مرحلة انتقالية جديدة

13:53 2013-10-14

د.عماد جاد

شهدت مصر حكمًا مدنيًّا ديمقراطيًّا فى الفترة من ١٩٢٣ وحتى حركة الجيش فى ٢٣ يوليو ١٩٥٢، والوصف بالديمقراطية هنا هو بمقياس ذلك الزمان، ففى الوقت الذى كانت فيه مصر ملكية مقيدة دستوريًّا وبرلمانيًّا -إلى حد ما- كانت الدول الديمقراطية فى العالم تُعد على الأصابع، بل إن دول جنوب أوروبا كانت ترزح تحت حكم سلطوى. ومع حركة الجيش فى يوليو والتى تمثل نموذجا للانقلابات العسكرية التى كانت سمة العامة فى غالبية دول العالم الثالث، انتهت هذه الحالة وبدأ حكم عسكرى فى مصر. ورغم أن الجيش تبنى سياسات عدالة اجتماعية فحول الانقلاب إلى ثورة، فإن الصحيح أيضا أن مصر خضعت لحكم عسكرى مباشر أدخلت عليه تعديلات عديدة وتحسينات شكلية لم تجعله أبدًا نظامًا ديمقراطيًّا. جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير كمحاولة من الشباب المصرى لإرساء أسس حكم ديمقراطى يحقق العدالة الاجتماعية ويرسى أسس المحاسبة فى النظام السياسى، لكن المحاولة باءت بالفشل على إثر فوز الجماعة ورفاقها بغالبية البرلمان ثم بمنصب الرئيس، هنا بدأت الجماعة فى تنفيذ مشروعها الأممى وانفصلت تماما عن المشروع الوطنى المصرى، فجاءت ثورة الثلاثين من يونيو ثورة شعبية حقيقية، شاركت فيها فئات المجتمع المصرى المختلفة، وكان الهدف الرئيسى هو استرداد مصر من حالة الاختطاف وبناء نموذج ديمقراطى حقيقى على أساس مبادئ العدالة الاجتماعية، وإنحاز الجيش إلى ثورة الشعب، وتدخل بإزاحة مرسى والجماعة وبدأ مرحلة انتقالية جديدة. وفى تقديرى أنه مثلما احتاجت مصر إلى مرحلة انتقالية جديدة يُكتب فيها دستور جديد للبلاد وتجرى فيها انتخابات برلمانية ثم رئاسية، فإنها بحاجة إلى مرحلة انتقالية جديدة من نوع آخذ، مرحلة انتقالية تكون فيه مؤسسات الدولة مستعدة للتعامل مع رئيس مدنى يأتى من خارج مؤسسات الدولة. فالواضح حتى الآن ومن تجربة أول رئيس مدنى منتخب، أن مثل هذه الشخصيات التى لم تعمل مع مؤسسات الدولة ولم تمر بها أو تتعامل معها ليست لديها القدرة على التعامل مع هذه المؤسسات، وفى المقابل بدا واضحًا أن مؤسسات الدولة المصرية (خصوصا التى يطلقون عليها الدولة العميقة) لا تثق فى من لم يعمل فيها أو يتعامل معها، لا تثق حتى اليوم إلا فى مَن تخرج منها أو تعامل معها، عرفها وعرفته، ناقشوا قضايا حساسة تتعلق بالأمن القومى. من هنا نقول إن مصر فى حاجة إلى رئيس من أبناء هذه المؤسسات، يعرفها وتعرفه، عمل معها ومن خلالها أو تعامل معها ولا تشك المؤسسات فى ذلك مطلقا. الرئيس الجديد يأتى من قلب مؤسسات الدولة ويكون مؤمنًا بأن مصر دولة ديمقراطية مدنية حديثة، تنهض على حكم القانون، ترسى أسس المواطنة والمساواة وعدم التمييز بين أبنائها، يؤمن بدور الأحزاب فى تطوير الحياة السياسية، يقبل بتقاسم السلطة التنفيذية مع رئيس الحكومة القادم من هذه الأحزاب، يتولى السلطة بموجب الدستور الذى يحدد دورة الرئيس بأربع سنوات تجدد شعبيًّا مرة ثانية فقط. لو أحسنا الاختيار هذه المرة فسوف يتولى الرئيس الجديد الإشراف على تطور الحياة السياسية بمنح الأحزاب فرصة للنمو والتطور، تقوى الأحزاب وتتطور خلال فترة أو فترتى حكمه، تقوى المؤسسات وتتعزز وتصبح أكبر من الفرد، هنا نكون قد وصلنا إلى مرحلة النضج الديمقراطى، وعندها تُجرى تكون البلاد مستعدة لاستقبال رئيس من أى خلفية حزبية أو أيديولوجية. لكل ذلك يبدو مهمًا للغاية أن تسير خريطة المستقبل كما وضعها الرئيس المؤقت المستشار عدلى منصور بإتمام كتابة دستور البلاد أولًا ثم الاستفتاء عليه، الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية. المطلوب من الأحزاب المدنية أن ترتب أوضاعها الداخلية جيدًا وتنتشر على الأرض وتنفض عنها ميراث الماضى الذى كانت تقبل فيه أن تلعب دور «المعارض المستأنس» والذى كانت تقبل فيه بالفتات من السلطة، تستعد جيدا من خلال عمليات اندماج بين الأحزاب الصغيرة على أساس فكرى أو أيديولوجى، وتدخل فى ائتلافات انتخابية أو حتى تنسيق انتخابى، وتخوض الانتخابات البرلمانية القادمة لتحديد مستوى وجودها على الساحة السياسية، فعادة ما تسفر ثانى انتخابات برلمانية بعد سقوط النظم السلطوية عن خريطة لتوزيع القوى فى البرلمان تستقر لفترة طويلة وتعكس إلى حد كبير وزنها الحقيقى فى الشارع. وفى تقديرى من بين كل الموجودين على الساحة كمرشحين محتملين للانتخابات الرئاسية القادمة، يأتى الفريق أول عبد الفتاح السيسى كمرشح نموذجى للرئيس الجديد الذى تحتاجه مصر لإتمام عملية الانتقال إلى الديمقراطية.
عن التحرير المصرية

 

 

 

اخر الأخبار