المناخ العام الفلسطيني ومشروع الكفاح المسلح

تابعنا على:   03:08 2014-02-10

عطية ابوسعده / ابوحمدي

كان هناك طلائع من ابناء شعبنا في كل مكان يبحثون عن الخلاص الذاتي , وقد حاولنا اولا عبر الطرق الحزبية لكننا كنا نضطدم بالعقليات الحزبية المتحجرة وبالدوغما الفكرية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت والتي تتسم بضيق افق ومحدودية التفكير . وكان الشاغل الرئيسي لتلك القيادات الحزبية هو ابعادنا عن العمل المباشر , فتغرقنا في بحر الصراعات الجانبية لكن المعطيات التي سبق لنا شرحها كانت قد صلّبت ارادتنا فسرنا في اختيارنا الثوري , ففي غزة على سبيل المثال التي كانت موقع تجربتنا الاولى بدأت مجموعة طليعية بين عام 1953 و1954 بالتجمع وتكوين حلقات النقاش ومن ثم الانتظام ضمن اطر وخلايا حددت معركتها الاولى مع الادارة التي كانت تقبض على القطاع فتعيث فيه فسادا وقهرا وسرقة ..

فكنا نقوم بمواجهة هذا الطغيان اولا بجمع الحقائق ونشرها في الصحف العربية او ايصالها الى الادارة في القاهرة كي نكشف لها فساد الجهاز الذي عينته في القطاع وللحقيقة اقول الان بانه حين كانت تصل هذه المعلومات الى الرئيس جمال عبد الناصر فكان يصدر اوامره على الفور لمعالجة الامر,وقد حدث فعلا ان اصدر الرئيس عبد الناصر امراَ يقضي بنقل جميع الضباط بمن فيهم الحاكم العسكري العام , وذلك ان الفضائح كانت قد زكمت الأنوف ..وكان هذا هو إطار الصراع الأول من اجل انتزاع تعبيرا أوليا لحرية ابناء فلسطين على ارضهم ...

الكفاح المسلح / تشكّل النويّات والبداية

 في تلك اللحظة التاريخية والى جانب النضال ضد سوء الإدارة , وفي السياق نفسه الذي خلقه الوعي بالذات الفلسطينية , بدأ في التكون والتبلور خطة المقاومة المسلحة للعدو الصهيوني , وقد بدأناها بتدريب مجموعات من شباب فلسطين على السلاح ’ فتمكنّا فعلا من تدريب مجموعات كبيرة ’ ورغم المواجهة العملية المسلحة في الأرض المحتلة والمستعمرات الاسرائيلية هي التي كانت ساحة التدريب الرئيسية وهي المواجهة التي فولذت ارادة مقاتلينا وحسّنت تدريبهم ’ وقد نفذنا العديد من العمليات خلف خطوط الهدنة في ذلك الوقت ’ وفي النقب كنّا نرسل المجموعات لزرع الألغام المضادة للدبابات او تقوم بنسف انابيب المياه في المستعمرات وقد اتسع هذا العمل المسلح شيئا قشيئا الى الدرجة التي اصبحت فيها مجموعاتنا تصل الى يازور قرب مدينة يافا ...

الفعل ورد الفعل /

حين كانت تقوم احدى مجموعاتنا بتنفيذ عملية لها كتفجير انبوب ماء او تفجير لغم في تراكتور زراعي في الأراضي المحتلة كانت قوات العدو تقوم بالرد بضرب القوات المصرية المتواجدة بالقطاع فيلتهب الموقف ’ فكنّا نقوم مثلا بتنفيذ عملية في مستعبرات دير البلح ’ فتقوم المدفعية الاسرائيلية بقصف مديتة غزة وتحديداساحة التكسيات فيها ’ مما خلق اوضاعا متفجرة بالقطاع بعد اصابة العديد وسقوط العديد من الشهداء المدنيين ..

الفعل وردة الفعل الاسرائيلية هذه كانت تخلق تباعا حالة جماهيرية متفجرة فتوسع من الوعي بالذات الفلسطينية وتعمقه . هذا كله كان يدفع الإدارة المصرية لتوفير مطلب الحماية للقطاع وسكانه ’ فقامت بتشكيل الحرس الوطني لا ليقوم بقمع الحركة الجماهيرية وقواها الطليعية بل لحمايتها ’ خاصة وأن الوعي الذي خلقته عملياتنا بضرورة الكفاح المسلح ضد العدو كشكل رئيسي من اشكال النضال ’ كان يتكفل بتوفير الحماية لطليعته المقاتلة . وامتد هذا التواصل في العمل وقمنا بتكثيف عملياتنا التي انطلق بعضها من منطقة هربيا واذكر ان الشهيد عبد الله صيام كانيقود احدى مجموعاتنا منتلك المنطقة ’ فقد كان طالبا في الجامعة بالقاهرة ’ وحين ياتي في الإجازات كان يتولى قيادة المجموعات القتالية ..

