نظام تشليحي

تابعنا على:   11:00 2013-10-14

مروان صباح

البحث في رحلة شاقة عن قشة النجاة بين العُباب ليس بالأمر السهل مطلقاً ، لأن المرء ما أن يمتلك فن الحياة ، سرعان ما يغادرها ، كأن نقطة النهاية تلتقي عند نقطة المعرفة ، لهذا يجتهد الإنسان بكل ما أوتي من قوة كي يتجنب الانزلاقات والحفريات التى تعج بالطرقات الحياتية من خلال دماغ يتطور قياساته ومكاييله وأوزانه بالقدر الذي يسمح من يحمله بالتزويد المعرفي ، التى من وظائفها تتيح لمكتسبها التمييز بين أزمات التى يخلقها الناس ، نتيجة أزمة أخلاق صادرة من التكوين التربوي ، وأزمات تطل بشكل قسري بعد أن كان يسبقها انفراج ، تتطلب معالجة سريعة قبل أن تتفاقم وتصبح وباء يصطاد من هو عابر الطريق .
حقيقة ، ليس تبلّي على المجتمعات العربية ، فما يصيبها من مصائب أدت بإرباك حالها لهذه الدرجة من التخبط ، لم تكن ابداً ايديها بريئةُ من اقتراف معظم ما يجري بمصائرها المثقلة بالأعباء ، كونها تتحمل جُلّ الاخفاقات والمراوحة الكسولة في ايقاع أنماط حياتها ، وبالرغم من التفاوت بين البلاد العربية في توفير الخدمات الجيدة ، إلا أنها جميعها تعاني الآمرين ، وذلك يعود بالتأكيد إلى سوء توزيع الاولويات التى تندرج في الأغلب ، ضمن قنوات استهلاكية غير مجدية اطلاقاً ، لكن المواطن العربي ، دافع الضريبة ، المتضرر المباشر في الحقيقة من قلة الخدمات التى تبدو في أماكن معدومة وفي أُخرى أقل حضوراً ، تماماً كما هي فقيرة في مجالين ، هما ، غاية من الأهمية ، التعليم والصحة ، حيث ترتفع شأناً بالأمن والجيش رغم فشلهما المكرر عند جميع الاختبارات باستثناء بعض العواصم ، مما يدفع الدارسين الابتعاد عن مجال التعليمي كونه يوصف بالتعتيري ، لكن ما يجعل الفجوة شاسعة وآخذةً بالاتساع بين المواطنين ، الأغنياء والفقراء تشير بأن التمييز الحاصل ، يقع في المقام الأول على نمطية تفكير الإنسان العربي ، لأنماط الحياة التى يرغب بسلوكها قبل وقوعه على الحكومات ، اعتقاداً منه أنها الأنسب والآمن طالما أستطاع استحضار جميع تجارب الهاربين من دفع الضرائب ، حيث ترسخت جملة مفاهيم ، جاءت في الحقيقة على قياس مزاج الراغب من التفلت بالمشاركة في حمل المسؤولية ، التى لو دُفعت ضمن مخطط مدروس يُراعى الانفاق حسب الاحتياجات ، سيؤدي ، بالطبع ، إلى ارتقاء بالمجتمع على النحو التراكمي والأنجع ، رغم أن ، النابع لهذا التفلت ، واضح ، ويحال من الأكثرية المنفلتة على الدوام إلى معاقبة النظام الفاسد دون إيجاد حلول بديلة تؤدي إلى ذات الغرض كي تُجنب الجيل الحاضر والأجيال القادمة أن يتأثران من انسداد أفق التطور ، وقد يكون الملّفت بالمسألة أن الشعوب العربية تدفع ضرائب مضاعفة قياساً بما تدفعه الشعوب الغربية ، لكن بطريقة نخبوية عبر سلع معينة أو مركبات باهظة الجمارك ، مع أنَّ ، قيمة الجمارك تساق إلى قنوات معدومة الإنتاج بل تتبخر دون أن يستفيد منها متكبدها بطريقة تؤدي إلى حفظ حقه في المرات القادمة ، إذ ، رغب