المفاوضات ومستقبل فلسطين

22:21 2014-02-16

د. محمد ربيع

إن المفاوضات التي تجري اليوم بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني بضغوط أمريكية هي محاولة يائسة وبائسة لتصفية القضية الفلسطينية. ومع أن العدل كان ضحية الاضطهاد والعنصرية عبر كافة مراحل التاريخ، لكنه لم يُهزم، بل انتصر في نهاية المطاف. ومع أن الظلم احتكر استعباد الكثيرين عبر كافة مراحل التاريخ، إلا أنه خسر المعركة في معظم الحالات، كان أهمها انتصار الديمقراطية في أوروبا على نظم الحكم المستبدة، وانتصار السود في جنوب إفريقية على نظام التفرقة العنصرية الذي حظي بدعم الدول الغربية "المتحضرة" لأجيال. وحتى إذا نجحت المفاوضات العبثية هذه في التوصل إلى اتفاق يصفي القضية الفلسطينية سياسياً، فإن الاتفاق لن يَحُل مشكلة إسرائيل ولا مشكلة الفلسطينيين.

بعد أن احتل نابليون مصر والساحل الفلسطيني في أواخر القرن الثامن عشر، توقف على أسوار عكا التي استعصت عليه، ما جعله يعود إلى مصر مهزوماً ويدعو من هناك لإقامة دولة لليهود في فلسطين. كان العالم حينئذ حلبة صراع بين الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، ولذلك جاءت دعوة نابليون بهدف إقامة دولة متحالفة مع فرنسا في صراعها مع بريطانيا. ولقد جاء افتتاح قناة السويس عام 1869، وتحولها بسرعة إلى أهم ممر مائي للتجارة الدولية ليفتح شهية بريطانيا. بعد مائة سنة من دعوة نابليون قام نشطاء يهود بإنشاء الحركة الصهيونية بهدف إقامة دولة لهم في فلسطين، ولذلك سارعت بريطانيا إلى التعاون مع قادة تلك الحركة وتشجيعهم، ومن ثم قامت بالاتفاق مع فرنسا، ضمن مباحثات سايكس بيكو، على تجزئة الوطن العربي واقتسامه واستعماره، وإصدار وعد بلفور. ولقد جاء وعد بلفور بهدف تأمين السيطرة على قناة السويس، وإقامة دولة يهودية متحالفة مع بريطانيا تحول دون قيام وحدة عربية. أما الحركة الصهيونية فقد جاءت كمحاولة لحل "المشكلة اليهودية" التي ولدت في أوروبا وشارك في صُنعها طرف مسيحي متزمت دينياً، وطرف يهودي جشع مادياً. لكن حين وصل المستعمرون الصهاينة إلى فلسطين أدركوا أنهم قاموا بتحويل المشكلة اليهودية إلى "مشكلة إسرائيلية". وهذا جعلهم بحاجة لإخفاء الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب الفلسطيني، وتحويل أنفسهم من مجرمين إلى ضحايا، لكن الحقيقة لا تموت، والحق لا يزول بتقادم الزمن، وأكبر برهان على ذلك هي كذبة اليهود بأن لهم حق توراتي في فلسطين منحه لهم إله كان يعمل تاجر عقارات بلا ضمير.

مع تبلور "المشكلة الإسرائيلة" تبلورت حاجة إسرائيل لحل يُمكّنها من اكتساب شرعية دولية كنظام جنوب افريقية العنصري، ما جعل إسرائيل وجنوب افريقية تقيمان تحالفاً شمل تطوير السلاح النووي والضغط على الدول الغربية لاستمرار دعمها للنظام العنصري في البلدين. لكن مشكلة إسرائيل كانت أكبر من المشكلة التي واجهتها جنوب افريقية، لأن النظام الصهيوني قام على التطهير العرقي والتنكر لوجود شعب فلسطيني، ما جعله يفشل في تحقيق هدفه حتى داخل إسرائيل نفسها. لهذا جاءت كل مشاريع التسوية مع الفلسطينيين سعياً للحصول على شرعية تُرغم صاحب الحق بالتنازل عن حقه. حين سَأل أبو مازن مؤخراً عن سبب عدم طلب إسرائيل من الأردن ومصر الاعتراف بيهودية الدولة نسي على ما يبدو أن الطرف الوحيد الذي يستطيع منح شرعية لكيان مُغْتصِب هو الشعب المُغتصَب.

