الإسلام السياسي بين الفكر والفعل

تابعنا على:   15:05 2014-01-30

د. قدري حفني

إن أحدا لا يستطيع الفصل بين السياسة و السلطة‏;‏ فالعمل السياسي سواء كان مشروعا أو غير مشروع‏,‏ و سواء كان إصلاحيا أو ثوريا‏;‏ إنما هو عمل يستهدف السلطة تغييرا أو ترشيدا أو محافظة و استمرارا‏,‏

 و من ثم فإن إلحاق صفة السياسي بالإسلام يعني التفرقة بين غالبية المسلمين من المتدينين ممن لا ينطلقون في ممارساتهم السياسية من منطلق ديني, أو حتي ممن لا يهتمون بالسياسة أصلا; و بين الحركات و التنظيمات الإسلامية السياسية التي تنطلق من أرضية دينية إسلامية في تحرك جماعي منظم يستهدف السلطة بالمعني الذي أشرنا إليه.ولكن هل نستطيع أن نضع كل تلك الحركات الإسلامية في سلة واحدة؟ هل يمكن الجمع مثلا بين تنظيم القاعدة, و جماعة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر, و جماعة الجهاد, و حزب الحرية و العدالة المصري, و حزب العدالة و التنمية التركي, و حركة حماس الفلسطينية, و حزب النور المصري, و حزب الله الشيعي اللبناني إلي آخر تلك التنظيمات التي تشترك في مرجعيتها الإسلامية, و في سعيها بشكل أو بآخر نحو التأثير في السلطة؟

إنها تجمعات تبدو شديدة التناقض, بل إن تناقضها قد يتجاوز التعبير اللفظي إلي حد الاشتباكات الدموية, و لكن ما يجمعهم هو التسليم بإمكان إقامة دولة تجمع المسلمين جميعا; ثم هم بعد ذلك يختلفون اختلافات أساسية في الطبيعة العقائدية لتلك الدولة وفقا لتباين المذاهب و الاجتهادات; و يختلفون كذلك في أساليب العمل من أجل إقامة هذه الدولة, و ما إذا كانت إقامتها بالقوة هو السبيل الوحيد؟ و ما هي الشروط الواجب توافرها لتوقيت استخدام القوة؟ أم أن السبيل الأنسب لتحقيق الهدف هو الدعوة السلمية و الإقناع التدريجي؟ و تظل فكرة التسليم بإمكان إقامة دولة تجمع المسلمين جميعا هي حجر الأساس الذي تقوم عليه الحركات الإسلامية جميعا, و السؤال هو: هل توجد بالفعل أمة إسلامية ينقصها أن تتوحد في صورة دولة؟

إن الأمة تقوم علي توافر شروط تتعلق بالمكان, و الاقتصاد, و اللغة, و التاريخ; ثم تكتمل هذه الشروط بالتكوين النفسي المشترك; و تعد العقيدة الدينية جانبا من جوانب عديدة تشمل اللغة و العادات و غيرها تشكل في مجملها ذلك التكوين النفسي المشترك و من ثم فإن وحدة العقيدة لا يمكن لها وحدها أن تقيم أمة, غير أن الحركات الإسلامية تقوم علي العكس من ذلك تماما; إذ تقوم علي أن الرابطة الفكرية العقائدية- و هي جزء من التكوين النفسي كما أشرنا- تكفي للحديث عن أمة قائمة بالفعل مزقتها قوي معادية للإسلام و اصطنعت بينها حدودا سياسية قومية و أضفت القداسة علي تلك الحدود. وللحقيقة و الإنصاف; فإن القول بتلك الهوية العابرة لحدود الوطن ليس بالقول الجديد; فقد قال جمال الدين الأفغاني بوضوح في مجلة العروة الوثقي عام1884 لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم و أكد ذلك بقوله... و علمنا و علم العقلاء أجمعون أن المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلا في دينهم و اعتقادهم ثم يخلص إلي أن... المسلمين من يوم نشأة دينهم إلي الآن لا يتقيدون برابطة الشعوب و عصبيات الأجناس, و إنما ينظرون إلي جامعة الدين, لهذا نري المغربي لا ينفر من سلطة التركي, و الفارسي يقبل سيادة العربي, و الهندي يذعن لرئاسة الأفغاني, لا اشمئزاز عند أحد منهم و لا انقباض

و يستمر هذا التيار الفكري في التدفق ليقول الشيخ يوسف القرضاوي في مطلع الألفية الثانية ملخصا موقف الإسلام من الوطنية بقوله: ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تتقدم فيه العصبية الوطنية علي الأخوة الإسلامية حتي يقول المسلم وطني قبل ديني وإن دار الإسلام ليس لها رقعة محددة و مشاعر الولاء للإسلام و أهله هي التي تقود المجتمع وكذلك مشاعر البغض لأعداء الإسلام و يقول في إدانة واضحة للفكرة الوطنية في واقع مصر والوطن العربي و الإسلامي.. شجع المستعمرون النعرة الوطنية هادفين إلي أن يحل الوطن محل الدين, وأن يكون الولاء للوطن لا لله أن يقسم الناس بالوطن لا بالله وأن يموتوا في سبيل الوطن لا في سبيل الله

خلاصة القول إن فكرة أسبقية الانتماء الديني علي الانتماء الوطني فكرة ضاربة الجذور في تراثنا الإسلامي; و لكن الأهم هو حقيقة أن تلك الفكرة وحدها مهما بلغ رسوخها و اليقين من صوابها عند أصحابها, لم تكن مرتبطة دائما بممارسة العنف. فثمة خيط رفيع يفصل بين الفكر و شكل الممارسة; و تبين ذلك الخيط الرفيع هو المدخل الرئيسي لمواجهة الإرهاب الذي نعاني منه في الوقت الراهن; و لقد عرفنا بالفعل في الثلاثينيات من تاريخنا الحديث نقدا فكريا حادا في إطار بالغ الاحترام لفكر ملحد صريح, دون أن يتطور الأمر إلي ممارسة عنف أو دعوة إليه أو حتي تجاوز لفظي, كما حدث بالنسبة لإسماعيل أدهم و كتابه الشهير لماذا أنا ملحد; و ما أثاره من مجادلات.

اخر الأخبار