حَرِيقُ الثَّلْج .. !! (صلاح أبو غالي)

تابعنا على:   01:42 2017-01-19

عِندَمَا يَعْجَزُ كَاهِلُكَ عن حَملِ الهُمُوم المُتَراكِمة فَوْقَهُ ، يَلجَأُ إلى الهُرُوب ، فيبدأُ جَسَدك يَتَرنَّح وَتَخُورُ قُواكَ فَتَلجَأُ إلى أقربِ مكانٍ تَجِدُ فِيه نَفْسَك ، وتَسْتَكينُ فيه الرُّوح ، ظنَّاً مِنكَ أنَّ هذا المكان سَيَدعُو هُمُومَك لِلنُزُولِ إلى أرضٍ غَيرَ الأَرضِ التِي تَمتَطِيها ، لِيَستَريحَ الجَوادُ المُنهَك بَعدَ طُولِ رَحِيل ..

عَجْزٌ أَلجَأَ شُكري إلى شاطئِ البَحر ، وَبَدَأت خطواته الصَّامتة على رمال الشاطئ ، استمر وواصل المسير حتى أن رأى صخرةً باديةً على حافَّة الشاطئ توجَّه نحوها واعتلاها وجلس ، وما هي إلا لحظات اختلط فيها جسده بالصخرة فلا تكادُ تُفرِّق بينهما ، كيف لا وقد جلس صامتاً دُونَ حِراك ، ولا يتحرَّك فيه إلا صَدرُه من وَقْعِ أنفاسه وعينيه التي تَرمِش ، جلس ينظر إلى البحر ، يَرْمُقُ الأمواج بِبَصَرِه ، موجةٌ تُلاحق الأُخرى في دورةٍ لا تنتهي ، ومعها بدأت أفكاره تتلاحق ، وتتسابق ، في صِراعٍ خفيّ لاحتلال ذُهْنِه والسيطرةُ عليه ، وإذا أَلَحَّت عليه الهُمُوم وَتَدَاعت ، رفع بصره إلى الأُفُقِ البعيد صَوبَ الغُرُوب ، ولحظاتٌ يَنغَمِسُ فيها فَإَذا به يَتَنهَّد ، وَيَتَكَرَّرُ المَشْهَد ، ولكن !!

بعد وقتٍ من صمته وتنهُّداته ، فَإِذا بِسَيلٍ مِنَ الدُّموعِ يُغالِبُ صُمُودَه ، فيأخُذُ طريقَهُ على خدَّيهِ دُونَ توقُّف ، وفجأةً إذا بِشُكرِي ينتفض ، فقد أوجعته الجِراح وتسلَّل إلى قلبه الألم ، فقد جرَّب وقاسى وعانى مرارة الحياة ، وظُلم البشر ، فلم تكتفي العثرات من نيلها منه ، وما بدا من الحياة له فقط هو وجهها الكَالِحِ بِلَوْنِ الخَريِف ، وقَسَماتِ الذِّكريات التي أصبحت مُتَغَلغِلَة في طيَّاتِ ذَاكِرَتِه ، وَتَتَراكَم عليها كما يَتَراكَم الصَّدأ على الحديد ، وأنَّى لهُ أن ينسى ..

كيف لا ، فقد خرج من رَحْمِ أمِّهِ للحياة في وقتٍ تَمَكَّنَ فيه المرض من والده الشيخ الكبير ، فأقعده عن العمل ، أمَّا والدته فلا تسمع ولا تتكلَّم ، وكان لا بُدَّ للأسرة من مُعِيل ، من صاحب ضمير يحتوي الألم ويُعينهم على قسوة الحياة ..

الأعمام ، الأخوال ، مُجرَّد مُسمَّيات نَرِثُها بِحُكم الواقع وصلة القرابة لا أكثر ، فلا أحد منهم خَطَى بِقَدَمَيْهِ نحو بيتِ أخيهم أو أختهم ليرى طعم ولون للحياة مُختلف كل الاختلاف عن ذلك اللون والطعم الذي أَلِفُوه وَعَايَشُوه ..

وكان لا بُدَّ من تضحية ، من بطلٍ يَمْتَطِي صَهْوَة الجَوَاد وَيُصَارِعُ الحياة بِقَسوَتِها وَمَرارَتِها ، ويأخذُ بِزِمام الأُمُور وَيَتَصَدَّر المكان وَيَقُودُ هذه الاسرة نحو شاطئ الأمان ..