بتحديث المركبة ، لهذا أحياناً تفسر الأشياء نفسها بنفسها ، دون أن تحتاج لمن يفسرها ، فالخلل ظاهر بشكل لا مجال التخبئة ، لأن الفارق ملموس ، لا يحتاج لمن يدفع الآخر كي يراه ، ما دامت الخدمات التى يتمتع بها ، ميّسور الحال مكتسبة من الضرائب الأقرب إلى الخيال ، التى دُفعت من جيبه مسبقاً ، إلا أنها تأتي بسطوة ماله لا شيء آخر على الإطلاق ، وليست نابعة من توجه خدماتي محكوم باحترام الإنسان دون تمييز .
ما يتوجب استنكاره ، أيضاً ، أن الدول العربية بعد رحلة طويلة من تدفق الحكومات التى تعاقبت ، واحدة تلو الآخرى ، مازالت للأسف تعتمد نظام ( التشليح ) من خلال المراهنة على غرائز البشر ، حيث ترتكز موازناتها بالأساس على أمرين دون أن تشعر بأنها عالة على الشعوب ، دونهما تصبح الأمور مهددة بالإفلاس المؤكد ، فالضرائب المفروضة على السيارات والدخان تجعل الحقائق أكثر جليَّةً من أن يتوارى خلفها من يستمتع بالسبات المليء بالضجيج ، كأن ، لم يكفي عجز هذه الحكومات عندما أخفقت بتأمين شبكة مواصلات محترمة تحاكي العصر ، بل توغلت في إقرار عجزها من خلال معاقبة المواطن وشيطنته بتوفير حيلّ دائمية تجبره دفع الضرائب وهو يبكي من شدة الضحك الهستيري ، تماماً ، كالتبغ ، حيث تزداد ضرائبه بشكل مستمر ، ليس من باب حرصها على صحة الفرد أو لأنها تقتدي بالغرب كظاهرة حضارية في محاربة الوباء ، حيث ينطلق الأخير من همه لمعالجة فاتورة المصابين من أمراض التدخين ، الذي دفعه برفع الضريبة على المسبب ، بل ما يجري داخل المربع العربي عكس هذه النوايا تماماً ، فهناك تسهيل لا يكترث ابداً بصحة المدخن ، من حيث ، استيراد اسوأ انواع التبغ بالإضافة كونها مسألة لا تقع تبعيتها على كاهل مؤسسات الصحة بقدر وقوعها على الفرد .
من المهم أن تُلّقي الحكومات نظرة عميقة إلى القوانين القائمة منذ زمن ، كان القصور سائداً في وضعها ولم تفّلَت من التقليد الأعمى ، كي تعيد فحص الأنظمة المعمول بها من أول السطر ، فمسؤوليتها وضع خطط قادرة على تخفيف العبء عن كاهل المجتمع وذلك لا يحصل ، إلا ، إن أُوجَدتّ الدولة مقومات حقيقية تؤدي إلى توفير سوق مجتهد ، إنتاجي يحرر الحكومة من الارتهان التعربش على الماضي ، المخصي من أي وسائل تحريرية للأنظمة المتجمدة ، وينقلها من حالة الخمول الذهني إلى التحفيز الفكري الذي يوفر على الدوام حلول تعالج المسائل الطارئة والمزمنة ، لقد شهد العالم تصاعد خطير لمشتقات البترول ، الذي في الحقيقة أربك المجتمعات بما فيها الحكومات ، وعلى الرغم من تحمل الفرد عبء الارتفاعات الشبه مستمرة ، إلا أن المسألة ليست مقتصرة على المحروقات والحركة بقدر ما يعاني العربي في فصل الشتاء من تكبد هائل لفواتير التدفئة التى تضخمت حد الجنون ، ليس منّطقياً ، أن تكون الحكومة مسئولة عن جبي الضرائب وفي ذات الوقت تتخلى عن مسؤوليتها اتجاه حقوق الشعوب بالتدفئة والمواصلات والصحة والتعليم وغيرهم من خدمات تليق بالإنسان العربي المعاصر .
والسلام
كاتب عربي