أنسي الحاج... لن يفسد الذهب، لن تذبل الوردة

10:24 2014-02-19

عباس بيضون

سيكون صعباً علينا ان نستقبل الغد وفي بالنا أن أنسي الحاج قد غاب. سيكون صعباً علينا أن نصدق انه فعلاً فارقنا، سنفكر أنه هذه المرة أيضاً مكر بنا، وابتعد. طالما ابتعد أنسي الحاج الذي لم يكن مثابراً البتة، طالما دخل إلى حجرته واختفى فيها، طالما غاب في مكتبه، أنسي الذي لم يكن منضبطاً ولا نظامياً ولا مداوماً ولا محترفاً، الذي كان هاوياً كبيراً ومغامراً صرفاً وقلقاً وعصابياً ومشدوداً باستمرار كالوتر، ما كان في استطاعة شيء أن يحبسه أو ان يلزمه بالوقوف أو ان يسجنه في موقف أو عادة أو تقليد أو بداية. طالما نفض يديه من أي شيء، فكرة كان أو موقفاً أو حرفة أو مجالاً أو حيزاً. مثقفاً كبيراً كان لكن بإيمان شعبي، ارستقراطي مترفع ممشوق، إنما بشغب حقيقي وتخط دائم ولنفسه أولاً، غاضب لكن شغوف، عصابي لكن حنون، متمرد بإلفته، سلبي بسمو، وحيد لكن بين جميع الذين جعلوه وحيداً، فردي بقلب شغوف، شاعر مضاد ولكن نحو البراءة، وما وراء البراءة. عجن اللغة لكن بيدي طفل، هدم الهيكل لكن بغصن وريشة، عبس في وجه الجميع لكن بلطف زائد، كان دونكيشوت ممزوجاً بالمسيح، قديسا في أهاب خاطئ، عفريتا يلعب الشر ويتلاعب به، نبيلاً إلى حد العبث، ساخراً بكرم بلا حدود.
لم يكن أنسي مجمع المتناقضات كما قد يخطر لقارئ أن يحسب. لم يكن متناقضاً في الأساس، لم يكن حتى مزدوجاً. كان شاعراً في نص كما كان شاعراً في شخص. لو مثل الشعر شخصاً لكان أنسي، لو شئنا ان نجعل منه نموذجاً لقلنا هذا هو الشاعر، لكأن أنسي كان يحتاط لذلك، يريد للشاعر ان يسكنه، ألا يفارقه. كانت له طلة شاعر، أحرى بي أن أقول جمال شاعر، ترفع لا يصل إلى الصلف، طيبة لا تصل إلى البساطة. فتوة لا يجري عليها العمر، رشاقة وشباب حفظهما حتى السبعينيات، هذه الطلة كانت تقول وتفكر وتتصرف بما يلائمها وما يتسق معها، ما كان يمكن أن تند من أنسي حركة أو لفتة ليس فيها شعر، يكتب شعراً لكن حركة يده شعر وابتسامته شعر ولفتته شعر، وهذا الشعر يتزايد كلما تقدم في العمر، وكلما مرت العواصف الأولى وأمطرت ياسمينا، كلما لان حطب الغضب وتبدل إلى ريحان، وكلما تحول المزاج المشدود إلى لطف واعتذار وأريحية، وكلما تحول الشعر إلى كرم وكلما التمعت العينان بذكاء طافح بالدراية والفهم.
ما كان أنسي يتيح للشعر أن يغلب الإنسان. لقد جعل منه إنساناً قبل كل شيء، لكأننا ندفن الشعر كلما دفنا شاعراً كأنسي، لكأننا نفقد الشعر كلما فقدنا شخصاً مثله. لأنسي مع الشعر حكاية هي تماماً حكايته مع الحياة، لم يقدس أنسي شيئاً ولا حتى الشعر. لم يكن الشعر عنده أعلى من الحياة، ولا مختلفاً عنها. لم يكن الشعر تأليها لأسلوب أو لغة ولم يكن في وسع أنسي ان يرابط عند أسلوب أو لغة. لم يكن يستطيع أن يمنح نفسه لجملة أو إيقاع، ان يتعبد لجملة أو إيقاع. كان الشعر مغامرته وهي مغامرة لا تطيق الرتابة ولا تطيق الامتثال ولا تطيق الانضباط ولا المداومة. كل مجموعة لأنسي هي معركة، كل مجموعة له انقلاب على نفسه وعلى شعره، كل مجموعة هي امتحان جديد وهي اختبار واسع، لا نصدق ان شاعر "لن" و"الرأس المقطوع" هو ذاته شاعر "ماضي الأيام الآتية" و"ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة"، لا نصدق أن شاعر هذين الأخيرين هو شاعر "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" و"الوليمة"، كان أنسي جواب شعر والشعر بالنسبة له قفزة تلو قفزة، كان أنسي يهدم بيديه ما سبق له أن عمّره وبناه. يخون نصوصه نصا بعد نص. يرفع نصبا وما ان يكتمل حتى يلقيه جانباً. يغادر الأشياء في عزها وفي ذروتها، لا يطيق أن يعود إلى عبارة وإلى كلام صنعهما، في الذروة كان يغيب وفي الذروة كان يترك. هكذا فارق الشعر نفسه وهو في عزه، هجر الشعر لأنه لم يعد في عصبه وجسده، لأنه بات حرفة بعد أن كان شغفاً، لأنه صار صنعة بعد أن كان مغامرة.
أما أنسي الذي كان في صداقته أميراً، والذي لم يغادر إلا بعد ان تمتم اسماء أصدقائه وحياهم بها فسيبقى. لطالما حضر وهو غائب وكم كان غيابه مفعماً.

عن السفير اللبنانية