أرامل الشهداء في غزة .من ماجدات الى متسوالات

تابعنا على:   19:15 2016-11-26

.

أمد / غزة- فادي منصور: بين عشية وضحاها انقلبت  حياة   نساء كثيرات  رأسا على عقب  من  زوجات  يحتمين بظل أزواجهن إلى أرامل  مستضعفات ، فالحروب و الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على  غزة  كانت كفيلةً بحصد كثيرٍ من أرواح  الأبرياء  ، لتجد هذه الفئة نفسها  فجأة بدون مقدمات  في مواجهة تحديات الحياة  و قسوتها  .

 وحيدةً  و تائهةً  كقطرة ماء نسيَها المطرُ معلقةً بين السماء و الأرض أم مالك شابةٌ في العقد الثالث من عمرها  كانت  تعيش مع زوجها بسعادة غامرة ورضا نُسجت خيوطُ  مأساتها  منذ  أن  أطلقت قوات الاحتلال  ثلاث رصاصاتٍ  على زوجها اخترقتْ جَسده النّحيل وأرْدَتْه شهيداً ليروي بدمائِه ثرى الوطّن  .

تروي أمُّ مالكٍ  قِصَّتَها وعلاماتُ اليأس ترتسمُ واضحةً على وجهها الملائكي قائلةً:" كان زوجي   قرةَ عيني ، سَعِدتُّ به وسَعِدَبي، يفهمُني و أفهمُه، كان فيه جملةٌ من الأخلاقِ الزكية ، منذ ذلك الوقت لم ينقصْني شيء ، كان مهتما بقضاء كل حوائجنا أنا وابنى."

 صمتَتْ بُرهةً وخيمَ الهدوءُ  على المكان، وأخذت تذرفُ الدموعَ بصمتٍ ،فرَفَعَتْ يَدَها ، ومسحت دموعَها لتردِّدَ بنبرةِ صوتها الحزينة قائلةً :" اكتملت سَعادَتِي عندما  وضعتُ مولوديَ الأولَ الذي ملأ قلبي فَرَحاً وسروراً ."

وبآهاتٍ ممزوجةٍ بحرقةِ الآلامِ تتذكرُ زوجَها الأقربَ لقلبِها،  والذي لم يُغْضِبْها يوماً، أو يسببْ لها أيَّ حزنٍ ، قائلةً :"  الفَقْدُ صَعبٌ ، والأصعبُ أن تعلم انه لا ينبغي أن تفقدَه."

وبلهفةٍ تواصِلُ أمُّ مالك  حديثَها وقد بدا شريطُ ذكريات الماضي  ماثلاً أمام عينيها وتقول: "   ترجّل عن صهوة جواده وهو في أوج عطائه، ترك في القلوب جرحا غائراً سيظل ينزف ما حيينا بعده  أثقلتنا الحياة  بهمومها ومخاوفها وإحباطاتها ."

وتضيف في هذا السياق  بكل حسرة :"  كنت  اشعر أن الشمس تشرق من جبينه  كان بالنسبة لي عنواناً آخرَ للحياة ،، برحيله أظلمتِ الدنيا في عيوني واختفت كلُّ السعادة وحل محلهاالشعورُ بالعجزِ والبؤسِ  ، والحزن الأبدي, , الشقاء ، اليأس ، الهموم و الكروب  ."

وتواصل حديثَها بابتسامةٍ تتحدي بها الحياةَ التي أجبرَتْها علي العيش في هذه الظروف:" باستشهاد زوجي شعرت أنني بالفعل كبرت فجأة ،  فأنا أصبحْتُ مسئولةً عن إعالة العائلة  وألقيت على عاتقي مسؤولياتٌ كبيرة ،  أكبرُ من طاقتي  و أصبحْتُ فريسةً، ومطمعاً للطامعين ."

 ورغم ألمها ومعاناتها تحاول  كسر حصار الغياب بالحنين، و تبديدَ الوحشة بالرجوع إلى الذكريات فما زالت  صورةُ  زوجها الشهيدِ عالقةً في ذهنها ، وهي لا تتخيل نفسها زوجة لأخر غيرِه ، فقد  كان  أولَ العقود وآخِرَها ، لم يخطرْ ببالها أن تكونَ يوماً  زوجةً لشقيقه.

