القرار الذي أثار "هستيريا" في إسرائيل

تابعنا على:   13:49 2017-01-04

غازي السعدي

الهجمة الإسرائيلية العنيفة على الرئيس الأميركي "باراك أوباما" شخصياً، وعلى الإدارة الأميركية، وبالتحديد من قبل رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو"، كوسيلة ردع استباقية لمعلومات أفادت بأن "أوباما" يعتزم-قبل نهاية ولايته بتاريخ "20-1-2016"- اتخاذ قرارات جديدة لصالح القضية الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي، بتحديد المعايير الدولية للسلام، وتحديد حدود الدولة الفلسطينية العتيدة، وحل الدولتين مع تحديد جدول زمني، والعودة إلى طاولة المفاوضات، وتبني ما سيسفر عنه مؤتمر باريس للسلام الذي سيعقد بتاريخ "15-1-2017"، والذي أعلنت إسرائيل سلفاً معارضتها له.

"نتنياهو" وصف قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2334) من (23-12-2016) بالمشين والحقير وغير المتوازن غضباً من "أوباما"، وقال أن إسرائيل ترفض هذا القرار رفضاً تاماً، ولا تعتزم تطبيقه، ولن تخضع له، وأنها ستعاقب الدول التي دفعت باتجاهه، وستعيد البحث في علاقاتها بالأمم المتحدة، وكل ذلك لمنع الولايات المتحدة من السماح باتخاذ مجلس الأمن قراراً آخر تعارضه إسرائيل، لتأتي رؤيا الولايات المتحدة التي أعلن عنها وزير الخارجية "جون كيري" الأربعاء بتاريخ "28-12-20169"، للتأكيد على ما جاء في مجلس الأمن، لحل القضية الفلسطينية، هذه الرؤيا رفضها "نتنياهو" بعد ساعات من الإعلان عنها، مكرراً مزاعمه السابقة بأن المشكلة ليست المستوطنات، بل عدم اعتراف الفلسطينيين بالدولة اليهودية وحقوق اليهود في أرض فلسطين.

"نتنياهو" وضمن حملته الهستيرية ضد القرار، طلب من وزرائه الامتناع عن زيارة الدول التي أيد ممثلوها قرار مجلس الأمن، مستدعياً السفير الأميركي في إسرائيل، صباح الاحتفال بعيد الفصح، للاستيضاح بشأن الموقف الأميركي من القرار، وامتناع الولايات المتحدة عن اتخاذ حق "الفيتو" ضده، فقد كان لدى إسرائيل معلومات بالتحول الذي سيشهده مجلس الأمن لصالح الفلسطينيين، فقامت باتصالات حثيثة قبل انعقاد مجلس الأمن، ببذلها جهود دبلوماسية، مع الرئيس الأميركي المنتخب "دونالد ترامب"، ومع دول أخرى، لحملها على التراجع عن تأييدها لمشروع القرار، وحتى لسحبه من جدول أعمال المجلس.

جريدة "هآرتس 23-12-2016"، نقلت عن نائب مستشار الأمن القومي الأميركي "بن رودس"، تعقيباً على الهجمة والانفعالات الإسرائيلية على قرار مجلس الأمن، بأن الولايات المتحدة، ووزير خارجيتها "جون كيري" حذروا إسرائيل مرات لا حصر لها خلال السنوات الماضية، علناً وبصورة سرية، بأن البناء الاستيطاني سيؤدي إلى تصعيد الضغوط الدولية عليها، وعلى سياسة "نتنياهو" الاستيطانية، واضطر الرئيس "اوباما" - والقول لنائب مستشار الأمن القومي- السماح لمجلس الأمن الدولي باتخاذ القرار، وعدم اللجوء إلى "الفيتو" "من أجل دفع عملية السلام إلى الأمام، أرغمنا على فعل ذلك"، ويضيف بأن: "المستوطنات غير قانونية، والولايات المتحدة ملتزمة بحل الدولتين"، فجميع رؤساء الولايات المتحدة منذ عام 1967، أدانوا الاستيطان، واعتبروه غير قانوني، ويتعارض مع القانون الدولي، وأن إسرائيل تعرف موقف الولايات المتحدة من الاستيطان، فلماذا هذا الاستغراب والهلع من اتخاذ مجلس الأمن قراره مدار الحديث؟

إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبخاصة حكومة "نتنياهو" اليمينية، التي يطلق عليها حكومة المستوطنات، استخفوا بقرارات الأمم المتحدة، بإدانة إسرائيل لاحتلالها للضفة الغربية، وبناء المستوطنات، فلماذا أصيبوا بالهستيريا من قرار مجلس الأمن؟ ووصف القرار من قبل "نتنياهو" بالقرار الحقير، فهذا الانفعال وردود الفعل الإسرائيلية لدليل على أهمية قرار مجلس الأمن بالنسبة للفلسطينيين، وأن هناك تغيرا دوليا معارضا لسياسة إسرائيل الاستيطانية، ومتعاطفا مع القضية الفلسطينية، وهذا أكثر ما يزعجها.

