أحراش ... وأفيون .. وكرة مُذهبة! (عمر حمَّش)

12:33 2014-02-14

يوم امتلك حسن صديقي تلك الكرة ؛ رقّصها ... مطاطيّةً ملوّنة .. غلبَ عليها لونُ الذهب . .. أبوه كان صاحب مقهى .. أسمر نحيفا .. كنتُ إن رأيتُه .. تخيلته يعلكُ قطعة الأفيون التي دسّها تحت لسانه ..!

هذا ما رددته على مسمعي نسوةُ حارة مخيمنا الصغيرة ..!

في بيتنا ترددتُ طويلا من قبل أن ألقي قنبلتي .. واطلب كرة مماثلة .. أنطّطها على الجدارِ . .. فورًا قام أبي .. دكّني دكّا .. كمن ينهي أمرًا مسرعا .. !

حين انفلتُ .. قفزتُ .. !

في الزقاقِ ... رمقني حسن .. ثمَّ انفجر ضاحكا .. فصرتُ فوقه في ثوانٍ .. رميتُه .. ومزقت كرته .. وحين سمعت انفجارها .. ارتاح قلبي .. !

أنا أيضا أنهيتُ أمرا حاسما!

أمُّ حسن السمينة جاءت تهدُر .. رأيتُها عن بعدٍ على عتبتنا .. تقفُ .. وتدقُّ .. سمعتُ صياح أمّ حسن السمينة .. ورأيتُ أمي من خلفِ أبي تحرك يديها .. فابتعدتُ كثيرا!

أمّ حسن هاته بعد شهورٍ ستموت .. ونسوة حارتنا سيهمسن على مسمعي : قتلها أفيونه!

هربتُ إلى الأحراش .. أغواني رملُه الأصفر المنفوش .. والمنقوشُ بأرجل السحالي .. وناغتني من فوقي بلابل أشجار الأكاسيا .. تعمقت .. وهرولتُ مبتهجا .. أسائل التلالَ عن آخر الدنيّا .. هناك .. وعند نهاية الدنيا فاجأتني الكلابٌ .. من فوق تلةٍ عالية .. رفعت آذانها .. وأخفضتها .. ثمَّ هوّت نازلة ..!

لم أدر كيف جريت .. ولا كيف نجوت .. ما أدريه فقط .. أنّ وجهي انتفخ .. وأنَّ عينيّ من كدمات الأغصان تورمتا!

.. عدتُ للحارةِ .. لكنّي لم أجرؤ على الاقتراب من بيتنا .. فخطوت معاكسا العمران .. هناك .. حيث شجر الجميز الواقف على حافة الطريق المؤديّة إلى غزة ..

استقبلتني أشجارُ السبيل .. بلا حارسٍ .. وبلا مدافع .. فارتميتُ في ظلها الهائل .. شرعتُ أرقبُ ثمارها الصغيرة الحمراء .... في حارتنا سمعت النسوة دوما يقلن : هذه شجرة الجميز شجرة نحسة .. هي من جلبت لنا يهود العالم .. سمعتهن أيضا يقلن: الحركة الصهيونيّة كانت تقول لليهود : هناك ستجدون شجرة تحمل سبعة بطون!

لكني كنتُ جائعا .. فتسلقتُها .. ملأتُ بطني .. وجيوبي .. ولمّا نزلتُ .. راقت لي على الأرضِ حبّاتٌ جفّت ... فجمعُتها!

في الليل .. حين كنت قرب بيتنا مثل لصٍّ صغير .. أمسك بي أبي .. رجته أمّي ألا يضربني .. كنت مًعلّقًا في يدِه ... أنتظر .. حتى حذفني فجأة .. وأقسم لها أن يذبح فراخها كلّها!

صرخت هي .. لمرأى فراخها تقع من تحته سكينه واحدة من بعد أخرى!

لم أدر إن كانت أمّي قد ندمت لأنّها حمتني ...!

لكنّ ما أدريه فقط .. أن عقلي من لحظتها شرع يسأل:

كيف قتل الأفيون أمَّ حسن؟

ولمَ كانت الكرةُ المُذهبة علينا مستحيلة؟!