الشعب يريد ضمانات

09:59 2014-02-14

جميل مطر

مصر الراهنة، حين تتعامل مع دول عربية فهي تتعامل، شاءت أم أبت، من موقع دولة نشبت فيها ثورة مع دول لم تنشب فيها ثورات، وحريصة كل الحرص على أن تخلع مصر عن نفسها رداء الثورة

ناصريون في كل مكان. ناصريون على شاشات التلفزيون وفي الإذاعات والصحف وفي وسائط التواصل الاجتماعي. آمالهم كبار، هم وأعداد متزايدة من المتشيعين لهم، يعتقدون أنه لا يوجد حل للأزمة السياسية المصرية إلا باستعارة "التجربة الناصرية" بكل عناصرها. بالزعيم المنقذ، والجيش الوطني الحامي له، وتجمع أو تنظيم أو جبهة وطنية تساند وتشجع وتشترك في حماية النظام، ومجموعة شعارات أو عناوين لأحلام وطموحات، ونخبة مختارة من الكفاءات محل الثقة لإدارة شؤون الدولة خلال فترة إعادة البناء ودور جاهز لمصر في عالمها العربي.

حنين طاغ لمرحلة حلت بمصر في أعقاب فوضى سياسية كبيرة وعمليات تخريب وتدمير من جانب جماعات من الغوغاء وتجربة تمرد من جانب الشرطة وأحداث عنف في المدارس والجامعات. حلت المرحلة لتستعيد لمصر الاستقرار وللقضاء على جماعات الغوغاء والبلطجة التي نشرت الحرائق في أنحاء العاصمة وتوقيف عناصر الفساد في قمة السلطة، سواء في القصر الملكي أو خارجه، ومنع استشرائه في أنحاء الوطن.

هنا ينقطع، أو يجب أن ينقطع، حبل التشابه بين الأزمتين، أزمة مصر في أوائل 1952 وأزمة مصر في أوائل 2014. إنه الحبل الذي أراه وقد أمسك به الكثيرون يحاولون بكل الجهد أحيانا وبالاختلاق وإعمال الخيال أحيانا أخرى، أن يمدوه طويلا وكثيرا حتى تبدو الأزمة الراهنة صورة مكررة لأزمة قديمة. رأيتهم يذهبون إلى أبعد الحدود وراح خيالهم يشق عنان التاريخ. سمعت من يقول أن حربا باردة كانت ناشبة بين القطبين الأعظمين، وها هي تكاد تنشب من جديد. وسمعت من يردد بثقة أن مصر كانت لتوها خارجة من حرب ضد إسرائيل وواجبها الاستعداد لحروب أخرى، وها هي مصر مشتبكة في حرب ضد إرهاب أخطر من إسرائيل ومن الصهيونية العالمية وواجبها الاستعداد لحرب طويلة مع هذا العدو الأخطبوطي، المعتمد على مؤامرة أميركية ـ ماسونية ـ يهودية. وعن الظلم الاجتماعي يتحدثون، فالفجوة في الدخول ومستوى المعيشة بين الاقطاعيين وملاك الأراضي والفلاحين كانت رهيبة في اتساعها، لا يعادلها إلا الفجوة الراهنة في الدخول ومستوى المعيشة بين رجال الأعمال من ناحية وسكان العشوائيات وقلوب المدن من ناحية أخرى.

كانت لنا أرض في سيناء يهيمن فيها ويعسكر الاستعمار البريطاني ويمنعنا من استغلالها وتنميتها، ولنا اليوم أرض هناك يعبث فيها الإرهاب الإسلامي فسادا وعنفا. كان لنا في أميركا أمل وحلم. الأمل أن تقف في المحافل الدولية إلى جانب مصر ضد الإنكليز والحلم أن تمد جيشنا بالسلاح. ولم تمض شهور إلا وتحول الأمل سرابا والحلم كابوسا. تصادمت الإرادتان، إرادة الهيمنة وإرادة الاستقلال الوطني. كل هذا متوفر الآن في ظل أجواء غائمة وأمواج متلاطمة. موجود الأمل والحلم ومعهما، في اللحظة نفسها، خيبة الأمل والكابوس والرغبة في الهيمنة والحاجة إلى تأكيد الاستقلال الوطني.

