بعد فشل الإخوان فى مصر.. التنظيم الدولى للإخوان يختار الغنوشى رئيسًا له

تابعنا على:   07:30 2013-10-15

أمد/ القاهرة: افادات صحيفة "التحرير" المصرية أنه تأكد مؤخرا الأنباء التى ترددت فى مطلع شهر أكتوبر ٢٠١٣ حول اختيار التنظيم الدولى للإخوان المسلمين رئيس حركة «النهضة» التونسية، راشد الغنوشى، رئيسا له. وأكدت الأنباء أيضا أن الاختيار تم فى تركيا تحت إشراف رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان، رئيس حزب العدالة والتنمية الإسلامى الحاكم. وبصرف النظر عن صحة هذه الأنباء ودقتها من عدمه، فالتنظيم الدولى، على الرغم من فشل تيارات الإسلام السياسى وتراجع شعبيتها، يكاد يقترب نفوذه من نفوذ وتأثير الدول العظمى، لما يملكه من أموال ضخمة ودعم من الولايات المتحدة وحلفها الأوروأطلسى، ولما يملكه أيضا من علاقات متفاوتة مع التنظيمات الإرهابية فى كل دول العالم تقريبا.

لقد أصبح راشد الغنوشى، أحد أهم منظرى حزب العدالة والتنمية الإسلامى فى تركيا وزعيم حركة النهضة فى تونس والذى عاد إليها من لندن يوم ٣٠ يناير ٢٠١١ ليقفز على الثورة التونسية، أصبح القائد والمرشد الأعلى للتنظيم الدولى للإخوان المسلمين الذى يمارس أهم وأخطر دور فى تاريخ شمال إفريقيا والشرق الأوسط. من الصعب مقارنة التنظيم الدولى وتحالفه مع الولايات المتحدة وحلفها الأوروأطلسى وإسرائيل بأى مرحلة من مراحل انحطاط المنطقة الشرق-أوسطية وشمال إفريقيا. فالمرحلة الحالية متفردة وغنية بالعوامل والظروف الموضوعية والذاتية والتاريخية. ومن ثم يمكن أن ننظر إلى التنظيم الدولى للإخوان المسلمين باعتباره بداية لمرحلة تاريخية جديدة وصفحة فى المشهد السياسى والاجتماعى للمنطقة تجرى كتابتها بأحدث أدوات التزوير والتضليل التاريخى والاجتماعى والسياسى والاقتصادى.

إن انهيار تجربة التنظيم الدولى فى مصر، وفشلها اللاحق فى تونس تحديدا، لا يمكن أن نعتبرهما فشلا كاملا للتنظيم، وذلك لأسباب كثيرة، على رأسها ارتباطه الوثيق بمخططات وسيناريوهات التكتل الأمريكى الأوروأطلسى من جهة، وتركيا الأردوغانية ذات الامتدادات التاريخية العثمانية من جهة أخرى. وكذلك الدعم غير المحدود من جانب الأطراف السابقة للتنظيم، على اعتبار أن أى هزيمة له هى هزيمة مباشرة لتلك الأطراف وهدم لخططها فى صياغة شكل معين للمنطقة تحت حكم حليف قادر على قيادة قطعان من البشر تحت ستار الدين، وحليف قادر أيضا على تنفيذ معادلة توازن جيوسياسية وعسكرية وأمنية تضمن أمن إسرائيل وتواجه أحلافا وتكتلات وقوى إقليمية ودولية أخرى. إضافة إلى التزام هذا الحليف بتعهدات واتفاقات مسبقة بتوفير المواد الخام وحراسة طرق نقل الطاقة وفتح أسواقه أمام الأطراف الحليفة وإغلاق أبواب المنطقة أمام أى أطراف معادية أو منافسة لحلفائه الغربيين.

