إغلاق الأنفاق: خطوة في المسار الصحيح

تابعنا على:   14:29 2013-10-13

د. مازن صلاح العجلة

قد يثير عنوان المقال جدلا ومعارضة. فكيف ندعي أن إغلاق الأنفاق على الحدود بين قطاع غزة ومصر خطوة في المسار الصحيح، وهي التي يتصور الكثيرون أنها شريان يضمن استمرار الحياة في القطاع المحاصر؟

للتذكير فان ظاهرة وجود الأنفاق التي انتشرت غداة الحصار الكبير لقطاع غزة في منتصف 2007، إنما وجدت بتدبير تجار ومهربين استغلالا لوضع صعب توقفت فيه، فجأة، معظم إمدادات السلع والمواد الخام عبر المعابر التي تربط القطاع بإسرائيل. فكانت تلك فرصة ثمينة ونادرة لتحقيق الربح السريع والثراء المريح، لتوفير السلع التي منعت من خلال التهريب عبر الأنفاق. وللتذكير أيضا، فان السلع الأساسية اللازمة والضرورية ظلت تمر عبر المعابر الرسمية، ردا على من يدعي أن الأنفاق وجدت لتوفير حليب الأطفال والغذاء والدواء!

يتضح إذن، أن حفر الأنفاق وبداية عمليات التهريب منذ ذلك التاريخ وطوال ستة أعوام خلت، لم يكن خيارا أو قرارا وطنيا يحظى بإجماع القوى والفصائل الفلسطينية، بل هو توجه تجاري بحت، ليس له علاقة بكسر الحصار، هذا إذا لم يكن قد أكده وأطال عمره. وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أن التهريب أسفر عن ظهور طبقة جديدة تقدر بحوالي 600 مليونير جراء التربح السريع والفاحش من التهريب لصالح تجار ومحتكرين، وذلك خلال عامي 2008،2009 فقط، في الوقت الذي تجاوزت فيه معدلات الفقر 40% من الأفراد داخل قطاع غزة خلال هذين العامين.

ويمكن تعزيز وجهة نظرنا، بعد هذه المقدمة، في أن إغلاق الأنفاق ضرورة وطنية وخطوة سليمة نحو تصحيح المسار الاقتصادي، وإعادة البوصلة باتجاه الاحتلال، باستعراض النقاط الآتية:

-        إن التوجه نحو حفر الأنفاق لتهريب البضائع وتوفيرها، كحل للحصار، قد أعفى سلطات الاحتلال من مسئوليتها تجاه القطاع، الذي يعتبر محتلا حتى تاريخه، وفقا للقانون الدولي. فخروج قوات الاحتلال من القطاع في أغسطس 2005، كان عملية خبيثة لإعادة تموضع قوات الاحتلال وبما يضمن لإسرائيل استمرار السيطرة على القطاع وبتكلفة أقل كثيرا من البقاء داخله. فها هي قوات الاحتلال ما زالت رابضة على تخوم القطاع الشرقية والشمالية والغربية ( بحرا). بل وأنشأت منطقة عازلة على امتداد الحدود البرية الشمالية والشرقية للقطاع بعمق يتراوح بين 500- 1000 متر، يمنع بموجبها المزارعون من الوصول إلى أراضيهم الواقعة ضمن هذه المنطقة. ومن ثم كان الرد الصحيح والأنسب، على الحصار الإسرائيلي، هو القيام بحملة دولية وإقليمية شعبية ومؤسساتية قانونية واعية، مستمرة ومتصاعدة ، وفي إطار هذا التعاطف الشعبي العالمي، لإرغام الاحتلال على إنهاء الحصار وإعادة فتح المعابر بموجب الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وهو ما لم يتم.

-        إن تعزيز التهريب من خلال الأنفاق، وزيادة أعدادها وتنوعها طولا وعرضا وارتفاعا، بل وتخصصها للأفراد أو البضائع حسب النوع والشكل، قد صاحبه تشجيع من المسئولين في غزة، تطور إلى المطالبة بفتح الحدود والمعبر التجاري وإنشاء منطقة حرة والتوجه بقوة جنوبا باتجاه مصر، وكل ذلك في ظل الانقسام، الأمر الذي ينطوي على مضامين سياسية تضر بالمصلحة الوطنية، وتتماهى مع أهداف الاحتلال في دفع القطاع باتجاه مصر في محاولة سياسية إستراتيجية للتخلص من مسئولية الاحتلال عن قطاع غزة. للتوضيح فان العلاقة مع مصر الشقيقة هي مطلب استراتيجي شعبي ورسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية، ولكن في ظل حكومة وطنية واحدة، وفي إطار الاتفاقيات الموقعة بين السلطة ومصر.