سُئل موشى ديان بعد مرور عام على احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967 عن "الحل" لمشكلة الاحتلال، كان جواب دايان: إن الوضع الراهن هو الحل، لكن هناك مشكلة تتعلق بايجاد طريقة للتعايش مع هذا الوضع. ومنذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا، وإسرائيل تحاول التعايش مع ذلك الوضع، ما جعلها تدخل في مفاوضات عبثية كثيرة بهدف شراء المزيد من الوقت لتطبيع الوضع القائم، والاستيلاء على المزيد من الأراضي، والحصول على اعتراف فلسطيني بشرعية ذلك الوضع. لذلك لم تنفذ إسرائيل اتفاقاً وقعته مع الفلسطينيين على الاطلاق، ما يجعل الأمل هذه المرة هو ضرب من خيال لا يمكن أن يتصوره سوى معتوه أو حشاش. وهذا يستوجب الاعتراف بأنه لا يوجد زعيم إسرائيلي اليوم ولم يوجد زعيم في السابق لديه الرغبة أو القدرة على القبول بحل تتنازل إسرائيل بموجبه عن الأرض لأصحابها.

إن أخطر ما يمكن أن تؤدي إليه المفاوضات الحالية هو استصدار قرار أممي ينص على أن الإطار المقترح يُلغي القرارات السابقة ويحل محلها كمرجع دولي وحيد، أي الغاء قراري التقسيم وحق العودة والتعويض، وهو أمر لا يمكن تجنبه في حال الموافقة على إطار كيري المقترح. إن اقتراح أبو مازن الذي يطالب باحلال قوات من حلف الناتو بدل قوات الاحتلال الإسرائيلية التي يبدي أبو مازن استعداده لمنحها 5 سنوات لتنسحب هو اقتراح غير صائب. إذا كان الهدف هو استبدال احتلال باحتلال آخر، فإن باستطاعة إسرائيل أن تنسحب خلال أيام كما فعلت في غزة وليس سنين، أما إذا كان الهدف هو التخلص من الاحتلال الإسرائيلي، فإن إسرائيل، وإن وافقت، فسوف تكون الموافقة جزءاً من لعبة استصدار قرار أممي يلغي القرارات السابقة، وعدم تنفيذ شيء بعد ذلك. وفي ضوء فشل المحاولات السابقة، من مشروع روجرز وخارطة الطريقة إلى أوسلو، فإن العالم لن يُصدم، ولن يكون لدينا سند قانوني للشكوى، وتكون أغلبية الدول العربية قد طبعت وأقامت علاقات دبلوماسية وتجارية، وربما تحالفات عسكرية مع إسرائيل.

أصيب الشعب الفلسطيني بثلاث كوارث في الأعوام 1948، 1967، و 1993، كانت الأخيرة أكثرها ضرراً بحقوق الشعب الفلسطيني. إذ فيما نتج عن الكارثة الأولى خسارة 78% من الأرض الفلسطينية وتهجير حوالي نصف الشعب الفلسطيني، إلا أن قرارات هيئة الأمم أكدت على حق الفلسطينيين في العودة والتعويض، وأعطت ميلاداً للثورة الفلسطينية التي قادتها حركة فتح. أما الكارثة الثانية فقد نتج عنها احتلال كامل التراب الفلسطيني إضافة إلى أجزاء كبيرة من الدول العربية المجاورة، إلا أنها أفرزت انتفاضة عظيمة ولم تتسبب في مصادرة أي جزء من الحقوق الفلسطينية التي أقرتها هيئة الأمم. أما كارثة 1993 فقد نتج عنها اجهاض الانتفاضة أولاً، وتنازل قيادة المنظمة المبطن عن حقي العودة والتعويض ثانياً، والاعتراف بإسرائيل ثالثاً، وتحويل منظمة التحرير من منظمة تسعى لتحرير وطن محتل إلى منظمة تستجدي حلاً دبلوماسياً رابعاً، وتحويل أعضاء القيادة إلى سجناء في وطنهم خامساً. وهذا جعل البعض يتحول إلى شريك لإسرائيل يمدها بالاسمنت والعمالة لبناء المستعمرات، ويتحول البعض الآخر إلى عملاء يتجسسون على الأحرار لصالح العدو، ويتحول جزء آخر إلى منتفعين مادياً من وجود الاستعمار الصهيوني، وتتحول البقية إلى بؤساء يبكون على الأطلال. وتأتي المفاوضات الحالية إمتداداً لكارثة أسلو التي تصر على تصفية القضية الفلسطينية برمتها. هل تتذكر القيادة الفلسطينية أنها اعترفت بإسرائيل قبل التوقيع على اتفاقية أوسلو؟ وما دام الاعتراف قد تم، فهل يحق لإسرائيل ان تطالب باعتراف جديد؟ لقد التزم أبو مازن أكثر من مرة بإجراء استفتاء قبل التوقيع على أي اتفاق، وما أعرفه عنه يجعلني اومن بأنه لن يتراجع، لكن عليه أن يعيد التأكيد على ذلك، وأن يتذكر أن الشعب الفلسطيني موزع بين الضفة وغزة وفلسطين 48 والشتات، وأن حق العودة والتعويض هو حق فردي لا تملك دولة حق التصرف به.