ولكن كيف يتصرَّف ، ومن أين يبدأ ، فقد كان فارساً لا يُشبهُ الآخرين ، ولا يمتلك مُؤَن الطَّريق وَزَادها ، لكنَّهُ لم يستسلم ..

كانَ للشيخ الكبير بنات متزوِّجات ، من زوجته الاولى ، الصغرى معلِّمة ، والكبرى ربَّة بيت ولم تُنجب أطفالاً ، كان للكبرى فرصة المساعدة بِحُكم تفرُّغها في بيتها ، وبدأت تشُقُّ على بيت والدها وتساعدهم بما تستطيع ..

سَنَواتٌ وَأَنْجَبَت زوجة أبيهم طِفلاً آخر لِيَزداد العِبءُ أَكثَرَ وأكثَرْ ، لكنَّها إرادة الله ، ورغبة البنات ، فقد رغبن في اخوان ذُكُور وَكُلُّهنَّ بَنَات ..

تَوَالَت الأيَّام ، وإذا بِزَوجِ الأُختِ الكُبرى يَتَذَمَّر ، ويشترط عليها ألا تتدخَل في شَأنِ أهلِها ، وَعَدَم تَركُ البيت ، إلا أنها رفضت وأصَرَّت على التضحية ، فمن للصِغار من مُعِيل ، والوالد كَهلٌ مريض ، والأُم عاجزة لا تسمع ولا تتكلَّم ، ومع زيادة الضغوط من زوج الكبرى طلبت الطَّلاق وضحَّت بزواجها لأجل المُهِمَّة الكُبرى ، فقد كانت هديَّةُ القَدَر لأُسرةٍ ضاقت بها الحياة ..

وبدأت فارِسَة الزَّمانِ أُولَى الخطوات ، دخلت إلى مكان عَهْدُ النَّاس به أنه للرِّجال فقط ، وأعانها رجُلٌ صاحب ضمير ، وعلَّمها ما لم تكن تعلم ، فالأسواق العمل فيها جِدُّ شاق ، والتجارة تحتاج إلى المهارة ، وأراد الله أن يكون لها ما أرادت من مصير ، وَتَمُرُّ الأيَّام ، وتتوالى السُنُون ، ويموت الشيخ الكبير ، ويزداد الحِمل ، وتشتد قسوة الحياة ، لكن الأخت الكبرى صبرت وجالدت وغالبت ، وكانت بِقُوَّة الرِّجال ، وصُمُود الجِبال ، وعَزِيمة الأبطال ، وواصلت الرِّسالة ، والطَّريق ..

كَبُرَ الاخوة وأصبحوا رجال ، ولم تُفسِح لهم الحياة مجال ، فالطَّيِّبون نصيبهم قليل ، ولُصوص الحياة ينهَشُونَ الضُعَفاء ، ويكنِزون المال ، ولم يعلموا أنَّ الحياة يوماً إلى زَوَال ..

كَبُرت الأخت الكبرى وكانت في عونها الصغرى ، فد جادت بما يَسَعْهَا من مال ، ولكنَّها الحياة ، تَتَخَطَّف كل جميل ، مَرِضت الأخت الكبرى ، وكان لا بُدَّ للفارِسةِ من رَحِيل ، وقد حان دورُها في الرَّحيل ..

لكنَّها أكملت الرسالة ، وأدَّت الأمانة ، وصنعت رجالاً ليسوا كالرِّجال ، فعلت لهم ما عجز عنه أباءاً على رأس عوائِلِهِم ، وأشاد بما فَعَلَت كل من حولها ..

رَحَلَت من الدُّنيا جَسَداً ، لكنَّها عَزَفَت في قُلُوبِ إِخوانِها لَحْنَ الخُلُود .. زَرَعَت حُبَّها في قُلُوبهم ، وكيف لا ، فالحُب يُولَد وَيُوهَب ، لَكِنَّه أَبَداً لا يَمُوت ..

وَتَبْدَأ دَوْرَةُ الحَيَاة .. لم ينسى شُكري تلك الورقة التي وقعت بين يديهِ ، من بين كومةٍ من أوراقٍ مَخْزُونَةٍ في صُندُوقٍ صَغِيرٍ مُخَبَّأ في خِزانة الأخت الكبرى ، ولم ينسى ما بها قد كان مكتوب ، عَلِمَ مِنها أن والده كان في صُفُوف الثُّوَّار ، حَمَل السِّلاح وَقَاوَم ، ولم يكن إلا بين الأُسُود ، وأنَّه امتلك سلاحاً “بارودة انجليزية” وفَعَلَ بها الأفاعيل ، فقرَّر شُكري أن يُواصِل درب والده ، ذلك الدرب الذي يَعْشَقُهُ الأبطال دُونَ غيرهم ، إنَّهُ طريقُ التَّحرير والثَّوْرَة ..

