هيكل: إمساك "الإخوان” بالسلطة قرار قاده الأتراك للالتحاق بـ "الأطلسي

08:21 2014-02-16

أمد/ القاهرة: نشرت "الأهرام" الحلقة الثانية من حوارها مع الكاتب والصحفي محمد حسنين هيكل :

ينزل نبأ الأستاذ محمد حسنين هيكل في  حواره عن "الثورة الحقيقية ‏والأمل" من سماء الأفكار والرؤى إلى أرض الواقع وتضاريس الطريق والأسئلة . . قدمت ‏إليه عرض حال البلد الذي طالما تحدث عنه، وطرح حلولا منذ سنوات قلبت عليه المواجع . ‏مثل مجلس أمناء الدولة والدستور . . ماذا كان تحت السطح قبل انكشاف الغطاء في 25 ‏يناير، وهل نجح المجلس الأعلى للقوات المسلحة في انتقال سلمي وهادئ للشرعية، وكيف ‏تحولت الساحة العامة قبل وبعد 30 يونيو إلى خلاء ومهدت لوصول الإخوان . وكيف يفسر ‏الأستاذ عبارته التي أطلقها قبل شهور عن عبد الفتاح السيسي أنه الرئيس الضرورة، وكيف ‏يمكن للرئيس القادم تجميع طاقات الأمة وشتات التيارات حتى تكون قوى الشعب حاضرة ‏وقت الضرورة، وما هي مستويات الرئيس القادم . وكيف يرى التقارب المصري الروسي في ‏تلك المرحة الدقيقة وانعكاساته على علاقات القاهرة وواشنطن . . وإلى الحوار‎:‎

أستاذ هيكل، في نقاشنا السابق قلت دعنا ننزل من سماء الأفكار إلى تضاريس الأرض . . ‏تضاريس السياسة في مصر هذه اللحظة . . في رأيكم، ما هي القراءة المبتسرة للمشهد التي ‏تقودنا إلى تلك الدوائر المفرغة أو المضطربة وتبعدنا عن التقدير السليم للواقع؟

‎- ‎دعنا نحاول استرجاع عناصر الموقف كما تطور حتى الآن على أرض الواقع، حتى وإن ‏تورطنا في محظور التكرار بعض الشيء - لعله ينفع في التأكيد‎:‎

أولا: نحن بعد 25 يناير 2011 واجهنا واقعا أسوأ بكثير مما نتصور، لأن الأزمة التي ‏أمسكت بخناق "مصر" كانت مثل عائمات الجليد، القليل منها ظاهر فوق السطح، والكثير ‏غاطس تحت الماء . وما كان فوق السطح ودعا كل قوى هذا البلد إلى الرفض والغضب ‏والثورة - كان في حدود ما استطعنا أن نراه من أسباب القصور في التنمية الاقتصادية ‏والاجتماعية، ومن ظواهر الفساد المالي والسياسي، ومن تآكل هيبة مصر في محيطها العربي ‏وفي عالم الدول، حتى زادت فوق ذلك مهزلة التوريث التي كانت حائرة بين عاملين لدى ‏مبارك‎:‎‎-

‎أولاً: هو يميل للتوريث ربما ليغطي على ما جرى في فترة رئاسته‎ .‎

‎وثانياً: هو لا يميل للتوريث، لأنه يشفق على ابنه أن يتحمل تبعات ما وصلت إليه أحوال ‏مصر، وقد وصفها "مبارك" بنفسه في حديث مع أحد أمراء السعودية عندما سُئل عنها قائلاً: ‏‏"أنه لا يريد أن يورِّث ابنه خرابة‏‎" .‎

هو لم يقل متى أصبحت مصر خرابة، وهل كانت كذلك قبله؟! وماذا فعل فيها إذاً لمدة ثلاثين ‏سنة حكم فيها وتحكَّم، مع العلم أن ثلاثين سنة هي نفس الفترة التي استغرقها صعود الصين، ‏والتي استغرقها غياب الاتحاد السوفييتي في زمن بريجنيف، وعودة روسيا المتعافية في زمن ‏بوتين، وغير ذلك من نماذج ما يمكن أن يقع في أي بلد يحكمه أي قدر من الرُشد طوال ‏ثلاثين سنة، ولك أن تلقي نظرة إلى ما فعله الآخرون من الهند إلى المكسيك إلى البرازيل‎ .‎

الغطاء انكشف عن فداحة ما جرى قبل 25 يناير ،2011 فقد ظهر أن مصر أصبحت بلدا ‏يعيش على الدين الداخلي الذي راح يزحف إلى الخط الأحمر عند رقم تريليون جنيه مصري - ‏ودين خارجي قارب الأربعين مليار دولار، لكن الحقائق كانت تائهة غائبة في الأوهام، أو ‏ألعاب خداع النظر‎ .‎

ظهر - كذلك - أن قطاعات بأسرها في الاقتصاد المصري كانت خارج الإطار العام، لا أحد ‏يعرف عنها شيئا محددا، ومنها وربما أهمها قطاع البترول والغاز، فقد كان التصرف في هذا ‏القطاع مخصصا وفي أيدي قلة محدودة تقرر في كل شيء، من الإنتاج إلى الاستهلاك، ومن ‏اتفاقيات التصدير إلى تحصيل العوائد، والقطاع يتصرف كما يُطلب منه، وهو في النهاية ‏يورد فائضاً ما عنده للميزانية العامة حسب ما يقدَّر أو حسب ما يتيسر، ويجري الإعلان عن ‏تصدير كميات، ثم يحدث استيراد لتعويض التصدير بأسعار أعلى، والمحصلة أن هذا القطاع ‏أصبح مدينا وليس دائنا، ثم اكتشفنا أن التصدير تم بخديعة أن مصر لديها فوائض هائلة من ‏موارد الطاقة، ثم إن الحقائق محجوبة حتى ظهر في النتيجة النهائية أن مصر بلد مستورد ‏للطاقة‎ .‎

وكانت الذريعة الأخيرة للنظام أنه حقق الاستقرار، ثم تبين أن ما حدث - إذا افترضنا حسن ‏النية - أن مصر في ذلك الزمن وُضعت داخل ثلاجة للتبريد العميق، ثم اكتشفنا بعد كسر باب ‏الثلاجة في 25 يناير أن الذي أغلقها نسي توصيلها بالكهرباء، فإذا ما فيها يفسد ويتلف بالعفن ‏‏. . وأن الثلاجة تحولت إلى مخزن ضاع على البلد ما فيه، إذا كان ذلك ممكنا لثلاثين سنة‏‎ .‎

