تراجع أميركا.. مادي أم معنوي؟

10:10 2013-10-16

اياد ابو شقرا

خلال السنوات القليلة الماضية كانت المحطات التلفزيونية والصحف التابعة لتحالف «8 آذار» في لبنان - الملحقة بمحور طهران - دمشق - تتسابق على استضافة «جهابذة» في الفكر السياسي يركزون في «محاضراتهم» على الشعب اللبناني المسكين على موضوعين اثنين:

- الأول، خطورة المؤامرة الغربية الكبرى التي تستهدف جبهة «الممانعة» السورية و«المقاومة» الإيرانية لخدمة إسرائيل ومخططات «الشرق الأوسط الجديد» الأميركية.

- والثاني، الذي يبدو مناقضا لسابقه، هو الانهيار المتسارع للولايات المتحدة الأميركية على مسرح السياسة العالمية.

«الجهابذة»، وبعضهم لم يقرأ كتابا واحدا في الفكر السياسي والعلاقات الدولية، ناهيك عن الاقتصاد الأميركي أو النظام السياسي الأميركي، كانوا يقرعون طبول التصدي لـ«المؤامرة» الفظيعة التي - كما يزعمون - تقوم على فكرة تقسيم منطقة الشرق الأوسط إلى دويلات طائفية وعرقية. وهذا من دون أن ينسوا، طبعا، الإشارة إلى معاهدة «سايكس - بيكو» و«وعد بلفور» لجهة «شرعنة» وجود إسرائيل في محيطها العربي والإسلامي.

والواقع أن الاتجاه العام وراء تكرار الإشارة إلى «المؤامرة» كان الانطلاق تاليا نحو تخوين «المتآمرين» وإهدار دمهم. وهو ما حدث بالفعل غير مرة في لبنان منذ 2005، عندما ترافقت تهم الخيانة مع مسلسل الاغتيالات السياسية التي استهلت فعليا باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

في المقابل، كان هناك شبه لازمة تتكرر في المحطات التلفزيونية «الممانعة» و«المقاومة»، والصحف المعبرة عن المعسكر السياسي ذاته، تبشر بـ«نهاية العصر الأميركي».. تارة على أيدي دول «البريكس»، وطورا بفضل ذراع إيران الفولاذية وقدراتها النووية.. التي ستزيل إسرائيل من الوجود.

تجربة التعامل الدولي مع انتفاضة الشعب السوري على نظام دمشق وضعت الطرحين المتناقضين على المحك. وتبين أنه إذا كانت هناك حقا بعض علامات الاستفهام أخذت تطرح حول قدرة واشنطن على المحافظة على «أحاديتها» العالمية، فإن الكلام عن وجود مؤامرة غربية - بل أميركية تحديدا - ضد محور «الممانعة» والمقاومة» محض هراء.

واشنطن، بداية، تعاملت في عهد باراك أوباما مع الانتفاضة السورية بأسلوب إيجابي جدا مشابه لتعاملها في عهد جورج بوش الابن مع الانتفاضة اللبنانية التي تلت اغتيال الحريري عام 2005.

يومذاك تحمست واشنطن، وكاد سفيرها السابق جيفري فيلتمان ينصّب نفسه «وصيا» على الانتفاضة الشعبية التي أطلق عليها الإعلام - أيضا بحماسة أميركية شديدة - مُسمى «ثورة الأرز». بل بلغ من نشاط فيلتمان الإعلامي المبالغ فيه أنه غدا عبئا على تلك الانتفاضة ووضعها على مرمى سهام حزب الله.. فرس رهان «محور طهران - دمشق»، والوريث الجاهز الحاضر للوصاية الإيرانية - السورية على لبنان.

كل لبناني شريف صار في تلك الفترة عرضة للاتهام بأنه «صنيعة» لفيلتمان.

كل تحرك شعبي عفويا كان أم لا صار يرمى بأنه من «إيحاء عوكر»، في إشارة إلى ضاحية عوكر القريبة من بيروت حيث مقر السفارة الأميركية. ولكن فجأة تلاشت الحماسة الأميركية اللفظية شيئا فشيئا في وجه الاستحواذ الفعلي والميداني لحزب الله على البلاد والعديد من أجهزتها الأمنية.

