حلف "عفا عليه الزمن"

تابعنا على:   13:34 2017-01-18

افتتاحية الخليج الاماراتية

حلف الناتو (الأطلسي) «عفا عليه الزمن»، هذا كان السهم الأخير الذي أطلقه الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب على الحلف العسكري الغربي الذي أنشئ عام 1949 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية، وكان الحلف وقت تأسيسه يضم 11 دولة، فيما بات يضم الآن 28 دولة.

الحلف في الأساس فكرة أمريكية أطلقها الرئيس ترومان، لمحاصرة واستئصال الشيوعية وحشد الحلفاء لتحقيق هذا الهدف في أوروبا، ثم في الشرق الأوسط من خلال أحلاف رديفة مثل «حلف بغداد».

وقد رد الاتحاد السوفييتي آنذاك بتأسيس حلف وارسو عام 1955 الذي ضم الدول الاشتراكية الأوروبية الوسطى والشرقية، لمواجهة التهديدات الناشئة عن حلف الأطلسي، وذلك في إطار ما سمي «الحرب الباردة» بين النظامين الرأسمالي والشيوعي. إلا أن حلف وارسو بدأ ينهار مع تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، حيث أعلن حل الحلف رسمياً في نفس العام.

في ذلك العام دار نقاش في الدوائر الغربية السياسية والإعلامية والعسكرية حول ضرورة وجدوى بقاء حلف الأطلسي، طالما أن الخطر الذي من أجله قام الحلف قد زال. لكن الولايات المتحدة كانت لها وجهة نظر ثابتة وواضحة بالإبقاء على الحلف، ولكن مع تعديل في عقيدته وطبيعة أهدافه الاستراتيجية من مواجهة الخطر الشيوعي إلى مواجهة تهديدات ومخاطر جديدة تتمثل في فكرة «الأمن المشترك» بدل «الأمن الجماعي»، كالتهديدات النووية وأسلحة الدمار الشامل والإرهاب والجريمة المنظمة، والأزمات الإقليمية والقارية التي تهدد الأمن والسلم الدوليين.

كان الهدف من وراء تبديل مهام حلف الأطلسي، هو أن يكون بمثابة الذراع العسكرية الأمريكية الضاربة التي يمكن استخدامها وقت الحاجة ووفق مقتضيات السياسات الأمريكية، ولذلك لم يكن لدى الولايات المتحدة أي مانع في تحمل حوالي سبعين في المئة من ميزانية الحلف، حيث لجأت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بعد نهاية الحرب الباردة إلى استخدام الحلف في حروبها في أفغانستان وصربيا والعراق وليبيا، وفي أحيان كثيرة خارج إطار الشرعية الدولية الممثلة بمجلس الأمن، باعتباره الجهة الوحيدة المخولة الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وليس الحلف أو أية جهة أخرى.

بهذا المعنى تحول الحلف من العقيدة العسكرية الدفاعية عن أوروبا إلى العقيدة العسكرية الهجومية على اتساع العالم، وذلك بزيادة قدرته العسكرية وتوسيع عملياته باتجاه روسيا والشرق الأوسط.

هذا الأمر شكل عبئاً بشرياً وعسكرياً واقتصادياً ثقيلاً على الولايات المتحدة وأوقعها في أزمات اقتصادية خانقة، ما زالت تنوء تحت أثقالها من دون أن تحقق نجاحاً استراتيجياً ملموساً، بل كانت النتيجة بالمقاييس العسكرية والسياسية هزيمة كبرى.

ترامب الذي جاء من خارج المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية التي كرست حلف الأطلسي أداة عسكرية ضاربة للولايات المتحدة، يدرك أن تكلفة الحلف باهظة على بلاده من دون مردود فعلي، ولا تتلاءم مع شعاراته الانتخابية التي أوصلته إلى البيت الأبيض، وهي التوجه إلى الداخل من خلال شعار«أمريكا أولاً». لذا نفض يده من هذه الالتزامات وأعلن أن الحلف «عفا عليه الزمن».

لكن، هل يستطيع؟ هذا سؤال سيبقى معلقاً لأشهر عدة مقبلة لأن قرار حل الحلف ليس هيناً، فهو يعني التخلي الأمريكي عن أوروبا وقبل ذلك التخلي عن استراتيجية التوسع والنفوذ.

اخر الأخبار