مسيرة السنوات الثلاث الماضية كانت شارحة لأشياء كثيرة، مواقف سياسية مضطربة في ‏الداخل وانكشاف لجماعات دينية أرادت خطف وتأميم السياسة ومواقف لقوى إقليمية لعبت ‏أدوارا لمصلحة الكبار . ما هي من وجهة نظركم المقدمات التي أفضت إلى الخروج الشعبي ‏الكبير في 30 يونيو؟

‎- ‎بعد 25 يناير، ولأن السياسة في مصر كانت قد تحللت بعد ذوبان الجمود، ولأن الحقائق ‏التي تكشَّفت كانت مخيفة، ولأن العالم الخارجي أصبح متداخلا ومتدخلا في كل بقعة، ولأن ‏قضية الثورة في حد ذاتها أصبحت مطروحة للبحث - فإن "حالة الثورة" طرحت السؤال ولم ‏تطرح الجواب، وكانت الحالة الثورية مكشوفة، وعندما وقفت القوات المسلحة إلى جانب ‏شعبها، فإنها حققت في نفس الوقت انتقالاً سلمياً وهادئاً للشرعية‎ .‎

على قمة القوات المسلحة كان هناك المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي رأسه المشير ‏طنطاوي، وكان لدى هذا المجلس كثير من حسن النية، وقليل من الخبرة السياسية وهذا ‏طبيعي، وقد احتار فيما يفعل، وتكاثرت عليه الضغوط، وأهمها ضغوط الحقائق الاجتماعية ‏والاقتصادية والسياسية، وكانت المشكلة أن هذا المجلس لم يكن مؤهلا للحكم، ولم يكن يرغب ‏أن يشاركه في السلطة طرف آخر، لأنه من ناحية لا يعرف الأطراف ولا يعرف الوزن ‏الحقيقي لكل منهم، ثم إن ما رآه معهم دفعه إلى الشك في الجميع، وفي نفس الوقت فهو من ‏ناحيته تجنب مسؤولية أي قرار - بأي حل‎ .‎

وقد طمأن نفسه بأنه مجرد وسيط للانتقال، لا يرسم سياسة، ولا يبحث عن حلول، لأن ذلك ‏اختصاص الوضع الدائم القادم وليس اختصاصه‎ .‎

وفي نفس الوقت فإن ذلك المجلس العسكري تصور أنه إذا كان غير مسؤول عن الحل، فمن ‏الأفضل له أن يتجنب الحسم في أي قضية، أو مواجهة أي طرف، لأنه لا يريد المشاكل من ‏أي ناحية أو مع أي طرف أيا كان، وهو ليس مكلفا بالحل على أي حال، والأفضل ترك أمره ‏لمن يجيء بعده‎ .‎

وفي هذه الظروف من "اللاقرار" و"اللاحسم" - لمدة عام ونصف العام - فإن الساحة العامة ‏في مصر أصبحت خلاء يتحرك فيه من يشاء كما يشاء، وفي هذا الخلاء وصل الإخوان ‏المسلمون إلى الحكم، بدعوى أن لديهم الحل بل إنهم هم أنفسهم ذلك الحل‎ .‎

وقصة الإخوان المسلمين في الإمساك بالسلطة معروفة، وأولها قرار دولي يخص المنطقة ‏بمشروع للشرق الأوسط الكبير يقوده الأتراك، هدفه عندهم استعادة حلم خلافة موالية للغرب، ‏تستعمل وتوظِّف قوة الدين، متمثلة - كما يتصورون - في الإسلام السياسي، لإغراق المنطقة ‏في خضم يتوه الناس فيه بحثا عن ملكوت السماء حتى يخلص ملك الأرض للهيمنة، ويلتحق ‏الشرق الأوسط الكبير بحلف الأطلنطي عمقاً خلفياً أو ذيلاً . وكذلك فإن مشاكل البلد زادت ‏تعقيدا، فقد بدا أن سلطتهم موجَّهة للتمكين من السلطة وليست لتحقيق أهداف الثورة، وأخذ ‏التردي في كل مجال حده وزاد‎ .‎

وتخبَّط حكم الإخوان بين ادعاء الدين وتطويع الدولة، وبين الإمساك بمفاتيح الحكم، وبين ‏مصالح الناس - وبين مطالب المجتمع وأوهام الجماعة - وبين القوى السياسية الدولية ‏والإقليمية . وتعقدت مشاكل مصر أكثر وأكثر فقد أضيفت مخلفات زمن مبارك، إلى آثار ‏الفترة الانتقالية للمجلس العسكري، إلى فشل تجربة الإخوان . وأصبح الوضع في جملته شديد ‏الخطر داخل مصر وحولها . وجاء 30 يونيو 2013 تصحيحاً وإنقاذاً‎ .‎

عبء ما بعد 30 يونيو، حمل تبعات جمة للمؤسسة العسكرية . . كيف تقرأ تلك المسؤولية ‏التاريخية وتوقيتها ومخاطرها؟

‎- ‎عندما جرى وضع خريطة الطريق بعد 30 يونيو، كان جدول التوقيتات متلاحقاً، ولكن ‏الحركة ذاتها في إطار هذه التوقيتات كانت بطيئة، لأن انتظار المواقيت المحددة لا يكون أياماً ‏تحصى، وفواصل يجلس الناس في انتظارها حتى تجيء وتذهب . هكذا فإن ستة شهور من ‏الانتظار، وإحصاء الأيام يمضي، والجهد أقل من التحدي، والفكر لا يسابق الميعاد - زادت ‏الأثقال واتسع الرتق على الراتق كما يقولون في الأمثال العربية‎ .‎

واستحكمت التعقيدات لأن العبء أضيفت إليه أعباء فوقها أعباء، وفوق الأعباء أعباء، كل ‏ذلك و"حالة الثورة" مستمرة، والطوفان يتدفق، وزاد عليه أن الإخوان المسلمين - لسوء الحظ ‏‏- أثبتوا داخل الحكم - وخارج الحكم أكثر - أن وعدهم ووعيدهم أسوأ مما كان في زمن ‏مبارك . كان هو يقول "أنا أو حكم الإخوان" . ثم جاؤوا هم يقولون "نحن أو الإرهاب دما ‏ونارا في سيناء وفي كل مكان وأي مكان في مصر‎" .‎

قُل لي من يقبل أو يرضى بأن يتحمل المسؤولية في مثل هذه الظروف؟ ترك المشاكل الكبرى ‏من دون مواجهة حقيقية ضاعف من خطرها، وذلك متفق مع قوانين الجاذبية‎ .‎