وكانت لحظة الحقيقة ، فقد تَوَجَّه شكري لِقيادة المقاومة وأَلَحَّ عليها أن يكون في صفوفهم ، ولكن كان لا بُدَّ للقائد من سُؤال ، يَتَثبَّت به من إِصرار هذا الشَّاب ، فالطَّريق جَدُّ صعب وخطير ، وليس بالهَيِّنِ واليسير ، مَفروشٌ بالأشواك لا بالوُرود ، وحَانَ دَوْرُ الجَّواب ..

شُكري ورِث حُبَّ فلسطين عن أبيه وَحَمَل الرِّسَالة وقرَّر مواصلة الطريق ، فقد شابه الرجلُ أباه ، وذكَّره القائد بأنه شاب وفُرص الحياة كثيرة ، والشَّباب يلهثون وراء تَرَفِ الحياه وَلَهْوِهَا ، لكنَّه كان مُدرِكاً أنَّه ليس كباقي الرِّجال ، وَأَنَّ الحَيَاةَ بِقَسوَتِها أَنْسَتهُ حُبَّ الخُلُود فيها ، فلم يعهد فيها إلا اللون الأَسْوَد ..

وجاءَ وقعُ الجَّواب : أخي القائِد ” أَيْنَمَا يَكُونُ جُرحُ الإِنْسانَ فَقَلبُهُ يَخفِقُ هُنَاك !! وَأَنا جُرحِي هُنَا ، لِذا قَلبِي يَخفِقُ هُنَا ، وَلَمْ أستطيعُ الذِّهابَ إلى أَيِّ مَكَان .. فَفِلسطينُ هِيَ جُرحِي النَّازِف …”

عجيبةٌ تلك الإجابة من شاب يافع مليء بالحيوية ، وقلبه أخضر كالرَّبيع ، ومع أنَّه فصلُ الصَّيف إلا أنَّ كلمات شُكري كانت تتساقط على قلب القائِد كما تتساقط حبَّات الثَّلج فَتَغلِي من سُخُونَةِ مَشَاعِرِ القَائِد المُتَّقِدة وَتَحْتَرِق ..

صَمَت القَائِد ، ثم ابتَسَم ، وقال ” غَلَبتَنِي يا ابنَ الأُسُود ، فهذا الشِبلُ مِن ذَاكَ الأَسَد ” وَتَدُورُ رَحَى الأيَّام ، وَيَدُورُ معها شُكري ، وتزداد ضَرَاوَة المُواجَهات والاجتياحات ، ودَيْدَنُ الرِّجال الثَّبات على الحَقِّ والصُمُود ، وما كان للعَدُوِّ مِن مَكَان يَسْتكينُ فيه إلا وَيَخرُج لهم فيهِ ثائرٌ يزأرُ كَالأُسُود ، وَيَجِزُّ رُؤُوسَهم بِسَيفِ العَدَالَةِ وَينثُرُ أَشلاءَهم لِيَدُوسُها الثُّوَار ، فمنهم من يَرْحَل لِلِقاء رَبِّه ، وآخرٌ يَتِمُّ أَسْرُه ، وَمِنُهم مَن يَعُود …

تَحتَ قَسْوَةِ الضَّرَبات ، وإِصرارِ الثُّوار المَيَامِين ، ، وإيمانهم بأنَّ ما أُخِذ بِالقوَّة لا يُستَرَدُّ إلا بِالقوَّة ، يهرب الصهاينة من غزَّة ، يَجُرُّونَ ذُيُولَ الخَيْبَاتِ والهَزَائِم ، ولكنَّهم أَمْكَرُ مِن بَنِي البَشَر وَأَحْقَرُهُم مَكَانة ..

