عالم ترامب...

تابعنا على:   11:44 2017-01-28

أسامة مصالحة

إذا ما استطاع الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، تحويل «شعاراته»الانتخابية، المتصلة بالسياسة الخارجية، الى «حقائق» ملموسة، فهذا يعني أن العالم سوف يشهد تحولاً لا يطاول بنية القوة الأميركية وحدها بل بنية النظام العالمي نفسه.

يمكن اختزال تلك الشعارات الانتخابية، من حيث المبدأ، في أربع أفكار رئيسية تسعى إلى «مراجعة» علاقة الولايات المتحدة مع كل من الصين واليابان وحلف الناتو وروسيا. هذا من دون ذكر العلاقات مع كندا والمكسيك والديانة الإسلامية أو بالأحرى ما يسميه ترامب «الإسلام الرديكالي» والذي تعهد بـ «محوه من على وجه الأرض».

تحتل مسألة العلاقة مع الصين صدارة عملية «المراجعة» الإستراتيجية تلك. فثمة وعد أطلقه ترامب مفاده بأنه سوف يقوم برفع معدل الرسوم الجمركية على البضائع الصينية المصدرة الى الولايات المتحدة بنسبة خمسة وأربعين في المئة، علماً أن صادرات الصين اليها تبلغ ما يقارب خمسمئة بليون دولار سنوياً. الى ذلك، كسر ترامب «مُحرماً» صينياً معروفاً، وذلك عندما قبل تهنئة وجهتها له رئيسة تايوان عبر الهاتف، وهي المكالمة التي أثارت حفيظة الصين لأنها انطوت على معنى قد يفيد بتراجع الولايات المتحدة عن «مبدأ الصين الواحدة» في الوقت الذي تلوح فيه نُذر صدام عسكري مسلح بين العملاقين في بحر الصين الجنوبي.

لكن ترامب لا يغلف مواقفه تجاه الصين بقصدير أيديولوجي، فهو يتخذ موقفاً مشابهاً تجاه اليابان أيضاً، إذ لا يني يحذر الشركات اليابانية، وتحديداً تويوتا، من مغبة توسيع مصانعها في المكسيك بهدف التصدير الى الولايات المتحدة، مؤكداً أنه سوف يقوم بفرض ضرائب استيراد عليها. وهو الموقف الذي دفع تويوتا الى الإعلان عن أنها ستستثمر عشرة بلايين دولار في السوق الأميركية خلال خمس سنوات، ودفع الحكومة اليابانية الى التذكير بأن استثمارات اليابان في أميركا تتجاوز أربعمئة بليون دولار بينما لا تتجاوز استثمارات الصين، الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة، أربعة عشر بليون دولار.

أما في ما يتعلق بحلف الناتو، فموقف ترامب في شأنه يتراوح بين مطالبته بعض الدول المنخرطة فيه بدفع ما عليها من التزامات مالية، على رغم أن ذاك البعض مفلس أصلاً، مروراً بالقول إنه فشل في مواجهة الإرهاب، وصولاً الى اعتباره «حلفاً قد عفّ عليه الزمن». لكن موقف ترامب لا يتوقف عند هذا، فهو يدعو الى تفكيك الاتحاد الأوروبي عبر كيل المديح لـ «بريكزيت» وهجاء ألمانيا التي يعتبر أنها هيمنت على الاتحاد وحوَلته الى امتداد لخدمة مصالحها الخاصة. ولقد وقّع ترامب، في أول ايام تنصيبه، على انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة التجارة الحرة عبر المحيط الهادئ، وهي الاتفاقية التي تضم حلفاء تقليدين استراتيجيين كاليابان وأستراليا. ويبدو أنه في طريقه، أيضأً، نحو مراجعة اتفاقية الشراكة في التجارة والاستثمار عبر الأطلسي والتي لم يجر التوقيع عليها حتى الآن.

وبينما تذهب قوات أميركية الى التمركز في بولندا، «مهددة بذلك مصالح وأمن روسيا»، على حد تعبير ناطق باسم الكرملين، يـعيـد ترامب التأكيد على انه على استعداد كامل لرفع أو تخفيف العقوبات الغربية ضد روسيا إذا ما استطاع الطرفان التوصل الى تسوية بينهما، الموقف الذي أثر ايجابياً فـي الاقتصاد الروسي.

أما في ما يتعلق بعلاقة أميركا بكندا والمكسيك، فهو يهدد بإلغاء او إعادة التفاوض حول اتفاقية «نافتا».

من يحاول قراءة إستراتيجية ترامب الخارجية بناء على «كتاب أبيض» أو مقولات منظومات توازن القوى، بشكلها التقليدي، سوف يتوصل الى أنها مبهمة، متناقضة، وتحفل بالألغاز. وقد لا يكون هذا الإبهام والتناقض والتلغيز كله عفوياً، وقد لا يكون مقصوداً بذاته، فخلف ترامب يوجد جيش من المحللين الدوغمائيين الذين يؤمنون بـ «الاستثنائية الأميركية» و «القومية الاقتصادية» و «التفوق العرقي». وهناك، أيضاً، أولئك الذين يحاولون تقديم الترامبيةعلى أنها رؤية جديدة في عالم الإدارة تتركب خصائصها الأولية من حقيقة أنها مابعد- سياسية، فوق- أيديولوجية، كما تتسم بنزعة تجريبة وتهتم بالمال والتجارة والربح أولاً وثانياً وأخيراً.

من المؤكد أن ترامب لا يتوافر على فلسفة سياسية ولا على استراتيجية كونية كبرى ولا عقيدة في السياسة الخارجية، بل هو لا يهتم حتى بالسياسة نفسها إلا بوصفها «اقتصاداً مكثفاً». العالم بالنسبة الى ترامب هو كعكة كبيرة والدول ليست أكثر من شركات يحركها دافع وحيد هو الربح.

لقد كان ترامب قاطعاً في هذا كله عندما أعلن، في خطاب التنصيب، أنه سوف يجعل اميركا «تربح» من جديد.

عالم ترامب عالم هوبزي، بلا مكياج ايديولوجي، ولا ادعاءات افلاطونية.

عن الحياة اللندنية