مخططات "البنتاغون" و"الموساد" لتفتيت العالم العربي تكشف سذاجتنا

14:00 2014-02-12

غازي السعدي

لست من المنتمين المتمسكين بنظرية المؤامرة والأخذ بكل ما يجري في منطقتنا بأنه مدبر ومخطط له ومؤامرة علينا، فالكثيرون كتبوا ويكتبون ويتحدثون عن الربيع العربي، بأنه مخطط له من قبل أعداء الأمة العربية والإسلامية، ومع أنني أشكك ولا اتفق مع هذا التوجه، وهذه الاتهامات، إلا أن بعض الوثائق الغربية والإسرائيلية التي تُنشر هنا وهناك، تتحدث عن مخطط لتمزيق الدول العربية إلى دويلات، هذا التفتيت الذي يريدون منه إعادة ترسيم خارطة الشرق الأوسط، لا يمكن أن يتم، إلا بإحداث الفوضى والبلبلة التي أطلق عليها اسم "الربيع العربي" أو من نتائجه، في جو يسمونه بالفوضى الخلاقة، لتنفيذ السيناريوهات الغربية وتقرير الشكل الجديد للشرق الأوسط الكبير أو الجديد، فهذه الفوضى التي يجري تنفيذها بأيدٍ عربية متحمسة تحت شعار الديمقراطية ومحاربة الفساد والاستبداد، فإن قيادات عربية عديدة متمسكة بالحكم طيلة عشرات السنين، من الصعب بمكان استبدالها إلا بالانقلابات العسكرية، أو الثورات المسلحة، مما يمهد لأرضية خصبة لتنفيذ مخططات أجنبية.

في دراسة تتعلق بالمشاريع الإستراتيجية التي تخدم المصالح الإسرائيلية، أعدها رئيس المؤسسة المركزية للاستخبارات والمهام الخاصة، المعروفة باسم"الموساد"- "رؤوبين شيلواح"-الذي ترأس الموساد بين أعوام 1949-1952, جاء فيها:" أن المصلحة الإسرائيلية تتطلب العمل على تفتيت واختراق العالم العربي، وبخاصة مصر، العراق، سورية، السودان، ودول الخليج "أما دول المغرب فإن المطلوب إقامة لجان صداقة أمازيغية مع إسرائيل، فـ "شيلواح" المذكور، كُلف بمهمات استخبارية في العراق في سنوات الثلاثينات، تحت غطاء مدرس وصحفي في صحيفة فلسطين بوست، وكانت مهمته جمع المعلومات عن يهود العراق، كما عمل في القسم السياسي التابع للوكالة اليهودية وكلف بإدارة القسم السياسي في وزارة الخارجية، ومستشاراً لوزير الخارجية، وشارك باتفاقات الهدنة مع مصر في رودس، وكان خبيراً في شؤون الشرق الأوسط، فدراسته عن تفتيت الدول العربية لم تأت صدفة بل نتيجة خبرة من أن وحدة العالم العربي تشكل خطراً مؤكداً على بقاء إسرائيل.

دراسة "شيلواح" هذه، تقاطعت مع أخطر دراسة سُربت من أوراق "البنتاغون"، نشرت تسريباتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، والتي كشفت عن وجود مخطط يقضي بتفتيت الدول العربية قبل عام 2015، ولا نعرف لماذا تحديد هذا التاريخ بالذات، فالدراسة المذكورة تحتوي على ما يقارب (1736) صفحة، في تشخيص دقيق لحالة العالم العربي بما في ذلك دول الخليج، تحتوي على دراسات وتوصيات مدعومة بالتحليلات الميدانية، التي قامت بها معاهد وجامعات سياسية أميركية، ومراكز عسكرية، أشرفت عليها أربعة وحدات بحث، تضم (120) خبيراً إستراتيجياً وسياسياً وعسكرياً، معظمهم من الجنسية الأميركية، وشملت الدراسة عدداً من المقترحات، والسيناريوهات المفترض تطبيقها على مراحل، لتحقيق الهدف.