بال مصر في 1952 كان مشغولا بأطماع العراق في سوريا، وبخطط وأطماع الملك عبدالله في فلسطين، وبراديكالية السياسات والانفعالات السورية ابتداء من خرق الأعراف الدولية بشراء سلاح سوفياتي إلى ممارسة هواية الانقلابات العسكرية باعتبارها الوسيلة الأسرع لحماية مصلحة أو أخرى من مصالح القوى الغربية والوسيلة الأسرع لعسكرة العمل السياسي في سوريا، وكسر شوكة القوى الأيديولوجية في المنطقة.

بال بعض حكام مصر الآن، أو على الأقل ما ظهر لنا من هذا البال، مشغول أيضا بالهلال الخصيب الممتد من النهرين إلى مياه المتوسط، مشغول بالفوضى الطائفية المدمرة في العراق وبالمستقبل المرعب الذي ينتظر شرق أوسط جديدا من دون سوريا أو بسوريا أخرى يعكف على صنعها أو تأليفها متخصصون في مراكز بحوث غربية. مشغول أيضا بلبنان حيث يجري يوميا اختبار أو آخر لتوازنات القوة في الشرق الأوسط.

إلى جانب هذا كله، أتصور أن بال من يحكم مصر هذه الأيام، ومن يستعد لأن يتحمل تبعات الحكم بدافع الضرورات أو بدوافع أخرى، لا بد أن يكون مشغولا بكل جديد يطرأ على أحوال تونس. لا أحد في موقع سلطة في مصر، الآن أو في المستقبل، يجازف بنسيان حقيقة تاريخية رسخت في وجدان المنطقة، خاصة في وجدان الشعبين التونسي والمصري، وهي أن سيرة انفتحت هناك ولم تغلق. ستبقى مصر من الآن فصاعدا تحمل هموم حماية حدودها وأجوائها ومدنها ضد العواصف القادمة من ليبيا، وضد تداعيات سودان تمزق ومهدد بتمزق أشد، وستبقى لفترة قادمة غير قصيرة مترددة في اختيار الأسلوب الأمثل في التعامل مع أفريقيا الغاضبة حينا والمتحاملة علينا والقاسية ضدنا حينا آخر، مدفوعة بمصالح وقوى خارجية، ولكن وهو الأهم خائبة الأمل لإهمال بدر منا وتجاهل وتعال.

ظروف الأزمتين تبدو متشابهة في نظر كثير من الذين يحنون إلى مرحلة، أغلبهم لا يعرف تفاصيلها وبعضهم لا تهمه التفاصيل، وأغلبهم لا يعرف حقائق استجدت وبعضهم لا يريد أن يعرف. أقول لهؤلاء إنه حتى وان تشابهت الظروف إلى أقصى حد ممكن، لا تراهنوا على أن الطريق الذي سلكه الأوائل يصلح لأن يسلكه الأبناء والأحفاد بعد ستين عاما. الحنين قد يخفف بعض الأوجاع وقد يحمل بعض الناس على جناحيه نحو عوالم أخرى لا تمت للواقع الأليم بصلة. الحنين قد يفيد في تنشيط الذاكرة الوطنية وفي تأهيل القادة والحكام مثله مثل التمارين الذهنية. ولكن استنساخ نظام حكم بحذافيره وفلسفته بدافع الحنين لن يحقق «أوتوماتيكيا» إنجازات حققها النظام الأصلي، وتجربة الصين في هذا المجال رائدة. فالحنين الجارف في الصين لتجربة الرئيس ماو تسي تونغ لم يحفز قادة الحزب الشيوعي الصيني على استعادة الماوية نظاما للحكم.

أفهم شعور رد الاعتبار لدى البعض. ها نحن نعود برهانا على أن التجربة كانت ناجحة وما زالت صالحة. أفهم أيضا عجز هؤلاء الذين لم يجدوا بديلا عصريا يغني عن العودة لسلوك طريق كان ممهدا بأدوات عصره وإمكاناته ولا أظن انه يتحمل تكنولوجيات عصرنا بتعقيداتها وارتباطاتها الخارجية. كذلك لا أظن أنه، وهو منزوع من بيئته التاريخية والاجتماعية، قادر على التعامل مع النظام العربي الراهن على الأسس نفسها التي تعاملت عليها مصر في الخمسينيات من القرن الماضي. مصر الراهنة، حين تتعامل مع دول عربية فهي تتعامل، شاءت أم أبت، من موقع دولة نشبت فيها ثورة مع دول لم تنشب فيها ثورات، وحريصة كل الحرص على أن تخلع مصر عن نفسها رداء الثورة. أظن، وأنا مستند في ظني هذا إلى أحكام التاريخ، أن مصر في ظل حكومتها الراهنة أو القادمة لن تكون قادرة في أي وقت منظور على أن تنخلع عن ثورتها وربما لن تريد بمشيئتها الحرة أن تفعل ذلك، والأسباب كثيرة وراء اقتناعي بهذا الظن أو الرأي. أبسط هذه الأسباب وأقربها إلى تجارب السياسة والحكم، هو أن شرعية حكام مصر ولفترة قادمة غير قصيرة ستبقى معلقة بالثورة وبما أفرزته من قيم وأهداف، تحققت أو لم تتحقق.

