تعميم فلسطين

10:27 2014-02-12

نسيم الخوري

نعم تعميم فلسطين نحو طعم العلقم يتناوله العرب تباعاً وعلى المستويات كلّها أقلّها التوطين، ونحو نعيم "إسرائيلي" سيبقى قائماً بين قوسين، ولو حاولت الدول الكبرى في أسرارها الملغزة سحب الحلول من تحت القبّعات الكثيرة والأكمام الطويلة في مناخ الدم والتهديم، لكنها جهود تدفن في السير الذاتية للموفدين الدوليين كي يقرأها الأحفاد . فلنعترف بشدّ الحبر من أذنيه عند الكتابة في ما آلت إليه فلسطين . تتحوّل الأصابع فوق المفاتيح والرأس يعلو ويهبط نحو الشاشة مثل لعبة القرود يخطفون موزة . أين تقع فلسطين التي تدور المفاوضات حول بقاياها وكأنها سرقة ملتبسة؟ وماذا يضيف جون كيري إلى التاريخ البائس المتقطّع في المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية" التي ضجرت الألسن والأقلام من علك أدبياتها المشحونة دوماً باليباس؟ من يتذكّر آخرهم ميتشل أو من يسمّي لنا السفراء والمبعوثين الذين توافدوا إلى فلسطين بحثاً في السلام؟
يترقّب الكثيرون جديداً ما يفعله كيري منذ 30 يونيو/ تموز الماضي بعد توقف ما سمّي بالمفاوضات سنوات ثلاث . ما هو الجديد؟ الانقسام العربي وتقاتل المسلمين في فصائل إرهابية متعددة المنابع والفوضى العارمة والركام الذي تتأهّب له الشركات العابرة للقارات لإعادة بناء المدن والقرى التي سينتظر أهلوها في المنافي والخيام أجيالاً قبل المباشرة بها أو إنجازها . لا، هناك جديد من وجهة النظر الأمريكية وبعض الفلسطينية و"الإسرائيلية"، ترى أنّنا في المرحلة الفضلى للوصول إلى نص اتفاق ما مع الفلسطينيين . لكنّ المفارقة تكمن في بقايا "الربيع العربي" الذاوي التي تدير ظهرها للعروبة فينبري الإخوان المسلمون، الجاهزون قبل زمن طويل من تلك الثورات، في إشاعة الفوضى والتفجير والتطاول على عواصم وكأنهم باتوا جميعاً أسرى تعميم المشهد الفلسطيني إذ سقطنا جميعاً بين مشهدين:
يظهر المشهد الأوّل بتوصيف بانورامي للأزمنة المربكة التي تشظّي العرب وتذيق شعوبهم معنى فلسطين الحقيقي . ينام العراق بعدما كان يعرف ب"عراق صدّام" في المفخّخات التي تجعل أكبر نظام عالمي ينهار والتي تتطلّب زمناً طويلاً قبل تذوّق طعم الاستقرار حتّى ولو كان على نهج ما قبل ال،2003 ويبدو الأردن بلداً لا ينام مشغولاً بتشظّي هويته تسهيلاً للمشاريع السلمية الملغومة، وهو يفتقد الدفء المتراجع لحمايته الدولية التي يرشح منها دفعه المقصود نحو تحمّل العبء الفلسطيني المتعاظم وأعباء النازحين السوريين . أمّا سوريا التي كانت وما زالت تعرف ب"سوريا الأسد"، فتنكفئ عن فلسطين نحو همومها ويتساوى نازحوها بالفلسطينيين في المخيّمات وما دون، ودمشق لن تهضم طعنات "حماس" في وجهها نتيجة انقلابهم المفاجئ إلى جانب المعارضات السورية ورهانهم على حكم "الإخوان" في الكثير من أرجاء الوطن العربي . من يتابع أخبار مخيّم اليرموك مثلاُ ويمرّ كلّ يوم أمام تجمّعات السوريين العشوائية وخيمهم في زوايا لبنان كلّه أو أمام مخيّمات الفلسطينيين يدرك بلحظة واحدة معنى القول ب"تعميم فلسطين"، مع أنّ سوريا كانت من دول النبرة العالية في فلسطين، وكانت تفخر بأنّها الوحيدة التي عاملت الفلسطينين كمواطنين سوريين في الحقوق والواجبات . هذا المشهد السوري