لا أحد يفهم التركيبة النفسية والذهنية للأنظمة الحاكمة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلا الولايات المتحدة ودول الاستعمار الأوروبى القديم. وبالتالى، من الصعب أن نندهش أمام تصميم الغرب على المضى قدما فى دعم تيارات الإسلام السياسى والقوى اليمينية الدينية المتطرفة بعد أن كان يدعم الأنظمة الاستبدادية لعشرات السنين. الآن، تتغير البوصلة قليلا، حيث تتبادل قوى الاستبداد والفاشية مواقعها، بينما الغرب لا يريد أن يقضى تماما على فلول حلفائه القدامى لأسباب كثيرة يمكن أن تُفْرَد لها مقالات ودراسات طويلة. كل ما فى الأمر أن القوى الدولية الحليفة للتنظيم العالمى للإخوان المسلمين والداعمة له تدق الإسفين بينه وبين القوى القديمة التى لا تزال فى السلطة، أو تحاول العودة إليها. بينما تتحول بعض الدول مثل مصر إلى ساحة للصراع بين حلفاء الغرب: القدامى والجدد، وكل منهما يستخدم «الشعب» و«القطيع» وكل الوسائل الممكنة لاستعراض قوته باسم الأمن القومى تارة، وباسم حقوق الإنسان تارة أخرى، وباسم الدين تارة ثالثة. والمثير للانتباه هنا، أن خطاب السلطة الجديدة فى مصر لا يبالى بأى تغيرات أو تحولات جرت خلال عقود طويلة، إذ يعود إلى خطاب خمسينيات وستينيات القرن العشرين. الخطاب المصرى الرسمى الجديد، حتى وإن كانت أولى الهزائم الحقيقية للتنظيم الدولى للإخوان المسلمين كانت فى مصر، يعانى من ماضوية عقيمة ولا يقف على أى من الأسس التى تأسس عليها خطاب مر عليه أكثر من نصف قرن، كان يواجه الاستعمار القديم ويسعى لإقامة دولة الاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية ووحدة الأرض. وبصرف النظر عما تحقق من خطاب الماضى، إلا أن الخطاب الماضوى الجديد لا يقف على أى أسس سوى أنه أنهى حكم تنظيم الإخوان ودق مسمارا فى نعش التنظيم الدولى للإخوان، بينما يتجاهل تماما كل التحولات والمتغيرات التاريخية والاجتماعية والعلمية – التقنية التى جرت، ولا يمكن التعامل معها باستهتار بحجة الأمن القومى أو صيانة وحدة البلاد وأمنها القومى. فمن الواضح أن الإنسان نفسه، الذى يقال كل هذا الكلام باسمه، غير موجود أساسا فى أجندة النظام الجديد. هذا هو الفرق بين خطاب خمسينيات وستينيات القرن العشرين وبين خطاب بداية الألفية الثالثة الذى يحاول دفع التاريخ إلى الوراء ولا يبالى بأى من التحولات التاريخية الطبيعية.

إن التجربة المصرية التى لم تنته بعد توضح مدى حدة الصراع وانحطاطه. ومع ذلك، لا توجد أى ضمانات لاستمرار هزيمة الإخوان المسلمين وتنظيمهم الدولى، ولا توجد أيضا ولو ضمانة واحدة لبقاء النظام الحالى فى مصر، نظرا لأن الصراع يأخذ مستويات أخرى وحلقات جديدة تتجه نحو المأساوية وانهيار الدولة والمجتمع فى ظل التحالف المطلق للقوى اليمينية الدينية المتطرفة مع الغرب، وفى ظل ميراث التسلط والاستبداد والماضوية التى يتعامل بها النظام الحالى، ضاربا عرض الحائط بالأسس والمقومات والعوامل الحقيقية والمعاصرة، وعلى رأسها القوى الوطنية والشعبية التى لم تكن طرفا فاعلا لا مع نظام مبارك الاستبدادى ولا مع نظام الإخوان الفاشى. وبالتالى، فالاستمرار على هذا النحو يعطى انطباعا واقعيا بإمكانية العودة إلى ما قبل ٢٥ يناير ٢٠١٣وتغول الأجهزة الأمنية والحفاظ على خط الفقر ومشاهد العشوائيات والارتباط بالغرب حصرا. وهذا بالضبط ما تريده الولايات المتحدة وحلفاؤها الدوليون والإقليميون. ويا حبذا لو تم الحفاظ على هذا الإيقاع – الصراع لسنوات طويلة يمكن خلالها ظهور متغيرات جديدة لصالح هذا الطرف أو ذاك، أو تطور التنظيمات والجيوب الإرهابية لتصبح شريكا غير مباشر فى حكم هذه الدولة الفاشلة أو تلك. ومن أكبر الإشارات والمؤشرات التى تؤكد أن الولايات المتحدة لا تعرف فقط التركيبات النفسية والذهنية للأنظمة الحاكمة والعديد من القيادات العسكرية، بل وأيضا قطاعات واسعة من الشعب المصرى وقيادات أحزاب المعارضة والنخبة، أن أنباء تجميد أو تأجيل بعض فروع المساعدات الأمريكية لمصر ضاعف من شعبية الفريق عبد الفتاح السيسى، وإمكانية مجيئه رئيسا شعبيا منتخبا بجدارة واكتساح، وكأن لا بدائل أخرى سوى المؤسسة العسكرية والأمنية أو قوى الإسلام اليمينى المتطرف بعد تطهيرها أمريكيا وأوروبيا وتغيير اسمها إلى «الإسلام الديمقراطى الجديد». وفى الوقت ذاته، نرى ترحيبا ضمنيا بالتئام شمل التنظيم الدولى للإخوان تحت قيادة رجل تركيا وبريطانيا راشد الغنوشى الذى يحتمى بمجموعة من المنظرين السوفسطائيين من أمثال المنصف المرزوقى.

هكذا تتطور الأمور بالنسبة إلى التنظيم الدولى للإخوان المسلمين، ليصبح بالفعل دولة غير واضحة الحدود، ولكنها غنية بالأموال والحلفاء ولديها حرية الحركة والإقامة ليس فقط فى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والعديد من الدول الإفريقية وأفغانستان وكوسوفو والعراق وليبيا وسورية والسودان وتركيا وقطر، بل وأيضا فى الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية.

اخر الأخبار