وفي الواقع فإن الحمولات الثقيلة زادت في تسارع النزول - بأكثر مما يمكن أن تمسك به ‏الرافعات . والآن من يقبل أن يمد يده ليمنع الارتطام بالقاع؟! من يقبل بالمسؤولية؟ وأهم من ‏ذلك من يقدر؟ ثم ما العمل، خصوصاً أن خارطة الطريق وصلت إلى النقطة الحرجة، وهي ‏نقطة الرئاسة‎ .‎

كان ذلك هو السؤال المعلق على مصر كلها، والرد على السؤال جاء بواقع تؤدي إليه حقائق ‏الأشياء، لأن اليد التي تمتد للصد غالبا سوف تمتد من القوات المسلحة، خصوصا إذا كانت ‏هي التي حمت "حالة الثورة" مرتين، ولو أن غيرها كان قادرا لمَّا طرأت الحاجة إليها، فقد ‏فُرِضَ عليها أن تتقدم للحماية لأنها كانت وحدها القادرة على مسؤوليتها، على أن المعضلة ‏هي كيف يتم ذلك دون أن يؤسس لحكم عسكري، وهذه قضية كبرى هي الآن موضع اهتمام ‏عالمي، تنشغل به أرقى الجامعات وبالذات جامعات أمريكا، عنوانها: هل تقدر يد تمتد من ‏المؤسسة العسكرية أن تمهِّد لانتقال ديمقراطي تصل به "حالة الثورة" إلى مسارات أمل - أمل ‏في إنجاز سياسي، اقتصادي، اجتماعي، ثقافي - يقترب من أبواب المستقبل، ويطرق هذه ‏الأبواب ويدخل؟‎ .‎

كيف؟ . . وبمقتضى أي شروط؟ ومتى نصل إلى باب المستقبل أو أبواب المستقبل نطرقها ‏وندخل على جسور قادرة وواصلة؟

‎ ‎في كل تلك المسارات المتعرجة والمنحنيات الخطرة، جربنا أشكالا متنوعة للسلطة والحكم ‏الانتقالي حتى وصلنا إلي المراحل الأخيرة من فترة انتقالية حاسمة . . مما أشرت إليه عن ‏‏"باب المستقبل" "والجسور القادرة"، ما المحددات التي تضعها للرئيس القادم؟

‎- ‎ملابسات هذه القضية استدعت مبكرا جميع الاجتهادات، وأتذكر أنني طرحت في عديد من ‏المناسبات، حتى قبل سقوط نظام مبارك، فكرة مجلس لأمناء الدولة والدستور تكون القوات ‏المسلحة حاضرة فيه، ويكون هذا المجلس جسرا للانتقال الآمن من مبارك إلى ما بعده، وكنت ‏أقدر أن هذا الاقتراح يصعب قبوله من نظام غارق في وهم السلطة وقتها، لأن قبوله يكلف ‏الأشياء فوق طباعها، إلى أن حل يوم 25 يناير وتوالت مشاهده الرائعة، ثم تكشف ما تكشف ‏من غياب الفكرة وغياب القيادة وغياب الجسر أو الجسور إلى المستقبل، ثم ظهرت أعراض ‏‏"حالة الثورة" دون تشخيص لطبيعتها، وتوالت المراحل‏‎:‎

المجلس العسكري - ثم الإخوان - ثم خارطة الطريق . وفي أجواء امتزجت فيها الحماسة ‏والإحباط، واليقين مع الشك، والتناقض بين الموجود والمفقود، والمطلوب والواقع، والتشوق ‏إلى الأمن، والتخوف من التسلط - شاع في البلد تيار غضب يرفض كل شيء . رفض ‏الحاضر في ظاهره مفهوم لأنه لأول وهلة نوع من تسليم إرادة الشعب لسياق الحوادث‎ .‎

كانت أمامنا ثلاثة احتمالات‎:‎

هناك الممكن - إذا اتسعت دائرة الاختيار المدعوم بالإرادة . وهناك المحتمل - إذا كان يستحق ‏أن نبحث عنه . وهناك غير المحتمل - إما لأنه ليس موجودا، أو أن بذرته لم تنبت بعد . وفي ‏هذه الحالة، فإن الرفض على طول الخط يفقد الأمل فرصته، لأن الرافضين يطلبون مثالا ليس ‏متاحا في الواقع، على الأقل هذه الساعة، وعلى الأقل في هذه الأحوال . وصلنا إلى النقطة ‏الأخيرة من خريطة الطريق، وجاء وقت اختيار الرئيس الذي يتحتم عليه أن يكون مسؤولا ‏على الأقل عن وضع مصر على طريق آمن ومأمون له شروط‎:‎

‎- ‎أن يتصدى لمشكلة أمن مضطرب، ومصاعب تشق على الناس في حياة كل يوم‎ .‎

‎- ‎وأن يعالج ضرورات عاجلة أهمها: أزمة المياه - وأزمة الغذاء - وأزمة الطاقة، لأنه لا ‏يمكن الوصول إلى أبواب المستقبل دون اطمئنان إلى أن هناك رياً للأرض والناس، وغذاء ‏ضرورياً لحياتهم، وطاقة لحركة كل يوم‎ .‎

‎- ‎وأن يواجه مشكلة التنمية الشاملة والعدل الاجتماعي، مع وجود ارتباط بين المشكلتين‎ .‎

وأن يتأكد من مجموعة ضمانات‎: ‎

‎- ‎أن الوطن يعمل بكامل قواه وقدراته‎ .‎

‎- ‎أن حدود الوطن شرقا وغربا مُصانة‎ .‎

‎- ‎أن مصر في مكانها اللائق في الإقليم - وفي العالم‎ .‎

‎- ‎وأن طريق المستقبل بكل خبئ على الطريق إليه مؤدٍ إلى السلامة‎ .‎

 

 

كيف حكمت على المسؤولية الملقاة (أو التي تلوح في الأفق) على عاتق رجل ينتمي للمؤسسة ‏العسكرية لرئاسة مصر في تلك المرحلة؟

‎- ‎أعترف لك أنني من حرصٍ على مستقبل الوطن، ورغم ابتعاد عن الساحة السياسية اخترته ‏لنفسي لأسباب أولها حقائق السنين - أطلت التفكير في كل ما سمعت، وكنت أفضل اتِّقاء ‏المحاذير على طريق المستقبل - بخشية أن تبدو المقدمة إليه من داخل القوات المسلحة - نوعا ‏من التدخل العسكري، على أن الأمر تبدى لي أكثر وأخطر، فالأمر ثقة، والأمر قدرة، والأمر ‏مصداقية، والظروف مُلحَّة ودقيقة، ومزالقها زحام على الساحة، ومع ذلك فقد جربت اختبار ‏كل ما تبدَّى لي وحتى ما خطر على خيالي‎ .‎