إن أقوال الرئيس الأميركي المنتخب "دونالد ترامب"، المتحيز لإسرائيل لتطمينها، أنه بعد العشرين من شهر كانون ثاني القادم، ودخوله البيت الأبيض، سيكون الوضع غير ما هو عليه الآن، دون إعطاء توضيح، وإذا كان يقصد إلغاء قرار مجلس الأمن هذا، فإنه لن يستطيع ذلك، لان طلب إلغائه قد يصطدم بالـ "فيتو" الذي سيكون بانتظار طلب الإلغاء من قبل إحدى الدول الكبرى التي أيدت القرار، فالرئيس "ترامب" يقول أقوالا كثيرة ومتناقضة، لنرَ مواقفه الحقيقية في المستقبل، أما "نتنياهو"، فيعتبر القرار ينتقص من شرعية إسرائيل، وضد المستوطنات، ومعادٍ لإسرائيل، ويطلب من وزرائه تقليص العمل مع سفراء الدول التي أيدت القرار، حتى أنه يتهم سياسيي اليسار الإسرائيلي، ووسائل إعلامهم، ومحللي القنوات التلفزيونية أنهم انفجروا ارتياحاً من قرار مجلس الأمن المناهض لإسرائيل بدلاً من إدانته، أما وزير الجيش "أفيغدور ليبرمان"، فأمر منسق الحكومة في الضفة الغربية المسؤول عن الإدارة المدنية، بعدم إجراء أية اتصالات، أو مناقشة جوانب سياسية أو مدنية مع الفلسطينيين، باستثناء بقاء التنسيق الأمني على حاله، حيث كان من المفترض إلغاء هذا التنسيق من قبل الفلسطينيين وفقاً لقرار المجلس المركزي الفلسطيني.

الوزير "يؤاف غالنت"- وهو جنرال احتياط- قال: "لتواصل الأمم المتحدة اتخاذ القرارات، ونحن سنواصل البناء"، غير أن الوزير "نفتالي بينت" رئيس حزب البيت اليهودي، الذي يقود العملية الاستيطانية، قال: "لا يمكن لأي شعب أن يكون محتلاً لبلاده"، أي أنه ينفي صفة الاحتلال للأراضي الفلسطينية، ويعتبرها أراضي محررة، ويقول أن قرار مجلس الأمن سيكون على غرار القرارات السابقة المماثلة، "سيلقى به إلى حاوية القمامة التاريخية، وسنبقى هنا إلى الأبد، وآن الأوان للانتقال إلى مرحلة السيادة على المستوطنات، والمنطقة المصنفة "سي" تمهيدا لضم الضفة الغربية بكاملها"، فهو وقح وأقواله أوقح، وجاء في ملف "ديفكه 26-12-2016"- الموقع المقرب من أجهزة الأمن الإسرائيلية- أن قرار مجلس الأمن سرعان ما سيتحول إلى مجرد ورقة أخرى، يلوح بها الفلسطينيون بدون أن تخلي إسرائيل حتى أصغر مستوطنة، ودون أن توقف البناء الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

ومع أهمية قرار مجلس الأمن الذي وصف بالتاريخي، علينا عدم المبالغة بالفرحة والارتياح الكامل منه، قبل أن يصبح تجميد الاستيطان معمولا به على طريق إنهاء الاحتلال، واستعادة الأراضي، فإن القرار لم يندرج بالفصل السابع الملزم، أو بفرض العقوبات، بل جاء وفقاً للفصل السادس غير الملزم، فمنذ عام 1967، هناك عشرات القرارات للأمم المتحدة ومجلس الأمن التي تدين الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان باعتباره غير شرعي وغير قانوني، لكن جميع هذه القرارات وأهميتها التراكمية، بقيت دون تنفيذ، وحفظت بالملفات فقرار اليونسكو بالنسبة للقدس والأماكن المقدسة، وقرار المحكمة الدولية في لاهاي التي اتخذت قرارات هامة قبل سنوات، التي أدانت جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، واعتبرت الاستيطان وكل ما قامت به إسرائيل من تهويد وتغيير لمعالم الأراضي الفلسطينية غير قانوني وباطل، مع دفع تعويضات عن الأضرار التي سببتها للفلسطينيين، فإن هذه القرارات بقيت للحفظ لا أكثر، لأن تنفيذها يحتاج إلى قرار مجلس الأمن، الذي نحن بصدده، ينقصه آلية إلزامية لتنفيذه، وهو لا يضيف شيئاً عملياً للقرارات الأممية السابقة.

إن أهم ما جاء من ردود فعل إسرائيلية معارضة لـ "نتنياهو" وتوجهاته، كانت جريدة "هآرتس" التي دعت لإسقاط حكومة "نتنياهو"، لإنقاذ إسرائيل من ذاتها، فالولايات المتحدة ومنذ ثماني سنوات تطالب إسرائيل بالتوقف عن البناء الاستيطاني، والعمل لحل الدولتين، ووصف زعيم المعارضة الإسرائيلية "يتسحاق هيرتسوغ"، بالفشل الاستراتيجي لحكومة "نتنياهو" التي أسهمت سياسته في وضع إسرائيل في موقف لا تحسد عليه، وقال رئيس حكومة إسرائيل الأسبق "ايهود باراك"، بأن القرار الأممي يعتبر إخفاقا إسرائيليا غير مسبوق، وهي فرصة لكي يقدم "نتنياهو" استقالته، بدلاً من أن يكيل الاتهامات للرئيس "أوباما"، ووزير خارجيته "جون كيري"، ولـ "ياسر عرفات"، والحاج "أمين الحسيني"، كما اعتاد على ذلك رداً على مأزقه السياسي.

وأخيرا.. فقد تحولت إسرائيل إلى دولة معزولة، دولة ابرتهايد عنصرية، تدخل الصراع إلى منعطف جديد، وتعرض وجودها وشرعيتها للخطر.