فيلتمان، الذي انتقل من منصبه في بيروت ليعيّن مساعدا لوزير الخارجية الأميركية (أيام هيلاري كلينتون) لشؤون الشرق الأوسط (2009 - 2012)، يشغل اليوم منصب الأمين العام المساعد للأمم المتحدة للشؤون السياسية. وهو راهنا عنصر نشيط في جهاز الأمم المتحدة المواكب لمؤامرة التواطؤ على انتفاضة الشعب السوري، التي اختُصرت كل مآسيها الإنسانية وتداعياتها الجيوسياسية بجريمة قصف غوطة دمشق بالسلاح الكيماوي.

في سوريا بدأت واشنطن الكلام بنبرة عالية، وأخذت تصدر «الخطوط الحمراء» خطا بعد خط، لكن لا بشار الأسد ارتدع، ولا فلاديمير بوتين ونظراؤه في بكين ارعووا.. فاتقوا الله في خلقه.

وبالتالي، تساقطت «خطوط واشنطن الحمراء» كأوراق خريف صفراء أمام «الفيتوهات» الروسية الصينية، واستعجال الأسد ومحركيه وداعميه استدعاء زمر التشدد والتكفير لابتزاز الغرب بها. وكان آخر «خط أحمر» وهمي سقط هو ذلك المتعلق باستخدام السلاح الكيماوي في الغوطة.

أوباما الذي يدرك جيدا حقيقة الوضع داخل الكونغرس الأميركي تخلى عن مسؤولياته الأخلاقية السياسية و«هرب» بها إلى مؤسسة تشريعية أرادها «ورقة توت» تستر عورة انعدام القيادة وغياب الرؤية الاستراتيجية وانهيار منظومات القيم التي طالما تغنى الساسة الأميركيون بها.

بالنسبة لأوباما ما عاد هناك من رؤية لمستقبل سوريا خارجة عن ضرورة ضبط السلاح الكيماوي خشية وقوعه في أيد «غير موثوقة» و«غير مسؤولة»، بخلاف نظام دمشق «الموثوق» و«المسؤول».. بدليل الأمن المستتب مع إسرائيل على طول خط الهدنة في الجولان المحتل منذ خريف 1973.

عودة إلى نقطة البداية..

صحيح أميركا - باراك أوباما اليوم تتصرف من موقع ضعف..

وصحيح أنها تتراجع ميدانيا، وتحاول ادعاء انتصارات دبلوماسية..

وصحيح أنها تخدع وتخذل حلفاء إقليميين راهنوا على صداقتها طويلا لأن فهمهم للصداقة يختلف عن فهمها.. غير أن «نعي أميركا»، كما قال مارك تواين ذات يوم ساخرا عن نشر خبر وفاته.. خبر «مبالغ فيه» وجاء قبل أوانه.

أميركا ما زالت موجودة.

وهي ما زالت قوية، رغم ضيق أفق ساستها وانحدار مُثلهم العليا إلى مستوى حصر همهم في دغدغة أنانية ناخبيهم وتسطيح مطالباتهم عبر رهنها بخفض الضرائب وتقليص الإنفاق على مرافق الصالح العام. وقوية على الرغم من صعود جماعات بتفاهة كتلة «حفلة الشاي» وتعصبها وتخلفها الفكري.

أميركا موجودة.. وما زالت قادرة على الإيذاء حتى حين لا تريد أن تنفع.. بعد أن تأخذ الديمقراطية دورها، ويتقاعد أوباما فوق كرسي جامعي.

أما منطقتنا البائسة فمشكلتها الفعلية ليست مع انحدار قوة أميركا العسكرية وتراخي قبضتها الأمنية، بل هي مع تراجع أخلاقيات أميركا ومقولاتها المبدئية حول إعانة المظلوم ومعاقبة الظالم وإعلاء شأن حقوق الإنسان وتشجيع فكرة «المواطنة» والتعايش الإنسانية.

لقد خذل أوباما - على الرغم من شعاراته المرفوعة - الفلسطينيين ثم السوريين، وبرهن للمحيط العربي الأوسع أنه لا استراتيجية لديه إزاء المنطقة تتفق مع موقع أميركا كقوة عظمى.

وها هو الآن يساوم في «بازار» المنطقة.. كتاجر تجزئة لا كتاجر جملة.

عن الشرق الاوسط السعودية

اخر الأخبار