لكن مسألة الثقة - مسألة القدرة - مسألة المصداقية كانت جميعها تشغل بالي وتُلِح عليَّ‎ .‎

أعترف لك أنه خطر ببالي وسط الحيرة ما بين المحاذير والحقائق أن الرئاسة يصح إسنادها ‏إلى واحد من الرجال الذين ظهرت أسماؤهم في الساحة وهم كُثر، رشحوا أنفسهم، أو رشحهم ‏آخرون، وربما كان بينهم من يستحق - خطر ذلك ببالي رغم إدراكي أن المشاكل شديدة ‏التعقيد، عصية على الحلول التقليدية، لأن "حالة الثورة" وصلت إلى ما يشبه حالة الحرب . ‏واستعرضت الساحة بعرضها وتبدى لي أن التحدي أكبر من الساحة بالطول والعرض أيضاً‎ .‎

في بداية التجربة الانتقالية بعد "مبارك" فكرت في مجلس رئاسي وظننت لبعض الوقت أن ‏تلك تجربة موجودة في بلد من أكثر بلدان العالم تقدما، وهو "سويسرا‎" .‎

مجلس للرئاسة في سويسرا يتناوب أعضاؤه كل ستة شهور على الرئاسة، وتصدر قراراته ‏باسمهم جميعا . لكني تحسبت أن ذلك قد ينجح في سويسرا، وهي البلد الذي أتقن صناعة ‏الساعات لأنه يعرف قيمة الزمن، ولكن شكي كبير أنه يصلح لبلد من العالم الثالث مثل ‏‏"مصر" . وزاد من شكوكي أنني تابعت بعض أنشطة ما سُمي ب "الدبلوماسية الشعبية" التي ‏يُقال لنا إنها تسافر داعية لمصر، وشارحة لأحوالها، لكني فوجئت بأن هذه الوفود - تضم ‏أسماء كبيرة - تعاركت في الخارج، وعلى مرأى ومسمع من مضيفيها‎ .‎

عرفت مثلا في بلد عربي أن بعض المسافرين من وفد الدبلوماسية الشعبية المصرية اختلفوا ‏وتعاركوا على الغُرف، وعلى السيارات، وعلى المقابلات، وعلى من يتحدث باسم وفدهم، ‏ومن يتصدر الصور، ومن يحتل مقاعد الشرف في الاستقبالات‎ .‎

وبعض ما سمعته مزعج وبعضه مهين، وهو في النهاية لا يبشر باحتمال أن تتكون جماعة ‏متسقة متوافقة يمكن أن يضمها مجلس رئاسي تنتقل إليه شرعية الدولة، في أوقات شديدة ‏الحرج وشديدة الخطر . وعلى أي حال فقد فات الآن وقت الكلام عن مجلس للرئاسة ‏وتجاوزته الظروف، ونحن الآن في ظل دستور معتمد، وفي انتظار رئيس منتخب ومجلس ‏شعب أو مجلس نواب منتخب‎ .‎

وكيف رأيت إقدام المشير السيسي على تحمل مسؤوليات أكبر - من واقع قراءتكم للمشهد - ‏ومن واقع معرفتكم به عن قرب؟

‎- ‎عندما اتجهت الأنظار إلى الفريق عبد الفتاح السيسي باعتبار شعبيته المؤكدة، وقد عززتها ‏التجارب التي مرت على مصر في ثلاث سنوات من "حالة الثورة" ودائرتها التي لا تكتمل - ‏أحسست بالفعل أن الرجل عزوف عن طلب الرئاسة، راضيا عما تحمَّل به، بالإضافة إلى أنه ‏بالفعل أفصح مرات عن بعض هواجسه‎:‎

‎- ‎لا يريد أن يقع أحد - في الداخل أو الإقليم أو الخارج - في خطأ أن 30 يونيو كان انقلاباً ‏عسكرياً‎ .‎

‎- ‎لا يريد لقطاعات الشباب في الداخل أن يتصوروا أنه "حكم عسكر‎" .‎

‎- ‎لا يريد لأحد أن يشك أنه - أو أن القوات المسلحة كلها - في وارد انتهاز فرصة، وهو ‏يعرف أن العالم يتغير، وأن العصور اختلفت، وأكثر من ذلك فهو رجل يسيء إليه أن يظن ‏أحد أن رئاسة الدولة مكافأة مستحقة على خدمات أداها، وهو أول من يفرق بين جسامة ‏المسؤولية، ومكافأة الخدمة‎ .‎

وكان قوله على حسب ما سمعت: "أنه يريد للبلد أن يختار بحرية، وأن يجد بين المدنيين من ‏يحمل أمانة المسؤولية، وهو واثق من التزام القوات المسلحة بتسليم الشرعية إلى من يختاره ‏الشعب من دون إكراه، أو تدخل خارجي وضغط" . ويضيف عليه ما مؤداه: "أن هناك ‏كثيرين من أفراد الشعب وقواه يرونه أمامهم، ويحسنون الظن به ويرشحونه، لكنه يرجوهم ألا ‏يزيدوا من الإلحاح عليه، وأن يجدوا غيره . وأعرف أنه سُئل مرة إذا كان يمكن لأي اختيار ‏حر أن يجري خارج الواقع، أو خارج الممكن، أو خارج المحتمل، وكان رده: دعونا نبحث‎ .‎

هل تسمح لي أن أضيف شيئا، أنني كنت شخصيا أوافق الفريق السيسي على ما بلغني من ‏أسباب تردده، فقد كنت أفهم منطقه وأتفهمه، وكنت أكثر من ذلك أعرف حجم الضغوط في ‏الإقليم وفي الخارج وأتحسب لها . هل أعترف لك بشيء؟‎ .‎

في لحظة من اللحظات رحت أفكر في غيره، وخطر ببالي اسم الرئيس المؤقت عدلي منصور ‏‏. ماذا لو ترشَّح؟ هذا رجل قانون متميز وصل إلى رئاسة المحكمة الدستورية العليا في مصر ‏‏. وقد دعته الظروف إلى رئاسة الدولة مؤقتا، وقَبِلَ المسؤولية وتحمَّلها بنزاهة قاضٍ عادل، ‏يعرف القانون ويلتزم به‎ .‎