التوسع وعملية خزّان زوهر /

من ابرز عملياتنا في تلك المرحلة كانت العملية المهمة التي نفذتها مجموعاتنا لتفجير خزّان زوهر ’ وهو جزء من مشروع المياه القطري ’ وقد توفرت لدينا المعلومات عن هذا المشروع من مصدر وحيد يتمثل بعمليات الإستطلاع التي كانت تقوم بها مجموعاتنا في الاراضي المحتلّة ’ وقد قامت مجموعة لنا بزرع عدد من التنكات المليئة بمادة ت ن ت بتاريخ 25فبراير 1955 ..وقد نجحت عمليتنا هذه بشكل باهر ’ اذ حين انفجر الخزّان انطلقت منه المياه بشكل هائل ’ واذكر انني كنت في طريقي الى بيت حانون ’ وحين ارفت الوادي وجدته ممتلئا بمياه الخزان التي خرجت فيما بعدلتغطي مساحات هائلة من الأراضي المزروعة بالذرة ’واستمرت المياه بالتدفق الى ان وصلت الى بيت لاهيا لتصب في البحر الابيض المتوسط ..

كانت ردة الفعل الاسرائيلية على هذه العملية ان قام دافيد بن غوريون وزير الدفاع من حكومة موشي شاريت بعملية ردة فعل مباشر ’ فارسل قواته الى بئر الصفا لتهاجم الحامية المصرية هناك وكانت تشكل فصيلا ’فقامت القوات الاسرائيلية بنسف الخزان الذي يزود غزة بالمياه وجرح ما يقرب من 12 شخص من المدنيين وجنود الحامية المصرية ..

وفي ذلك الوقت كان هناك تشكيلا عسكريا فلسطينيا بشكل كتيبة تابعة للجيش المصري وكان مكان تواجدها في رفح ’ فما كان من قائد هذه الكتيبة الا وارسلها الى بئر الصفا لتدافع عن المنطقة .. وفي الطريق وبالضبط عند وادي غزة وقعت السيارة التي تحمل الكثيبة في كمين اسرائيلي حيث فتحت عليهم النيران فقتل منهم 28 عسكريا .. وكانت عملية الغدر هذه قد تمّت في الليل ’ وحين علمنا بما حدث في صباح اليوم التالي قمنا باغراق المناديل بالدماء وانطلقنا بمظاهرة عارمة من مدرسة فلسطين الثانوية باتجاه البلد ’ وفي الطريق كانت الجماهير تتوافد لتنضم الى المظاهرة كي تشهد غزة مظاهرة لم تشهدها في تاريخها ’ وكانت الشعارات الرئيسية التي اطلقناها في تلك المظاهرة ’’ جندونا تنقذونا’’ ’’ دربونا تسعفونا ’’ ’’ سلحونا تنجدونا ’’ وذلك الى جانب شعارات رفض التوطين وفلسطين عربية وبات واضحا ان انفجارا جماهيريا اخذ يشمل غزة بحيث يكون من الصعب فيما بعد ضبط الوضع هناك ,, حين ذاك تحركت الادارة المصرية فقامت باعتقال عدد من المواطنين ..

 _ ابوعمار يتحرك من القاهرة

 في هذا الوقت كنا قد اجرينا اتصالاتنا مع اخواننا في رابطة الطلبة الفلسطينيين بالقاهرة الذين كانوا قد تابعوا ما جرى في غزة وحادثة قصف احد المستشفيات ’ فقام الطلبة وفي طليعتهم الاخ ابوعمار والاخ فتحي بلعاوي بالاعتصام في جامعة الدول العربية وبعدها قام الرئيس عبد الناصر بتعزيز القوات المصرية في القطاع وارسال قوات الحرس الوطني ..

خطة بناء التنظيم /

كان تفجير العمل المسلح ضد العدو الصهيوني هو الشاغل الرئيسي لنا في مثل هذه التجربة الاولى .. كان يشغلنا ان نزرع في الوعي الفلسطيني العام فكرة عمل العسكري واستخدام السلاح ضد العدو بعد ان ازدحم هذا الوعي بركام هائل من التنظير والعمل العسكري المغزو والوغما النظرية ...

لكن بعد حدوث التفجير وبعد ان تحول كفاحنا المسلح الى حقيقة عملية تستقطب الشارع الفلسطيني برمته ’ شعرنا ان مثل هذه الحالة تتطلب بناء التنظيم القادر على استيعابها وعلى اعادة صياغتها وانتاجها في قنوات واطر تبلورها بشكل عمل مستمر بحيث يكون هذا التنظيم هو الناطق باسم هذه الحالة الجماهيرية المعبر عنها او ممثلها في الصراع الناشب ..وقد شكلت لنا هذه التجربة درسا ثمينا من اجل بدء التفكير بتشكيل تنظيم فتح ..

