسر عرفات في الساحة الفلسطينية عربيا ودوليا، وخاصة في اوساط الدول الإشتراكية والأحزاب اليسارية عموما.

منذ أدرك مكانه تحت الشمس في فلسطين، حيث ولد في مدينة اللد عام 1926، ومع تعاظم الأحداث التراجيدية في وطنه الأم، وحدوث النكبة 1948، حمل الحكيم واثناء دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت هموم شعبه وأمته، فبادر لتأسيس جمعية العودة والعروة الوثقى عام 1949، والتي بلور منها "كتائب الفداء العربي"، وقامت بمجموعة من العمليات ضد المؤسسات الصهيونية. وبعد إنكشافها، توجه لتشكيل حركة القوميين العرب، التي تميزت بالإنتشار في صفوف العرب، وكانت ندا قويا لحزب البعث العربي الإشتراكي، لا بل هي المنافس الأبرز له. ومع مرحلة تبلور الناصرية، وسطوع مكانة الرئيس الخالد جمال عبد الناصر، تم التكامل بين الحركة والناصرية. لا سيما وان الرجلين عبد الناصر وحبش، أمسيا صديقان، لم تهتز العلاقة بينهما إلآ بعد موافقة مصر على مشروع روجرز (وزير خارجية أميركا آنذاك) عام 1970. وبعد حدوث التحول الفكري في الجبهة الشعبية والانتقال من الفكر القومي إلى الفكر الماركيسي اللينيني.

تميز الحكيم بالتواضع الجم، وأتيح لي التعرف عليه مباشرة في مايو / أيار 1970 في مكتب الأرض المحتلة بالجوفة في العاصمة الأردنية / عمان، ثم تعمقت العلاقة في بيروت بعد العام  1973، حيث قدر لي أن اقيم في شقة في شارع جلول كان حبش يأوي إليها، وشهدت تلك الشقة بداية حواراتي السياسية الفكرية مع القائد. ومن ملاحظاتي الأولى الإيجابية، انه يصغي بإنتباه للرأي الآخر، وعندما يشعر بأهمية الفكرة، يوليها الإهتمام إما بالرد عليها او يدعمها بابعاد أخرى. وبعد إحتجازه في باريس 1992، رغم موافقة الحكومة الفرنسية على علاجه في احدى مستشفياتها، وتمكنه من الخروج سالما، رغم ضغوط اليمين الفرنسي ومجموعات الضغط اليهودية الصهيونية في فرنسا، فضلا عن الحكومة الإسرائيلية، تقرر إعداد كتاب عن الحدث الهام ومعالجى تداعياته، تقدم له ثلاثة من المثقفين  كنت واحدا منهم، فإختارني الحكيم لتولي المهمة، وصدر الكتاب عام 1993 عن دار الأهالي السورية.

كثيرون من القيادات والكوادر الفلسطينية والعربية سمعوا عن الحكيم، أو إلتقوا به، ولكنهم لم يتعرفوا على شخصه. وعندما يقيموا الرجل، تخونهم الفطنة والقدرة على التقاط أبرز سماته، التي حسب ما أعتقد تتمثل في الآتي: اولا يملك كاريزما متميزة؛ ثانيا قوي الشخصية مع انه خجول، ويكره التطفل؛ ثالثا متواضع جدا ودون إفتعال؛ رابعا لا يحب الثرثرة كثيرا، بتعبير آخر يكره الكلاموجيا، لكنه عندما يبدأ الحديث يعبر عن نفسه بشكل رائع؛ خامسا خطيب مفوه، ولا يضاهيه في الساحة الفلسطينية من مجايليه أحد، على اهمية القادة الفلسطينيين جميعا؛ سادسا يحترم نفسه، ومسكون بالوحدة الوطنية، وكان حريصا إلى ابعد حد عليها، ولم يسمح يوما لإي عنصر في الشعبية بالإساءة لوحدة الدم الفلسطيني، وعندما هاجم ابو هاجم في مخيمات شمال لبنان مكاتب الجبهة الشعبية، وسقط فيها شهداء وجرحى، أعطى حبش امراً صريحا وواضحا، بعدم الرد، واتصل هو والشهيد ابو ماهر مع الرئيس الراحل ابو عمار لوقف ما حصل؛ سابعا في المحطات الصعبة والحرجة، التي كادت تمزق وحدة الساحة، أو كان يستشعر فيها الخطر من اهل النظام العربي على القرار الزطني، كان يقود دفة عودة الوحدة الوطنية، رغم التناقض مع خيارات الرئيس الشهيد ابو عمار. إلآ ان جورج حبش لم يتجاوز حدوده، وكان المعارض الأهم والأقوى بشرف ورجولة لسياسات الرئيس عرفات. وحتى يوم الدنيا هذا يردد الفتحاويون مقولة الحكيم الرائعة، " نختلف معه ولا نختلف عليه "، التي  اطلقها عندما دعاه أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، جورج حاوي، رحمة الله عليه،  ليلقي كلمة الثورة الفلسطينية في جامعة بيروت العربية وكان ابو عمار موجودا في تلك المناسبة، فقال حكيم الثورة مقولته آنفة الذكر؛ ثامنا تميز الحكيم بالشجاعة والرجولة في كل اللحظات التاريخية، وشهدت له المحطات التاريخية تلك السمة وبجدارة.

في ذكرى رحيله التاسعة لا يملك المرء إلآ ان يترحم على روحه وروح كل الشهداء القادة والكوادر من كل فصائل العمل الوطني دون إستثناء. ورغم اية ملاحظات او ثغرات واكبت تجربة جورج حبش الفكرية او السياسية او التنظيمية واو العسكرية، غير انه ترك ميراثا وطنيا وقوميا وفكريا وتنظيميا عظيما، يا حبذا لو ان رفاقه، الذين مازالوا يحملون مشعل الكفاح في الشعبية، ان يستلهموا ذلك الميراث المميز. ويا حبذا لو ان بعض الأمناء العامين لفصائل اليسار ايضا ان تتعلم منه التواضع، وتترك للإجيال والقادة والكوادر دور قيادة العمل في فصائلها. لاسيما وان الحكيم ترك طواعية منصب الأمين العام للجبهة الشعبية عام ال2000، مسجلا موقفا شجاعا ورائدا في الساحة الفلسطينية والعربية تعكس التواضع والحرص على منح الأجيال الجديدة  قيادة دفة النضال الوطني .

رحل حكيم الثورة ولم ترحل ذكراه. الباقية ما بقي السجل الذهبي الفلسطيني مفتوحا لتدوين الصفحات العظيمة للرواد حملة مشاعل الثورة والتحرير  وبناء الدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على اساس القرار الدولي 194. وسلاما لروح الحكيم يوم ولد، ويوم وافاه الأجل، ويوم يبعث حيا.  

اخر الأخبار