أكثر من ذلك فإنني قابلته مرة في أيامه المبكرة في بيت الرئاسة، وقد بدا أمامي متحفظا، وإن ‏بدا أيضا مستقيما مع نفسه ومع الظروف، ثم التقيت به بعد ذلك وأدهشني إلى أي مدى تمرس ‏مع التجربة، وتجلى فكره وانطلق خطابه . إلى جانب ذلك فهو نموذج مشرِّف لقيمة الحراك ‏الإنساني إذا ما تفتحت الفرص الطبيعية أمامه ليظهر قدراته الكامنة . كانت معرفة الناس به ‏في حدود عمله لا يتجاوزه، لكنه عندما وُضع موضع المسؤولية، تفتَّح استعداده وتجلى، وفي ‏ظرف ستة شهور استطاع تأكيد ما هو كامن داخله من قدرة واستعداد‎ .‎

وكنت أسأل نفسي أحيانا وأنا أتابع أداءه . . كم من القادرين المحتملين خسرتهم مصر حين ‏ضاعت عليهم فرصة الحِراك أيام مبارك؟ كم من الناس حجبهم وجود رجال مبارك على قمة ‏السلطة، رابضين في مقدمة الصف يعوقون حركة من بعدهم طوال ثلاثين سنة كاملة؟ ثلاثة ‏أجيال من الرجال والنساء القادرين تعطلوا وحُجبوا . . ثلاثة أجيال ضاعت، لأن رجال ‏‏"مبارك" أمسكوا بالقمة ثلاثين سنة، لا يتزحزحون عن مواقعهم، ولا يفسحون طريقا لغيرهم‏‎ ‎‎.‎

وبالفعل فإنني وبعد أن خطر ببالي ما خطر - ناقشت فكرة ترشح المستشار عدلي منصور مع ‏عدد من الأصدقاء المهتمين بالشأن العام، والذين تلح عليهم هموم الوطن وضرورات مستقبله، ‏وكان رأي كثيرين منهم يزكي الرجل ويشهد له . ثم عرفت أن الرجل بنفسه - وبأمانة ونزاهة ‏قاضٍ - قال إنه لا يستطيع أن يترشح لمانع قانوني يفرض عليه أن يرد نفسه عن الترشح . ‏وكان أكثر ما لفت نظري أن الرجل تصرَّف بصدق مع النفس ومع الناس، لكن إحساسي ‏بالمأزق الذي يواجه البلد زاد بنفس المقدار وربما أكثر‎ .‎

لماذا ظهر تعبير "مرشح الضرورة" من الأستاذ هيكل في توقيت كان الناس يريدون تجنيب ‏الرجل تبعات المنصب خوفاً على المؤسسة العسكرية؟

‎- ‎وهكذا فإننا عُدنا من جديد إلى عقدة العقد في هذه اللحظة . كل وطني في هذا البلد الآن ‏يطلب: حرية وعيشا وحياة عامرة بالكرامة والأمل . لكن الحقائق الاقتصادية والاجتماعية ‏والسياسية كما تعرف، والمطلوب يحتاج إلى شبه معجزة . . شبه معجزة ممكنة إذا توافرت ‏لها الشروط، عُبئت الإمكانيات، واستدعيت كوامن الإرادة القادرة على الأمل . في هذا الإطار ‏طُرح اسم "عبد الفتاح السيسي"، وقلت إنه "مرشح ضرورة"، ليس له أن يحجب غيره، وإن ‏كانت مقتضيات الحقيقة تشير إليه . بعضهم عتب عليَّ أن استعملت وصف "مرشح ‏الضرورة"، بمقولة أنه رجل وراءه شعبية جارفة تدفع به للرئاسة، ولم أر وجها للتناقض بين ‏الطلبين: شرط الضرورة - وشرط الشعبية الجارفة، ليس هناك تناقض بل العكس هناك ‏فرصة، وأن يكون مرشح الضرورة هو نفسه مرشح الاختيار، فذلك أدعى إلى الطمأنينينة‎ ‎

ويوما بعد يوم بدأت الحقائق تفرض دواعيها العملية، وكذلك دواعيها الشعبية، فقد ظهرت ‏أغلبية هائلة تدعو للرجل وتطالب به، وإن قلق البعض - وأنا واحد منهم - من مظاهر ‏مهرجان لا يحتاجه الرجل ولا يسمح به واقع الحال ولا مناخ الأزمة ولا جلال الثورة، ‏وأعترف أنني كنت ضمن هؤلاء القلقين، وكان ظني أن المبالغة أول أعداء الحقيقة، وأعرف ‏للإنصاف أنه في بعض اللحظات فكر أن يطلب إلى البوليس الحربي إزالة اللافتات ورفع ‏الصور المعلقة على الطرق والكباري، لكنه خشى أن يسبب ذلك حرجاً لبعض المتحمسين ‏والمتطوعين، وفضَّل أن يبعث إليهم جميعا برسالة تهيب بهم ألا يسيئوا إليه وهم يتصورون ‏أنهم يؤدون له خدمة - هو في الواقع لا يحتاجها‎ .‎

ما هي الضمانات التي يحتاج أي نظام قادم لتقديمها من أجل أن يحكم من دون منغصات مثلما ‏حدث في فترة حكم محمد مرسي؟

‎- ‎أحوال البلد خطيرة، ولا يملك أحد منا أن يفكر في المستقبل بالتشاؤم ولكن بالحساب، وأن ‏يواجهه بالتفاؤل الحذِر والمحسوب . هناك وطن وشعب، وهناك مستقبل وهناك طريق، ‏والمشاكل أكثر مما يتصور معظم الناس، والشعب المصري قادر على مسؤولية الأمل، وليس ‏لديه بديل آخر غير الأمل . لقد ضاع منا وقت طويل . . شردنا فيه عن الخطوط الاستراتيجية ‏الرئيسية للأمن القومي المصري، ونسينا فيها مصالح أغلبية الشعب ومطالبه، وحان الوقت ‏لنتصرف على نحو جاد، لأن التراخي إزاء المسؤوليات أو التخبط والقصور في الأداء لم يعد ‏متاحا لنا . هناك نظام جديد يوشك أن يقوم بفكر جديد، وبرؤية واضحة وإرادة مصممة، ‏ونحن لا نملك غير ذلك . واعتقادي أن هذا النظام القادم تلزمه ثلاثة ضمانات مُلِحَّة‎:‎

الأولى: رؤية واضحة محددة لشكل المستقبل على المدى القريب والتحرك نحوها، ثم خطة ‏قادرة على صنع المستقبل المرجو والمطلوب - والاستعداد لها‎ .‎

والثانية: أن قوى الشباب في مصر لابد أن ينفسح لها المجال واسعا، لكي تعرف، وتشارك، ‏وتتحمس لمستقبل هي من يملكه، لأنها هي من سوف يسكنه، وحتى إذا جرى بعض الجموح ‏فتلك طبائع الشباب، إضافة إلى أنه جزء من التجربة يتعلم فيها بالصواب والخطأ‎ .‎