فقد ضَرَبَ العَدُوُّ على غَزَّة الحِصار ، أَرضَاً وَبَرَّاً وجَوَّاً ، ولم يكتفي بما فعل ، بل شَنَّ الحرب تِلوَ الأُخرى ، وَقَتَل المَزِيدَ والمَزِيد ، ولكنَّ المُقاومة قرَّرت الصُمُود ، وَرَدَّت الصَّاع صَاعَينِ وَيَزِيد ، وأصبحت أكثر قُوَّةً وصلابةً من الحديد ، أمَّا شُكري فكان كَغَيرِهِ مِن صَفْوَةِ الرِّجال ثَابِتُ العَزْم ، ولم ينسى لحظةً كلماتُ قائِدِه الذي رَحَل شهيداً لِيزداد صبراً فَوقَ صَبرِه ، وَيُعِّلمَ الجُنُود المُجاهِدينَ كيف يكونُ الصَّبر على الطَّريق ، وقد وَرِثَ القِيادةَ والمَصِير ..

اخوتي : ” حَبَّةُ القمح تُغطيها الثُّلوج ، فتنتظر وتنتظر طويلاً حتى يحترقُ الثَّلج من وَهْجِ نُورِ الشَّمس فيذوب ، فإذا بِمائِهِ حبَّةُ القمح تتفتَّح براعمها وتنبت وتخرج لِتَحتضن الحياة ” ..

كان يُؤمن بالقضيَّة ، وأنَّ مَشَاعِل التَّحرير تُوقِدُها دِماءُ الشُهَداء ، وصُمودُ الأسرى في سُجُون القَهرِ عِندَ بَنِي صهيون ، وأنَّ رِسالة الجِهاد والمُقاومة هي دعوةٌ لِكلِّ حُرٍّ أن يكونَ صاحبَ ضَمِير ، أن يَضَعَ نُصْبَ عينيه رمزُ العقيدةِ أقْصَانَا والوَطَنِ الأَسِير ..

أنتَ تُصارِعُ لِأجلِ النُورِ ، فَتلفُظُ أنفاسَكَ في الظَّلام ، غريبةٌ تِلكَ البِداية ، وَمُؤلمةٌ تِلكَ النِهاية .. عِلمٌ تَحُوزهُ ، وحُرِّيَّة تَنَلها ، فتحوزُ نَصراً ، أو أسِيراً في ظُلمَةِ السِّجنِ ، أو شَهيدَاً في ظُلمةِ القَبرِ ، فإمَّا نَصرٌ وإمَّا شَهادَة ، وهذا طَريقُ الأحرار ، وفلسطين قابعةٌ تَنتَظِر …

رَحَلَ عنَّا أحِبَّةٌ وقادة ، على دَربِهم نمضي بِإِرادة ، فنحنُ عُشَّاقُ الشَّهادة ، وفي كُلِّ يومٍ حكاية ورجال ، ونظرةُ عِشقٍ وَضَبَابُ الأبطال ، وعلى الدَّربِ نَسيرُ الخُطَى وهذا فَصْلُ المَقَال ..

أرضٌ تُزهِرُ بِالشُّهداءِ كَالرَّياحِين ، حَقٌ علينا أن نَحمِيها بِدمَائِنا في كُلِّ حِين ، فكيف تَهُونُ وَهِيَ دُرَّةُ تاجِ الجِنانِ فلسطين ..

وَعَجَباً لَهَا !! تَحْتَرِقُ فِيَنا المَشَاعِر ، تَذُوب عِشْقَاً لِلوَطَن كما تَذُوب الثُّلوج وَتَحْتَرِق …

وَجَدَ شُكري نَفْسَهُ تائِهاً بين الذِّكريات ، ويرتَحِلُ بينها كما يَرتَحِلُ طائرُ النَّورَس عِندَ الغُروب ، وَوَجدَ نَفْسَهُ يَرتَحِلُ بين حَنَايَا الأيَّام ، تائِهٌ بين الوَاقِعِ والأَحْلام ..

ابتَسَمَ شُكري فجأةً ونهضَ من مكانه فوقَ تلك الصخرة التي أصبحَ بينه وبينها حِكايةُ عِشقٍ من نوعٍ آخر ، ثم تَمْتَمَ بِكلِماتٍ طالما أيقظتهُ من حالةِ اليَأسِ والخُمُول : ” احْمِل قَضِيَّة وَوَطَن .. ولا تَكُنْ مَحْمُولاً بِلا قِيمَة ، فَمَن يَصْدُقِ الله لَنْ يَنَلهُ أَذَى ، وَمَن رَجَاهُ يَكُونُ حَيثُ رَجَا ..

أَنتُم جَنَّةٌ تُزهِرُ فِي قَلبِي كَمَا يُزهِرُ الوَطَن ، وَإنْ طَالَ بِنَا المَسِير.. وفي طَريقِهِ مَضَى يَسِير …

اخر الأخبار