في هذه الفترة بالذات اي منتصف الخمسينات كان التفكير بتأسيس اقع حركة فتح قد اخذ ينتقل تدريجيا الى الفعل كي يصبح واقعا ملموسا والمدهش في الامر ان مثل هذا التفكير او مثل هذا التوجه بدأ يتحول وفي نفس الوقت الى واقع في العديد من مواقع التجمع الفلسطيني فظهرت العديد من البؤر التي تلتقي بنفس التفكير والتوجه والرؤيا المشتركة للواقع الفلسطيني والعربي في كل من السعودية والاردن مصر الكويت وقطر وكان ذلك يشكل في الواقع النويّات الاولىلحركة التحرير الوطني الفلسطيني ’’فتح ’’ . الاخ الشهيد كمال عدوان كان يشترك معي في هذا التوجه بعد ان عملنا معا خلال فترة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي لغزة ’ وكان هناك مجموعة من الاخوة في القاهرة قد بدأوا بالتفكير في بناء التنظيم كذلك كان هناك مجموعة الخليج ومجموعة في اوروبا كان هذا التفكير رغم التوزيع الجغرافي ينطلق من حقيقة تقول بضرورة الاعتماد على الذات استنادا لسياسة ما حك جلدك غير ظفرك ...

الإرهاصات والمناخ العام

 لكن استتباعا لسياسة التدخل والوصاية العربية على الساحة الفلسطينية شعرت الاجهزة العربية المعنية بمثل هذه الارهاصات التي بدأت تعج بها ساحتنا فاخذت تحاول الدخول الى هذه الارهاصات منذ نشوئها الاول لمحاولة السيطرة عليها ’ وذلك من خلال بذر تنظيمات مسلوقة ’ واذكر على سبيل المثال ان مسؤولا عربيا قد التقى في هذه الفترة بثمان شخصيات فلسطينية وكلف كل واحد منها بتشكيل تنظيم ..

وبالرغم من هذه المحاولات إلّا ان بدايات حركة فتح سارت في طريقها وذلك لانها جاءت تعبيرا حقيقيا عن احتياجات الواقع ’ ولكن في مقابل ذلك كان هناك اشكال من التفكير المختلف ’ ان كانت تعبر عن شيء فهي تعبر عن الحاجة الماسّة التي اخذت تسيطر على الساحة الفلسطينية الى ضرورة التعبير المستقل ..

فقد نشأ تيار بين عدد الشباب في القاهرة يدعو الى جمع عدد من القيادات الفلسطينية ودفعها لتشكيل اطارا محددا يقود شعبنا الفلسطيني وقد ظهرت محاولات في هذا السياق لكن عجز هذه القيادات والصراعات التي نشأت بين هذه المجموعة جعلها تقف امام طريق مسدود وكان هناك تيار آخر تمثله مجموعة اخرى ترى ان هناك ضرورة لاعلان حكومة فلسطينية في المنفى تقوم على انقاض حكومة عموم فلسطين لتمثل شعبنا الفلسطيني وتقود النضال لاستعادة الحقوق الفلسطينية لكنها محاولة اخرى اصطدمت بالرفض العربي الرسمي وبالعراقيل التي وضعتها الاجهزة والقيادات العربية ..

اما التيار الثالث فكان يؤمن ان مثل هذا الواقع العربي القائم لا يمكن ان يسمح بمجرد قيام تنظيم فلسطيني ’ ولذا فليس امام الفلسطيني من خيار غير النزول تحت الارض واعتماد السرية المطلقة في التنظيم الى ان يستطيع فرض وجوده على هذا الواقع ويعترف به ..

وكان هذا التيار الاخير هو التعبير الحقيقي عن طموحات وتجربة الاغلبية الساحقة لتجمعات شعبنا وهي التجمعات التي ذاقت المرارات من الواقع العربي فكنت ترى وجود نويّات هذا التيار في كل موقع من مواقع الشتات الفلسطيني فنشأت اطر عديدة في معظم هذه المواقع تعبر عن هذا الفهم وهكذا كان الظرف الموضوعي ناضجا لاعلان وولادة حركة فتح ...

يتبع ...

في الحلقة القادمة / اللقاء مع ابوعمار وولادة اللحظة التاريخية من كتابات الشهيد خليل الوزير ابوجهاد بقلمه عن البدايات الفلسطينية ونشوء حركة فتح..

نقلا بواسطة عطية ابوسعده / ابوحمدي

 

اخر الأخبار