والثالثة: أنه سواء في مرحلة الرؤية أو مرحلة الخطة، فإن البلد يحتاج إلى نوع من "التجمع ‏الوطني من أجل المستقبل‎" .‎

لا أظن أن المشير السيسي إذا وقع انتخابه سوف يشكِّل حزبا سياسيا، وإذا قيل أن التفاف ‏الجماهير حوله يكفيه، فلابد أن نتذكر أن التجارب السابقة علَّمت الجميع أن جماهير العالم ‏العربي كله كانت ضمن أهم العوامل التي حمت النظام الثوري في مصر، ننسى أحياناً أن قوة ‏أي نظام في مصر تكمن في تأثيره خارج حدوده ووضعه في إقليمه، والأوضاع حول مصر ‏الآن تمر بمرحلة حرجة تحتاج فيه إلى من يسندها، وهي لسوء الحظ لم تعد تطلب ذلك من ‏مصر، لأن أربعين سنة مما سُمِّي بمصر أولا ومصر أخيرا ومصر وحدها في سلام مع ‏‏"إسرائيل" وعلاقة خاصة مع "أمريكا" - بددت الكثير من قواعدها المساندة خارج حدودها ‏السياسية‎ .‎

وظني وهذه فكرة أتمنى لو أنها تُطرح للمناقشة، أن الرئيس القادم - أيا كان - وبعد انتخابه، ‏وبعد إتمام الانتخابات البرلمانية لاحقا - قد يجد مناسبا ولازما أن يدعو إلى نوع من التجمع، ‏تمثَّل فيه الأحزاب السياسية الشرعية، وينضم إليه عدد من رموز التيارات الرئيسية وضمنها ‏التيار الإسلامي البريء من ممارسة الإرهاب‎ .‎

جبهة وطنية - تجمُّع لا تذوب فيه القوى في بوتقة تنظيم واحد، وإنما يبقى كل طرف بما ‏يمثله، بحيث تكون السياسات وليس التشريعات، والتوجهات العامة وليس القوانين ذاتها وإنما ‏الدواعي المنشئة للقوانين على أساس الدستور - هي شاغل هذا التجمع، بحيث يكون هناك ‏اتفاق تتعدد مصادره على سياسات وتوجهات تصد عن البلد خطر استمرار ما نراه الآن من ‏منازعات ومشاحنات واستقطابات شديدة الحِدة، حتى تكون قوى الشعب حاضرة عند المنبع، ‏وقادرة عند المصب‎ .‎

كل الأمم يمكنها - في ظروف الحرب وفي ظروف الأزمات - أن تتجمع في نوع من الجبهة ‏الوطنية، لمواجهة المخاطر والمصائب . التشريع سوف يبقى بالطبع في مجلس النواب أو ‏مجلس الشعب . ولكن السياسات عند المنبع يمكن بحثها، ومناقشتها مبكرا، والاتفاق عليها في ‏جبهة وطنية تتعدد فيها الآراء، ويكون القرار في النهاية توافقا يدفع ولا يعطل، ويشجع الحوار ‏ولا يصادره . وفي كل الأحوال فإن مصر لا تستطيع أن تواصل تمزيق نفسها على العشاء ‏كل مساء على شاشات الفضائيات، ولا تستطيع أن تعذِّب نفسها على الإفطار كل صباح مع ‏صفحات الجرائد، وإنما لابد من صيغة، تحفظ التعددية اللازمة للديمقراطية، وتستدعي التوافق ‏الضروري للسلامة، وتقبل شراكة شباب من حقه أن يعرف، ومن حقه أن يعترض، دون أن ‏تكون مواجهة المعارضة بالأمن، وإنما بالتواصل بين الحاضر والمستقبل‎ .‎

التطور الأحدث والأبرز في الأيام الأخيرة هو زيارة المشير عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع ‏ونبيل فهمي وزير الخارجية لموسكو . كيف تري توقيت الزيارة، وتأثير التقارب في العلاقة ‏مع واشنطن، والأهم ماهي حسابات التقارب في بيئة متغيرة تختلف بالقطع عن سنوات ‏الشراكة المصرية - الروسية من الخمسينات إلى منتصف السبعينات؟

‎- ‎علاقاتنا بالعالم تحتاج إلى عملية ترميم وإصلاح ضخمة، فقد مرت علينا فترة ركزنا فيها ‏على علاقة واحدة، هي العلاقة بالولايات المتحدة الأمريكية . والخسارة مضاعفة، فنحن لم ‏نضع كل ما لدينا في السلة الأمريكية، ولكن الأخطر أن العالم راح ينظر إلينا باعتبارنا بالفعل ‏في هذه السلة، وأن أمرنا مفروغ منه ومواقفنا محددة سلفا إما بإشارات من واشنطن، أو ‏بإيماءات منها إذا لم نفهم الإشارة من أول مرة‎ .‎

ذلك الرهان الذي وضعته السياسة المصرية في وقت من الأوقات لم يخسر فقط في الحرب ‏والسلام، وإنما أثر أيضا في حلم التنمية، وفي حلم العمل العربي المشترك، وفي دور مصر ‏في الإقليم وفي العالم . ربما أن أكبر الأخطاء التي وقعنا فيها ضمن هذا الرهان هو العلاقة مع ‏الاتحاد السوفييتي الذي أصبح روسيا الآن‎ .‎

الروس لم يقصِّروا معنا وإنما توافقوا معنا على مصالح مشتركة، وليس دقيقا أنهم تعاونوا بكل ‏ما تصرفوا به معنا من أجل مصر وحدها، ولكنهم فعلوه بما كانت تمثله مصر في العالم ‏العربي، وفي إفريقيا، وفي العالم الثالث أيامها . كل تصحيح لعلاقاتنا مع القوى الكبرى لازم ‏وضروري، وكل جهد في هذا السبيل له قيمة، ومن المهم أن يتسع هذا الجهد لكي يصل إلى ‏مواقع كانت قريبة منا: الصين والهند وإفريقيا وأمريكا اللاتينية . هناك جهد كبير مطلوب، ‏لكن الخسائر الفادحة التي وقعنا فيها حين تحوَّلت علاقاتنا مع العالم إلى زيارات كرنفال: ‏طيارات تحط، وحرس شرف يصطف، وطوابير مدعوين تنتظر، ومآدب تُقام، ثم تعود ‏المواكب محمَّلة بالهدايا‎ .‎