أعرف أن عودة مصر إلى ممارسة نشاط معتبر في النظام العربي ضرورة لا غنى عنها، ضرورة وجود وليست ترفا قوميا أو زهوا وطنيا. ولكن للعودة الكريمة شروطها، أهمها أن تتم بالأفعال وليس بالكلمات والشعارات، وبالفهم العميق لحجم وعمق التحولات والحقائق التي جرت أو استجدت في العالم العربي وفي الشرق الأوسط فجعلتهما مختلفين جذريا عن واقع الخمسينيات. من هذه الشروط أيضا أن تكون العودة عن طريق الإرادة الحرة وليس عن طريق التكليف ومحسوبة تداعياتها بالحسابات القومية والوطنية وليس فقط بالحسابات المالية. أعرف أيضا أن قضية أفريقيا، وفى صدارتها المسألة المائية، ضرورة شدت الكثيرين إلى الحنين. ولهذه الضرورة أيضا شروط. العودة إلى أفريقيا تتطلب توافقا وطنيا شاملا، بمعنى ان تجري العودة خاصة إلى مصادر المياه جميعها، ضمن منظومة يجتمع فيها العلم والطاقة وخبرات الزراعة والري بالإضافة إلى الديبلوماسية والسياسة والتجارة والصناعة، منظومة أمن قومي بالمعنى الدقيق، وليس بمعنى الأمن العسكري والاستخباراتي وحده كالعهد بالسنوات التي فتكت بالعلاقات المصرية الأفريقية.

لا أتصور، بل لا أصدق، أن نظام الحكم القادم سواء اختار أن يأخذ شكل وجوهر تجربة سابقة أو أن يبدع فيصنع تجربة حديثة، سوف يصر على أن يستخدم القمع وكبت الأصوات وإقصاء المعارضين وسائل لتحقيق الاستقرار وتنفيذ أهدافه. أدرك، وأكثر الذين أعرفهم يدركون، أن النساء والرجال الذين سوف يتولون القيادة في السنوات القادمة عاشوا مرحلة ثورة، وتأكدوا بأنفسهم وفي داخلهم أن شيئا ما كبيرا وجوهريا وموضوعيا تغير في مصر.

أتمنى، بالأمل والرغبة الصادقة، ان القادة القادمين محمولين على أكتاف الضرورات والقوى القاهرة والأحوال المتردية في مصر ومن حولها، سوف يحرصون على تفادي الوقوع في أخطاء قادة تجربة الخمسينيات، وهى كثيرة... لا أحد من هؤلاء الذين راودهم الحنين الى التجربة الأولى يريد أن تنتهي التجربة الجديدة كما انتهت التجربة الأولى بحسني مبارك وبسقوط مدو للتجربة بأسرها وبتدهور حال مصر. لا أحد منهم، حسب علمي، يريد أن يرى مأساة الصراع على السلطة تتكرر، فلا يحدث بمصر مستقبلا، ما حدث من صراع في الستينيات أدى مباشرة إلى هزيمة عسكرية ما زلنا ندفع ثمنها باهظا.

الشعب يريد ضمانات. الشعب يريد أن يطمئن إلى أن الثورة مستمرة، وأن حرياته وحقوقه مصانة، وأن كرامته لن تهان مرة أخرى تحت أي ظرف أو لأي سبب. يريد أن يصدق أن القيادة الجديدة، سوف تحترم التزامها بإقامة حياة سياسية حقيقية وخلق الظروف المناسبة لإرساء قواعد ديموقراطية، وإقامة المؤسسات التي تستطيع التعامل مع الضرورات والقوى القاهرة وعدم انتظار البطل أو المنقذ.

عن «الشروق» المصرية