تلميع

تابعنا على:   01:07 2014-02-06

د. م. أسامة عبد الحليم العيسوي

لا أدري لماذا عادت بي الذاكرة الى الوراء، وأنا أقرأ خبر: "السلطة في رام الله تفكر في التعاقد مع مؤسسات إعلانية صهيونية من أجل تحسين صورتها أمام المجتمع الصهيوني"، فقد مرت أمام مخيلتي تلك العلبة الدائرية السوداء أو البنية، والتي عليها صورة لطائر غريب اسمه طائر الكيوي، وهو اسم ماركة الشركة صاحبة هذه العلبة، ولمن لا يعرف من الجيل الجديد ماهي علبة الكيوي فلا يعتقد أنها علبة فاكهة أو حلويات، وإنما علبة تحتوي على مادة لتلميع الأحذية. وعندما كان يذكر اسم كيوي لم يكن يخطر في بالنا في حينه إلا هذه العلبة، فلم نكن نعرف أنه اسم لطائر متواجد في نيوزيلندا، أو أنه ممكن أن يكون في المستقبل القريب أحد أنواع الفاكهة. وهكذا هي طبيعة العلاقة مع الاحتلال الصهيوني، كنا عندما يتم ذكر اسم العدو يدور في الذاكرة مصطلح واحد، وإن اختلفت مسمياته: كفاح، مقاومة، جهاد، قتال، نضال، ولم يكن يخطر بالبال أن يأتي مع ذكر الكيان المحتل مصطلح: مفاوضات، حوار، تنسيق، تعايش، لقاءات، وأما أن يصل الأمر إلى تلميع صورة السلطة في عيون الاحتلال فهذا هو العجب العجاب. وحقيقةً، فالخبر مليء بالمتناقضات، ويعكس على صغره الحالة المتدنية التي وصل إليها البعض في فهم طبيعة الصراع مع الصهاينة، ونسوا أن حقيقتها تكمن في: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم...)، (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون بها عدو الله وعدوكم..)، (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة...)، والآيات التي تدل على ذلك كثيرة. ولكن أن يصل الحال إلى وضع المال الفلسطيني بين أيدي شركات صهيونية، وحتى بالتفكير الانبطاحي: فأين أولوية دعم الشركات الفلسطينية؟، وهذا مع جدلية أن المبدأ سليم والغاية نبيلة، فما بالك إذا كان المبدأ مرفوضا جملة وتفصيلاً، والغاية خسيسة، ولا يمكن التفكير ثانية واحدة في التساوق معها. وعلى ذكر التساوق، وفي المقابل، فإن صاحبة الأنف الشبيه بمنقار طائر الكيوي تود استخدام قدراتها على تسويق المنتج الصهيوني، وتلميع صورة الصهاينة أمام العرب، بعد أن بذلت جهداً كبيراً في تلميع البعض من الفريق المفاوض، وهي التي أكدت أنها ستبقى على رأس الوفد الصهيوني للمفاوضات التي تجري على قدم وساق، ورغم أنها لم تخجل بالجهر في تغيير حرف الجر من (على) إلى (بين)، فالمجرور أمامها سهل الانقياد. وها هي تتجه شرقاً نحو الخليج، وتعرض جوارها علناً وعلى منصات التطبيع كبداية حسن نية، ولا أقول لتطبيع العلاقات، فربما أصبح هذا الأمر في هذا الزمن الانهزامي تحصيل حاصل، بل أصبحنا نبحث عن توطيد العلاقات برمي الشباك عساها تصطاد فريسة جديدة وما أكثرهم، وأين في ميونخ الألمانية التي شهدت قبل ما يزيد عن واحد وأربعين عاماً عملية كبيرة، أراد بها الفلسطينيون الإثبات لليهود أنهم يستطيعون الوصول إليهم أينما كانوا، وكان معهم شريكاً يابانياً، ولكن هذه المرة جاءت الرسالة عكسية من الصهاينة وشريكهم الامريكي كيري ليقولوا للعرب: سنصل لكم في أي مكان. ويبقى السؤال من سينجح؟ الفلسطينيون بتلميع صورتهم أمام الصهاينة وبأيدي صهيونية؟، أم الصهاينة بتلميع صورتهم أمام العرب وبأجساد صهيونية؟، أم أن للمقاومة رأي أخر في هذا النزال، فهي لا تعرف إلا تلميع السلاح، أم أنه حتى هذا حسب مخطط كيري غير مسموح به؟ فالمسموح به على أقصى حد أن يبقى عباس أحمد مطر يمارس هوايته وراء المتراس، يقظاً منتبهاً حساساً، مواصلاً ليس فقط لسيفه بل كذلك لشاربه سياسة التلميع.