ربما أن لي ملاحظتين على تغطية الإعلام المصري للزيارة‎:‎

‎- ‎أولاها: مقلق، بتركيز هذا الإعلام أكثر من اللازم على تعليق الرئيس الروسي بوتين، والذي ‏قال فيه إن ترشح المشير السيسي ينم عن شعور بالمسؤولية، لا أعرف مبرراً لهذا التركيز، ‏سوى عادة وقعنا فيها خلال زمن انسحابنا من العالم، وشوقنا إلى كل شهادة تُعطى لنا، لكن ‏التركيز على الزيارة كانت مفيدة بالتأكيد ومستحقة . والزيارة كانت ردا على زيارة سبقتها من ‏وزير الدفاع الروسي ومعه وزير الخارجية، وردها جاء من وزير الدفاع ووزير الخارجية . ‏صحيح أن وزير الدفاع الروسي حين زار القاهرة، كان المشير السيسي هو وزير الدفاع، لكنه ‏الآن مرشح للرئاسة، وأظن أن الإعلام المصري كان عليه أن يرد المسائل إلى أصلها وفي ‏إطارها من دون إيحاءات تخلط الوزير بمرشح الرئاسة . . أظن أننا في هذه الفترة الحرجة ‏نحتاج إلى تجنُّب خلط الأوراق، خصوصا بواسطة الإعلام الرسمي أو غير الرسمي‎ .‎

‎- ‎والملاحظة الثانية: أن الإعلام صوَّر الزيارة وكأنها استعادة لدور مصر الإقليمي والدولي، ‏وتلك مبالغة خطرة، لأن الشوط أمامنا مازال طويلاً - وطويلاً جداً‎ .‎

دعوا السيسي يتحرك بهدوء ويتحرك بثقة، من دون أن نحمِّله أعباء مبالغات إعلامية تثقل ‏عليه من دون مقتضى . وربما علينا أن نتذكر أن الرأي العام عندنا وحولنا وبعيدا عنا يتشكل ‏بالانطباع أكثر مما يتأثر بالاقتناع . بوتين قال ملاحظة وهي صحيحة، لكن التركيز عليها ‏بأكثر مما هو لازم للسياق، قد يعطي انطباعا يخرج بها عن القصد والمقصود . إضافة إلى ‏ذلك فإنه لا يصح أن يُقال إن زيارة موسكو قلبت الموازين الإقليمية والدولية‎ .‎

ساعة ونصف الساعة في اجتماع بين وفدين، وربع الساعة لقاء ثنائي كرجلين . والموازين ‏في الزمن الجديد لها حسابات أخرى، ولها قواعد لابد أن ندرسها، وببساطة فهذا ليس زمن ‏الحرب الباردة، ومن الخطأ اعتماد منطقها في زمن لم يعد زمنها‎ .‎

بما تنصح المرشحين في السباق الرئاسي الجديد؟

‎- ‎الساحة الانتخابية هذه المرة تحتاج من كل المرشحين إلى خطاب من نوع مختلف‎ .‎

والسبب أن البلد عند مفترق طرق لا يحتمل الخطأ، وإنما يحتمل الصواب فقط، ولذلك عليه أن ‏يتوقى الحذر . وهناك مدرستان في الخطاب الانتخابي عادة: خطاب من الأحلام الوردية ‏يتصور بعض الناس أنه يكسب الأصوات على أساس أن حساب الأحلام الوردية يجيء بعد ‏الفوز وبعد السلطة، ووقتها لكل حادث حديث . وخطاب يعتبر أن أحلام الورد مناسبة لأيام ‏الاحتفال، وأما أوقات العمل الجاد، خصوصا لمواجهة تحديات مصيرية، فإنها تحتاج إلى ‏خطاب المصارحة، واستدعاء الإرادة بعده‎ .‎

كلا المدرستين في الخطاب معروفة في منافسة الانتخابات، وفي ساحة السياسة عموما، وحتى ‏في ظروف الحرب . ولعل أظهر الفوارق بين الخطابين هو ما عرفناه من خطاب الحرب ‏العالمية الثانية‎:‎

‎- ‎خطاب أدولف هتلر الذي بدأ الحرب العالمية الثانية بحلم وردي يضمن لألمانيا سيادة كاملة ‏على أوروبا، ولألف عام من سيادة الرايخ الثالث الذي أسسه جامعا للأمة الألمانية بأسرها‎ .‎

‎- ‎ثم هناك خطاب ثانٍ قدمه ونستون تشرشل حين تولى رئاسة الوزارة البريطانية زمن ‏الحرب، وحليفه الرئيسي زمنها - فرنسا - يستسلم أمام هتلر، والجيش البريطاني في أوروبا ‏ينسحب انسحاباً كاملاً وغير منظم أمام جحافل المدرعات الألمانية، من ميناء دنكرك عائدا ‏إلى بريطانيا، ووقف تشرشل وقتها يقول للشعب البريطاني: "ليس عندي ما أقدمه لكم غير ‏العرق والدم والدموع" . وكان هتلر بحديث الورد غارقا في الأوهام‎ .‎

وكان تشرشل بمواجهة الواقع صادقا في تصوير الحقيقة . وانتهت الحرب العالمية الثانية، ‏والنتيجة‎:‎

‎- ‎خطاب هتلر الوردي وأحلامه بالرايخ الذي يعيش ألف عام وصلت إلى تدمير الرايخ الثالث، ‏واستسلامه بلا قيد أو شرط، وانتحار هتلر نفسه بعد أن أوصى بحرق جثمانه حتى لا يمثل ‏الغزاة بجثته، ولا تزال معالم مخبئه الأخير مزارا سياحيا موجودا وراء بوابة براندنبورغ، ‏يقصد إليه بعض السواح ليتذكروا‎ .‎

‎- ‎وخطاب "تشرشل" بالحقائق عبَّأ بريطانيا بقدر حجم التحدي، ووصل إلى الجائزة المطلوبة ‏في أي حرب، وهي جائزة النصر . ينسى بعضنا قواعد بدهية في صراعات الأمم‎ .‎

‎- ‎الشجاعة من دون معرفة - مهانة‎ .‎

‎- ‎والمعرفة من دون شجاعة - عجز‎ .‎

والقاعدة الذهبية في الصراعات أن تجتمع الإرادة والحقيقة في نفس الموقف، خصوصا إذا ‏كان الموقف أزمة شبه وجودية، أو وجودية بالفعل . لكن بعضنا يتفاءل ويتشاءم . يريد أن ‏يسمع الكلمة حلوة لأنها تشيع الراحة . ولا يريد أن يسمع الكلمة واضحة لأنها تشيع الإحباط . ‏يقيني أن خطاب الانتخابات المقبلة مطالب بأن يؤجل ولو مؤقتا مواسم الورد، وأن يواجه ‏بشجاعة مطالب الحقيقة، لأن السنوات المقبلة سوف تكون اختبارا بين مستقبلين‎:‎