تقول  أم مالك وهي تلتقطُ أنفاسَها المتهالكةَ بين الفينةِ والأخرى بعد أن أثقلها الحزنُ:  اعتقدت للوهلة الأولى أن  أن  الاهتمامَ  الزائدَ بي من  قبل  شقيق  زوجي المرحومِ ، و لينَ الجانب  كانا نابعين من  الرحمة والعطف على اليتيم وليس أنا الغاية المقصودة من وراء ذلك  ."

وتابعَتْ: شعرتُ بالذهول من شيءٍ لم أتخيلْهُ قط ، تقدمه للزواج مني وأنا أكبره بسنوات ، فضلا عن انه يسكن هو زوجته التي  اعتبــرها أختي وصـديقتــي  في بيت صغير يفتقر لأدنى مقومات الحياة, لا يحمي من برد الشتاء القارص ولا من حر الشمس الحارق.

تتعالى على جراحها وتواصل حديثَها  بكل ثبات قائلة":لم يكنِ الطلبُ بريئاً، ولم أجد له ما يبرره فرفضته بلا تردد وأيضا جهزتُ  نفسي  إلى ما هو أسوأ متسلحةً بثقتي في نفسي و إيمانِي أن الله لن يخذُلني  ."

وتردف بقولها :" لقد رفضتُ كلَّ الوعودِ الزائفة مما دفعه إلى ممارسة شتى أنواع الضغوط النفسية والترهيب لإجباري على  الزواج منه ولم يفلح."

وخلال حديثها أخفت وجهها بين كفيها وهي تجهش بالبكاء ، وتحشرجت في حنجرتها الكلماتُ، وبألم  تخرجها  قائلة :"حسبي الله ونعم الوكيل ، وصلت  به الحقارةُ إلى الطعن في شرفي وسمعتي وأقنع والدَه بأني امرأة تحوم حولها الشبهات ، مما دفعه إلى إسماعي كلاماً قاسياً و إساءة  معاملته لي ."

بصمتٍ مطبق يثير الشفقة ، وحزنٍ عميقٍ  يدمي القلوبَ  تكمل  قائلة :" لم أعد قادرةً على تحمل المزيد ، فانا أعيش وسطَ أشخاصٍ تسكنهم الوحشية والإجرام أوِ الثأرُ والانتقام ، حزمت  أمتعتي وذهبت وأنا أجر خطواتي  إلى بيت   أبى  الذي   اعتدنا منه  الجفاء القسوة  في أدق تفاصيل  الحياة  ."

تتابع حديثها :" في بيت  أبى حاولت التأقلم مع هذه الحياة بكل شرورها وأكاذيبها وطباع البشر رغم أنى كرهت أفراد أسرتي لظلمهمُ الدائمِ لي، بشكل لا يطاق  وطمعهم الدائم في راتب الشهيد.

استكمَلَتْ باكيةً :" ذاتَ يومٍ ذهبتُ لزيارة صديقتي وتركتُ طفلي عند والدتي لتعتني به حتى عودتي ، وعندما عدت أبلغني الجيرانُ أن سيارةً يقودُها شخصٌ مجهولٌ قامَ بخطفِ طفلي من أمامِ البيت بالقوة  ثم لاذ بالفرار."

الصدمةُ التي تعرضت لها أمُّ مالك جعلتها هائمةً عاجزةً عن فعل أي شيء لكي تستعيد ابنها بسلام دون ضرر .

تتعثر في سخطها و تهمهم ناقمة قائلة ":بينما كنتُ في قمة الإحباط وانكسار النفس والحيرة جاءني اتصالٌ من مركزِ شرطة المدينة يقول إن ابني بخير وإن الجاني هو عمه ، وتم اعتقاله وإحالته إلى مفتش تحقيق الشرطة لأخذ الإجراءات القانونية . "

تقول أم مالك المثخنةُ بالوجع والحسرة:" رجعت بابني إلى بيت أبى وقد انتزعت ضمانات الحماية لي وله  من كل خطرا محدقا

 أو عمل يهدد  سلامتنا من  خلال  توقيعه  على  كفالة  وتعهد بعدم  التعرض  لنا مقابل  الإفراج عنه  ".

وبابتسامه رضا بما كتبه الله ذكرت أم مالك  ": أنها واجهت صعوبات كثيرة كانت أقساها كما قالت  نظرة المجتمع وظلم ذوى القربى وابتزاز الجمعيات الخيرية وعدم الاكتراث لمعاناتها من قبل الحكومة ،ولم تخف أم مالك في حديثها انزعاجها مما أطلقت عليه : المتاجرة في هموم و معاناة هذه الفئة من قبل معدومي الضمير ."