إن الخطط الأميركية وفقاً لأوراق "البنتاغو" تقضي بتقسيم خمس دول عربية إلى (14) دويلة منها تقسيم سورية إلى ثلاث دول على خلفية الصراع المذهبي والديني، واحدة للطائفة العلوية، ودولة للأكراد، وانضمام سنة سورية إلى المحافظات السنية في العراق، لتشكيل دولة "سنستان"، أما مصر يتطلب العمل على تفتيت الجيش المصري بافتعال إدخاله في مواجهات مع شعبه والهدف تفتيته وإضعافه، وفي العراق استغلال النعرات الطائفية التي غذاها الغزو الأميركي، وحسب التسريبات أن يتحد شمال العراق مع دولة الأكراد في سورية، أما الوسط السني العراقي يتحد مع سنة سورية، فيما يبقى جنوب البلاد للشيعة، وفي ليبيا دفع النعرات القبلية إلى الانقسام إلى ثلاث دويلات، واحدة في الشمال الغربي وعاصمتها طرابلس، والثانية في الشرق تُتبع لبنغازي، إضافة إلى دولة فزان التابعة لسبها، وفي اليمن –الذي يعاني الفقر والانقسام- فسيصبح يمنين، شمالي وآخر جنوبي، على أن تجزأ المملكة العربية السعودية على خلفية المذاهب والقبلية إلى خمس دويلات هي: وهابستان في الوسط، وأخرى في الغرب تضم مكة والمدينة وجدة، ودويلة في الجنوب، وأخرى في الشرق مع الدمام، إلى جانب دويلة أخرى في الشمال، يرجح أن يصبح اليمن بأكمله أو جنوبه على الأقل جزءاً من السعودية، وإحداث مواجهات إيرانية شيعية مع السعودية تنتقل إلى حرب شوارع وأعمال عنف.

وحسب تسريبات "البنتاغون"، فإن هناك (69) سيناريو لتطبيقها، حسب الدراسة التي صنفت الجيش الإيراني، والجيش السوري، والجيش المصري، والجيش السعودي، والجيش الباكستاني، كأقوى الجيوش التي تملك ترسانة أسلحة، فإن أولوية الخطة أشارت إلى تفتيت تلك الجيوش تمهيداً لاحتلال بلادها كخطوة لاحقة، بينما أشير إلى الجيش السوري، أنه فقد قوته بما يتخطى 70% عام 2013، وتشير الدراسة أيضاً إلى التكتيك المتبع في تفتيت الجيش المصري، وتراهن الدراسة على تحقيق النجاحات المتتالية، بتقصير المدة، وتعزو ذلك إلى وجود انقسام أيديولوجي وفكري وعرقي وطائفي وصل إلى حد التجذر بشعوب المنطقة، ونوهت الدراسة إلى أسماء شخصيات سياسية وعسكرية ورجال أعمال، ولوبيات محددة موثوقة من قبل الأميركان لها علاقات وطيدة مع شعوبها، داخل الخليج ومصر وسورية تحديداً، تقوم بمساعداتها بطرق مباشرة وغير مباشرة لتحقيق الهدف، وترى الدراسة بأن المرحلة الراهنة للمنطقة العربية هي الأنسب لتنفيذ "السيناريوهات" في ظل أزمات شديدة لبعض الدول العربية، وانشغالها في أوضاعها الداخلية.

الدراسة وضعت في حساباتها توقعات لردة الفعل، حال تقسيم العالم العربي إلى دويلات، وتخصص الدراسة في (600) صفحة طرق تخدير الشعوب بشعارات الربيع العربي الذي على ما يبدو جرى اختراقه، والثورات والغزو الإعلامي عن طريق أكثر من (38) قناة مرئية ومسموعة، إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ويعتمد المخطط في تمويله، على الاستزافات التي ستدفع، من بعض الدول ضد بعضها البعض، وأرصدة الدول المجمدة، إضافة إلى الميزانيات الأميركية الموضوعة سلفاً، ويلاحظ بأن الدراسة توصي بعدم تدخل الأطراف الأوروبية والأميركية بشؤون المنطقة العربية مباشرة.

مع وبعد كل هذه المخططات والسيناريوهات الواضحة التي لم تجد نفيا أميركياً لها، وليس كل مخطط أو سيناريو قد يتحقق، والأمثلة كثيرة خاصة في العراق وأفغانستان وغيرهما، فإذا كان هناك مصداقية لهذه التسريبات، فلماذا حالة القلق الإستراتيجي الإسرائيلي على مستقبلها؟ إذ أن هذه المخططات تصب في مصلحة إسرائيل، إضافة إلى ضمان شحنات البترول لأميركا وأوروبا، وإذا صحت هذه المخططات والسيناريوهات، وما يجري من أحداث، في بعض الدول العربية، تحت مسمى "الربيع العربي"، فإن أقل ما نستطيع قوله عن أنفسنا، بأننا أغبياء، وإذا ما صح أن المصريين اكتشفوا بأن جماعة الإخوان المسلمين، الذين وصلوا إلى هرم السلطة، عبارة عن مؤامرة، ستعصف بمصر لتدميرها وإلحاقها بمشروع الشرق الأوسط الكبير والجديد، فإن عملية التصحيح وإبعاد الإخوان عن الحكم، واستقرار وسلامة مصر، للعودة لقيادتها للعالم العربي، من شأن ذلك تعطيل مخططات "البنتاغون".