‎- ‎مستقبل تتحول فيه مصر بأحلام الورد الواهمة - إلى دولة فاشلة . . كل الزهور تذبل ‏صباح اليوم التالي‎ .‎

‎- ‎أو مستقبل تتحول فيه مصر بشجاعة معرفة الحقيقة واستدعاء الإرادة - إلى دولة قادرة ‏على العصر، ومواكبة للتقدم . يظل اعتقادي بأن صوت التنبيه إلى الأزمات أكثر لزوما من ‏اللجوء للتمويه على حقائق هذه الأزمات . ولست أعرف حتى الآن لماذا يكون التحذير ‏إحباطا، ولماذا يكون التمويه أملا؟ . مازلت أتذكر تجارب عديدة مباشرة آخرها تجربة تخص ‏الرئيس الأمريكي باراك أوباما، كان داخلا إلى البيت الأبيض وسط حفاوة عربية تبشر به ‏رجلا قادرا على فهم قضايا العرب ونصرتهم، فهو باللون، وبدماء إفريقية في عروقه، ‏وبإيحاءات إسلامية تظهر حتى في اسمه: باراك أوباما (باراك أصلها بركات، وأوباما ‏تصحيف لأبو عمامة)، وهذا معناه أن أصول الرجل: عربية (بالاسم)، إسلامية (بالعمامة)، ‏بل وإن أحد أحباء الرئيس الأمريكي الجديد كان في الأصل شيخ طريقة‎ .‎

وأجريت حديثا في ذلك الوقت مع جريدة "الشروق"، أداره معي عدد من أقدر وألمع ‏الصحافيين في مقدمتهم الصديق الراحل الأستاذ سلامة أحمد سلامة، وفي هذا الحديث أبديت ‏مخاوفي من أن أوباما لن ينجح، ولن يفهم، ولن يحسم، وأبديت أسبابي، وكان أكثر ما أثار ‏دهشتي أن كثيرين ردوا عليَّ بدعوى إثارة الإحباط، وأتذكر ردا موجها إليَّ نشرته الشروق ‏أيضا، وكان عنوانه مباشرا يقول لي: "بشِّر ولا تنفِّر يا أستاذ هيكل" . ولم أكن أريد أن أبشِّر ‏أو أنفَّر، فتلك ليست مهمة صحافي، وإنما مهمة الصحافي أن يتابع ويرصد، وأن يعرض ‏ويحلل قدر ما يرى من الحقيقة، ووفق ما يتقصى من احتمالاتها . باختصار المعركة ‏الانتخابية القادمة يتحتم أن تكون خطابا واضحا صريحا، وليس إنشائيا مراوغا أو مداورا‎ .‎

أحلام الورد بلا مستقبل، والحقيقة هي المستقبل، مع أني أعرف أن الدواء مر، والمخدر مريح ‏‏. لا تنفع البشارات إذا لم تساندها حقائق - البشارات بغير حقائق على الأرض قش طائر ‏تتلاعب به الرياح في يوم عاصف‎ . ‎

أعلم موقفكم من شخص حمدين صباحي وتقديركم لتاريخه، لكن إعلانه الترشح ربما ينطوي ‏على كثير من النقاط الخلافية في تلك المرحلة . كيف تقرأ قراره؟

‎- ‎دخول الأستاذ حمدين صباحي إلى حلبة السباق الرئاسي ظاهرة طبيعية، وهي أيضا ظاهرة ‏طيبة، والأسباب كثيرة: هذا رجل يملك مواهب سياسية تجلت منذ أن كان ناشطاً طلابياً في ‏الجامعة، ثم نمت هذه المواهب حتى أصبح جاهزا للعمل السياسي العام . هذا رجل لديه تجربة ‏سياسية، أخذته إلى مواقع معتبرة في الساحة العامة . وهذا رجل جرب معركة رئاسية حصل ‏فيها بالفعل على ملايين الأصوات . وهذا رجل تتحلَّق حوله جماعات من الشباب متحمسة . ‏وهذا رجل لديه طموح - والطموح حق لكل همة . مُضافا إلى هذه الأسباب أن دخوله إلى ‏الحلبة صحي، وإلا أصبحت ساحة الانتخابات خالية من روح المنافسة، وهي مناخ الاختيار‎ .‎

لكن لدى حمدين مشاكل، ولديه محاذير‎ .‎

المشاكل‎:‎

‎1- ‎أنه بعيد عن الساحة العالمية‎ .‎

‎2- ‎أنه لم يتولَ مهام في التنفيذ أو التخطيط تثري معارف النظرية العامة‎ .‎

أما المحاذير فهي‎:‎

أولا: هذه اللحظة الصعبة والمعقدة قد لا تكون لحظته . وثانيا: أنه مازال في سن شباب، ‏‏(حتى وإن كان شبابا نسبيا)، وفي مقدوره أن ينتظر لحظته‏‎ .‎

وكان أن الرجل فكر طويلا وانتظر كثيرا ثم حزم أمره ودخل، وأظن أنه حسنا فعل، وإن ‏كنت أشفق عليه من محددات على حملته الانتخابية تفرضها الحقائق وليس المجاملات، وأمامه ‏سؤال عصي وهو: - كيف يستطيع تقديم نفسه، من دون تجاوز في حق منافسه، خصوصا إذا ‏كان هذا المنافس يملك أرصدة قبول هائلة لدى جماهير الناخبين؟ . إنني ضمن هؤلاء الذين ‏يتمنون أن يجد حمدين صباحي إيقاعه الصحيح في حملته الانتخابية، وقد بدا لي عندما أعلن ‏اعتزامه ترشيح نفسه أن إعلانه جاء بميزان ذهب، لكن المشكلة هي: هل يستطيع أن يحتفظ ‏بميزان الذهب عندما تقترب العملية الانتخابية من مرحلتها الحاسمة؟ . هل يستطيع أن يضبط ‏كل الأعصاب؟‎!‎

أعصابه هو يقدر عليها، وأما أعصاب غيره من جماعته، فهل تقدر؟ . المشكلة الرئيسية هنا ‏أن قوى المستقبل على تنوع أطيافها تجمعها شراكة أمل، لكن الحماسة المشحونة قد تأخذ ‏الناس إلى أبعد مما تقتضيه أسس هذه الشراكة‎.