وعن شعورها كونها أرملة شهيد قالت: "هذا وسام شرف على صدري وتاج على رأسي وفخر لي ، و اسأل الله الذي جمعنا في  دنيا فانية أن يجمعنا في  جنة قطوفها دانيه."

وختمت قولها بتنهيدة خرجت من أعماق قلبها وقالت : " إذا كانت هذه حياة من يتقاضون رواتب ، فما هي إذا حياة الأرامل اللاتي لم يتم اعتماد ازواجهن كشهداء ، ولم يتقاضين رواتب لحد ألان ."

وفي هذا السياق يقول أستاذ الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية الدكتور ماهر أحـمد السوسي:" إن الإسلام قد اهتم كثيراً بالأرامل ، وحفظ لهن كرامتهن وإنسانيتهن ومنزلتهن في المجتمع المسلم، وبدا ذلك بوضوح من خلال الكثير من النصوص الشرعية التي جاءت موصية بهن حاضةً على الإحسان إليهن والرفق بهن ، أوضح  أن الزواج من الأرامل يعتبر عرفا محببا في المجتمع الإسلامي مضيافاً إن الإسلام ينظر إلى زواج الأرملة والمطلقة نظرة ارتياح ، كنظرته إلى أي زواج آخر .

وفي معرض تعقيبه على  القضية  أكد  د. رائد حلس المختص بالشأن الاقتصادي" أن الأعمال العدوانية التي وقعت في قطاع غزة في صيف عام 2014  ألقت بظلال قاتمة وأدت إلى انعكاسات سلبية على النساء والفتيات في العديد من مناحي الحياة ، كما أشار إلى  أن   عدد النساء الأرامل خلال العدوان في صيف العام 2014 بلغ نحو 790 أرملة ، أما عدد الأيتام في قطاع غزة فقد قارب 20 ألف يتيم وفقاً لإحصائية صادرة عن وزارة شؤون المرأة 2015، بالإضافة إلى ذلك فإن النساء الأرامل كُنَّ الفئةَ الأكثرَ تضرراً خلال العدوان في صيف عام 2014 ، نتيجة فقد الزوج المعيل الأساسي للأسرة ، وتحمل النساء الأرامل المسؤولية الكاملة في تربية ورعاية الأطفال الأيتام .

و أيضاً فإن لرجال الإصلاح  رأياً في القضية ، حيث يقول المحكِّمُ العرفي والقانوني المختار عارف قدوم : إن القضايا كثرت بعد حرب 2014 وزاد عددها جراء ما تعرض له الشعب الفلسطيني من حصار ودمار, وما نتج عنها من أراملَ وأمهاتٍ لأيتام يُحتاج إلى جلب حقوقهن ، و زيادة  الطمع والجشع لدى البعض .

 وتابع: السوادُ الأعظم من القضايا التي ترِدُنا تكون الزوجةُ هي محورَ النزاع ، إما لاختلافها  مع والد زوجها  على تقسيم التبرعات والهبات لحفيدة أو مع شقيق الزوج الطامع في أرملة  أخيه .

وعن طرق معالجة القضية ، فيرى المختار قدوم بحكمة بالغة وحسن التصرف والالتزام بأخلاقيات الدين الإسلامي، واحترام العادات والتقاليد والأخلاق في المجتمع الفلسطيني ،ووضع الإنسان مخافة الله نصب عينيه  بإزالة أسباب الخلاف والشقاق بين المتخاصمين من اجل الحفاظ على الترابط بين الأسرة ، منبهاً إلى المسئولية الملقاة على عاتق جميع أفراد المجتمع  ، شخصيـات سياسيـة ودينيـة مجتمعية ، وفكريـة وإعلاميـة لحماية الأرامل من الظلم  والاضطهاد .وأضاف  :نحن لسنا إلا وسطاءَ خير،  ليس لدينا سلطةٌ تنفيذيه ، إذا ما فشلت جهودنا بالإصلاح يلجأ طرفا النزاع  إلى المحاكم للحل وفق القانون الذي يأخذ وقتاً طويلا  .

وتبقى أرامل الشهداء منكوباتٍ تحاصرهنَّ. الهموم والأحزان بحاجة إلى قوانين وتشريعات تضمن حقوقهن وتحميهن  وتحول دون الزج بهن في متاهات الحياة وتناقضاتها  .

 

 

اخر الأخبار