إن التوصل لإطار تسوية بناء على خطة كيري من شأنه التنازل عما تبقى من حقوق فلسطينية، ما يجعل الاتفاقية الجديدة بمثابة طامة كبرى. ولكن مهما حصل فإن الاتفاقية لن تنجح في شيء يتمناه رجال المنظمة المسكونين بالتفاوض. أولاً، لن تلتزم إسرائيل بتنفيذها، لأنها لم تلتزم بأي اتفاق سابق. وثانياً، المشروع الصهيوني لم يكتمل بعد، ولهذا تصر إسرائيل على البقاء في وادي الأردن حتي يكون الدخول إلى الضفة الشرقية متاحاً، ولن تحتاج إسرائيل لمبرر سوى تكليف بعض عملائها بعملية إرهابية عبر النهر يروح ضحيتها بعض اليهود. إن المشروع الصهيوني يستهدف كل سيناء، بما في ذلك قناة السويس، وإن أمكن الأهرامات أيضاً بدعوى أن بناة الأهرامات كانوا من العبيد اليهود، كما أنه يستهدف كل الأراضي الأردنية وجزءاً كبيراً من الأراضي العراقية حتى نهر الفرات، وبعض الأراضي اللبنانية بما في ذلك مياه نهر الليطاني، والجولان السورية المحتلة. إضافة إلى ذلك، تشمل الأطماع الصهيونية فرض تعويضات على العراق وتونس وليبيا والجزائر وسورية والمغرب تدفعها لأحفاد من تركوا تلك البلاد في أعقاب قيام دولة إسرائيل، وفرض تعويضات كبيرة على السعودية بحجة أن النبي قام بقتل وتهجير يهود المدينية قبل 1400 سنة. وهذا من شأنه تحويل الشعوب العربية وحكامها إلى عبيد يخدمون اليهود حتى يوم القيامة.

هل يحتاج الفلسطينيون إلى مفاوضات الآن؟ لا، لأنه ليس هناك شيء يمكن تحقيقه، والتاريخ شاهد على ذلك. إن لدينا أسلحة كثيرة لم تُستخدم، وما دامت القيادة الفلسطينية غير راغبة أو غير قادرة على استخدام تلك الأسلحة فلتترك للشعوب العربية حرية استخدامها. إن حركة BDS تشكل خطراً حقيقياً على وجود إسرائيل، وكل ما تحتاجه هو الوقوف إلى جانبها، فأرجو أن لا تقوم القيادة الفلسطينية باجهاضها كما أجهضت الانتفاضة. إن التحولات ضد إسرائيل في العالم الغربي هي جزء من التحولات ضد النخب الحاكمة والنظام الذي يُمكّن 1% من السكان من مصادرة أكثر من ربع الثروة. أما الشباب العربي الذي أنهكته المذهبية والإرهاب والتطرف فبحاجة لقضية يلتف حولها، ولن يجد أكثر عدالة وإنسانية من قضية فلسطين، خاصة وأن إسرائيل تستهدف استعباده حتى يوم القيامة. إن شباب العالم يتحرك بثبات، وإن كان ذلك ببطء نحو سحب الشرعية من إسرائيل ومن النظم الرأسمالية التي تحرمه من معظم حقوقه في أمريكا وبريطانيا وفرنسا واسبانيا واليونان والصين وكوريا الجنوبية وغيرها من دول. نحن بحاجة لما قدمته مكتوباً للقيادة الفلسطينية قبل عقود تحت عنوان، "الصبر الاستراتيجي والحراك الفاعل".