المتعاظم يقوى خطره بتداخله مع لبنان نزوحاً وإرهاباً، على إيقاعات التفجير اليومية، وقد فرز انكفاء حزب الله عن فلسطين نحو الداخلين اللبناني والسوري بما يريح "إسرائيل" في الجنوب . ويبدو لبنان وكأنّه يسير قدماً نحو تذوّق "مرارة" فلسطين مجدداً مع أنّه تجرّعها في الاجتياح "الإسرائيلي" 1982 عندما وصل العدو الصهيوني إلى القصر الجمهوري فيه، وأخرج أبو عمّار والفلسطينيين نحو تونس ثمّ تجرّعها عند تهديم ضاحيته وجنوبه في ال2006 .
صحيح أن إشاعة السر الدولي للنأي بلبنان عمّا حوله وهم يضخّمه الإعلام ويلمسه اللبنانيون على أبواب السفارات في انتقائية غريبة في ما بين طوائفهم، إذ نشهد تسهيلاً لأبناء المسلمين وتشدّداً لغيرهم في تأشيرات المغادرة، لكنّ الأصح أنّ تعثّر الحل السلمي في سوريا يدفع دفعاً نحو التشبع بطعم فلسطين . مصر بدورها لا تنام فهي مشغولة بحالها ودستورها وانتخاباتها وتفجيراتها المتعاظمة،، وتعاني مثل الكثير من الدول في التوفيق الصعب بين ازدواجيات التحالف العالمي والعربي مع الإخوان المسلمين . قد نشهد تداعيات إعلامية وسياسية وحتّى عسكرية في البلدان البعيدة عن دول الطوق لما كانت تقع عليه فلسطين .
أمّا طهران التي كانت منهمكة في رمي الصخور فوق درب أيّ اختلاس دولي للمفاوضات الفلسطينية "الإسرائيلية"، فنراها مشغولةً أكثر بمفاوضاتها النووية وفتح أبوابها على الغرب وسوريا ولبنان تحديداً، كما هي مشغولة بالضيق الاقتصادي الذي أورثته الضغوطات الدولية عليها وفتحت في جدارها بسمةً تتوسّع . أمّا المشهد الثاني فيظهر أوّلاً في خطى "الربيع" المنحدرة نحو الخلف في تحولات أصلب من زهور الياسمين، نشهدها من تونس نقطة البداية "الثورية" ونقطة التراجع للفكر والسلوك التغييري الذي يعكّره التشدّد الديني . ويظهر ثانياً في "جنيف 2" على الرغم من استغراقه في الشكل المفرغ من المضامين النهائية . ويظهر ثالثاً في النبرات البريطانية والفرنسية والأمريكية التي توصد الأبواب في وجه أيّ جهادي راجع من القتل .
بين هذين المشهدين الحافلين بالتشظيات بين الفلسطينيين وحولها، يتجدد النفس الأمريكي في اقتناص فرص الفوضى مجدّداً مبادرة قد يؤمن بنجاحها بعدما أصاب العقل الفلسطيني الإعياء ومقت السلاح والانصياع للضغوطات والمؤتمرات الفارغة والمبادرات المتكررة الممجوجة التي تنعكس في التنازلات الهائلة في ملفّ اللاجئين والمستعمرات وغياب القدس أو تأجيلها أو حذفها من أدبيات التفاوض وصولاً إلى قصاصةٍ دولة مستقلة معترف بها دولياً قبل حلول نيسان المقبل . وهنا أسئلة قبل الأوّل من نيسان:
من يحدّد أرض الضفّة الغربية التي ستنسحب منها "إسرائيل"؟ ما مصير المستوطنات فيها؟ ومن يضع عدد اللاجئين والمعايير لفتح أبواب العودة لهم؟ ومن هو اللسان الفلسطيني الذي سيعتلي المنابر معترفاً بدولة "إسرائيل" اليهودية؟ ومن من العرب المشاركين في المفاوضات خلف الأبواب المغلقة سيصفّق مشجّعاً الخطيب؟
الجواب: على الرغم من التنازلات الفلسطينية والعربية في مسائل مقيمة في الحناجر مثل الكلام عن تبادل الأراضي وفتح أو توستراد بين الضفة وغزّة، وعلى رغم متغيّرات العرب والفلسطينيين والعالم كله، وعلى المستويات كلّها، فإنّ اليهود وحدهم لم ولن . . يتغيروا .
عن الخليج الامارتية