الابراهيمي وطرد فلسطين من الملف السوري

10:16 2014-02-12

رأي القدس العربي

يكتسي إعلان ناصر القدوة استقالته من منصبه كنائب للمبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي قبل أيام دلالات رمزيّة تفوق أهمّية الخبر نفسه، فالقدوة الذي شغل مناصب فلسطينية عليا أهمها عمله كوزير للخارجية خلال العامين 2005-2006 وشغل قبلها منصب المراقب الدائم لفلسطين في الأمم المتحدة بين 1991 و2005 يعتبر واحداً من أهم الدبلوماسيين الفلسطينيين، وحنكته الدبلوماسية ترجّح أن استقالته ما كانت لتتمّ لولا ضغوط سياسية كبيرة عليه.
نشاط القدوة كنائب للأخضر الإبراهيمي كان، عملياً، تثبيتاً للحضور الفلسطيني المهم في الملفّ السوري، كما كان يضيف أيضاً نوعاً من التوازن ضمن الوجود المؤثّر لدولتين أقرب للنظام السوري: مصر، التي يمثلها الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي، والجزائر، التي يمثلها الأخضر الإبراهيمي، وأحمد بن حلّي، نائب الأمين العامة للجامعة.
ما رشح من أنباء الاستقالة أن الطرف الضاغط باتجاهها كان النظام السوري، الذي اعتبر القدوة أقرب للمعارضة منه للنظام، وهو ما يمكن ترجمته، حسب هذا المنطق، أن الإبراهيمي هو أقرب للنظام منه للمعارضة!
يقول المطلعون أيضاً أن الإبراهيمي لم يحبّذ توظيف القدوة لعلاقاته العربية والعالمية لخلق توازنات ايجابية في الملف السوريّ، وأنه (الابراهيمي) كان مشاركاً في الضغط عليه للخروج من منصبه.
هل يمكن اعتبار خروج القدوة، إخراجاً للدبلوماسي الفلسطيني المرموق من التأثير في الشأن السوري فحسب أم هو محاولة لإقصاء التأثير الفلسطيني، عموماً، عن الملفّ السوري؟
يحمل إخراج القدوة من الغرفة الضيّقة للقرار الأممي والعربي دلالات أكبر من ‘الاستقالة’، بحيث تمكن قراءته بالتوازي مع الترتيبات الحاصلة في المنطقة العربية، وأهم خطوطها العامة بالنسبة للاعبين العالميين والاقليميين الكبار: مواجهة مدّ الثورات العربية، واستغلال الحراك الكبير الحاصل لتصفية القضيّة الفلسطينية.
يعرف اللاعبون الكبار، أو بعض دوائر القرار لديهم على الأقل، أن منهج معارضة التاريخ وإعادة تدوير الأزمات سيفاقم الأوضاع في المنطقة ولن يحلّها، وسيكون أول أعراض دخول الشعوب العربية في طريق مسدود هو تزايد الإحتجاج العدميّ المتمثل بحركات السلفيّة المسلّحة.
بعد عقود من البروباغاندا القومجية للنظام السوري عن فلسطين والممانعة، تحوّلت فلسطين من ورقة يستخدمها النظام لتدعيم اسسه الأمنية وللتحكم بالقرار الفلسطيني، إلى فاعليّة قادرة على التأثير في المعادلة السورية، وتمثّل ذلك في ابتعاد حركة حماس عن النظام السوري، ومواقف الحركة الاسلامية الفلسطينية داخل حدود 1948 المؤيدة للثورة السورية، وفاعلية الدبلوماسية الرسمية الفلسطينية لحكومة محمود عباس عربياً وعالمياً.
استناد النضال الفلسطيني على الثورات العربية أعطى الفلسطينيين أملاً كبيراً بامكانيات زحزحة رتاج الباب الثقيل لاسرائيل، لكن استعادة الثورة المضادة للمبادرة في مصر وصمود النظام السوري المحميّ روسياً وإيرانياً أغلق الباب من جديد ووضع الفلسطينيين في زاوية صعبة.
… وهو ما ينطبق أيضاً على استناد السوريين على تعاطف ونضال الفلسطينيين معهم، داخل وخارج سوريا، والذي يتأثّر، بالضرورة، إيجاباً أو سلباً بمجريات الوضع الفلسطيني.
أصاب تأسيس دولة اسرائيل التي حلّت مكان فلسطين عام 1948 منطقة الشام التاريخية بجرح جغرافي خطير مما خلق خللاً عضوياً في كل البلدان القريبة منه، وانضافت عليه تقسيمات سايكس بيكو لتركّب دولاً هجينة حائرة في معناها وضيّقة في مبناها، من نهر الأردن الذي تحوّل مملكة، إلى جبل لبنان الى أصبح محميّة جمهورية فرنسية باسم لبنان، وصولاً الى سوريا، التي تم تركيب تسمية يونانية لبلاد آشور (اسوريا) عليها.
على مبدأ الأواني المستطرقة، يسيل أي علاج لهذا الجرح في أية بقعة من هذه المنطقة المكسّرة إلى المناطق المجاورة، فيحييها أو يمرضها، سواء رغبنا بذلك أم لم نرغب، ومحاولة شطب إحداها هو كسر للتوازن لا يلبث التاريخ والطبيعة أن يردّا عليه بالتأكيد.

اخر الأخبار