-        ترتب على الاعتماد على التهريب من الأنفاق التي أغرقت القطاع ببضائع قد لا تخضع للرقابة الصحية والوقائية والتجارية، تشوه في النظام التجاري ونمط الأسعار الذي كان سائدا طوال سنوات، باتجاه خلق آليات وأعراف وتعاقدات وأطراف، بل ومفردات ومسميات جديدة، لم تخدم إلا التجار والمحتكرين، الذين أشبعوا الطلب السوقي بسلع ذات جودة متدنية وأسعار مرتفعة، حيث وصل معدل التضخم عام 2008 – ذروة عمل الأنفاق- إلى 15%، في ظل معدلات بطالة تجاوزت الخمسين بالمائة.

-        لا يمكن بأي حال التعامل مع التهريب وكأنه تجارة خارجية من المتوقع أن تؤثر ايجابيا على النمو الاقتصادي والبطالة. فرغم ضخامة حجم التهريب والذي تراوحت قيمته بين 800 مليون إلى مليار دولار سنويا (إحصاءات غير رسمية)، إلا أن معدلات النمو ظلت سالبة طوال الفترة 2008-2010، وتزايدت معدلات البطالة والفقر وتفاقمت أزمة السيولة، وتأثرت المؤسسات المالية والمصرفية سلبا، وتعاظم تأثير الاقتصاد غير الرسمي والخفي وما ترتب على ذلك من انتشار ظاهرة غسيل الأموال، وتعذر الحصول على إحصاءات رسمية عن الأنشطة الاقتصادية في القطاع. ولم توفر الأنفاق حلولا ناجعة – وما كان ينبغي لها أن توفر- للمستثمرين والمصانع والمزارع التي توقفت نتيجة توقف إمدادات المواد الخام والمتطلبات اللازمة لاستمرار العملية الإنتاجية. ناهيك عن المضار الاجتماعية التي برزت نتيجة اتساع عمليات تهريب الممنوعات.

-        كل الدلائل كانت تشير إلى أن هذا الوضع، مهما طال الزمن، يمثل حالة استثنائية مرتبطة بالانقسام وتداعياته. وهي حالة ستنتهي حتما في ظروف محددة، لم يكن احد يتوقع موعدها على وجه اليقين، أو يستطلع مداها الذي ستصل إليه تحديدا. وها نحن اليوم نقف على أعتابها بعد إغلاق معظم الأنفاق. حيث بدأت مواد البناء وإمدادات الوقود في التدفق عبر معبر كرم أبو سالم، وللعلم فقط، هناك العديد من السلع التي كان من الممكن أن يستوردها التجار عبر كرم ابوسالم منذ تخفيف الحصار منتصف 2010، إلا أن انخفاض أسعار هذه السلع في مصر ( بسبب الدعم) دفع باتجاه جلبها من الأنفاق. وقد يقول قائل أن هذا الوضع يشكل عودة إلى تحكم الاحتلال وسيطرته. ورغم سذاجة القول وسطحية الادعاء، إلا أنني لست في حاجة للتأكيد على أن سيطرة الاحتلال استمرت وبكل أشكالها، للأسف، طوال فترة الانقسام وما زالت. إن الوضع القانوني المتشكل على ارض الواقع هو أننا نخضع للاحتلال ونعيش في ظل ممارساته، ولكننا نسعى للتخلص منه بكل إشكال النضال والكفاح، ولا بد أن يكون ذلك في ظل سلطة وطنية واحدة، وقيادة واحدة وبرنامج وطني واحد نحو دولة فلسطينية عتيدة.

من نافلة القول أن السلع المهربة ساعدت على تخفيف وطأة الحصار وشدته، إلا أنها تمت بتكلفة سياسية واقتصادية عالية، وارتبط اسم قطاع غزة صاحب الانتفاضات والمواجهات مع الاحتلال، بأنفاق التهريب وثقافتها. إننا لا نسعى لتوفير سلع استهلاكية تغطي احتياجات الناس، بل نسعى لبناء اقتصاد ومؤسسات توجها نحو الدولة.

في ظل هذه التداعيات القاسية والخطيرة التي نعيشها في القطاع، ليس أمامنا بدائل، ولا نملك الوقت اللازم والكافي لكي نمارس ترف الاختيار ورفاهية المراهنة على تغيرات قد تحدث هنا أو هناك، فإما أن نتجاوز محنة الانقسام التي تطاول عهدها وصولا إلى نعمة المصالحة والوحدة الوطنية، أو نستمر في التردي نحو مجهول يصعب التكهن بطبيعته ومآلاته.

– باحث ومحاضر في الاقتصاد

[email protected]